آخر تحديث:08:38(بيروت)
الأحد 07/07/2019
share

صور فؤاد الخوري الفوتوغرافية... الحرب حطام "بس"

وضاح شرارة | الأحد 07/07/2019
شارك المقال :
  • صور فؤاد الخوري الفوتوغرافية... الحرب حطام "بس"
    الوطن العائم
  • لي مكان
    لي مكان
قد لا يحجم المصور الفوتوغرافي فؤاد الخوري، ومعه جيريمي بيكوك (الارلندي!)- والاثنان يعرضان في صالة نمر من 12/6 إلى 27/9/2019 مجموعتي صور فوتوغرافية مشتركة، جمعاها تحت وسم الوطن العائم- عن تثبيت مشهد هندسي، مربع المكان، وتكاد أضلاعه المستقيمة تحاكي مادة المشهد صفاء وإيجازاً. واسم الصورة نهاية الطريق (1994، تاريخ تصويرها). ويخالف هذا، لوهلة أولى، بعض "تقاليد" فؤاد الخوري على ما يسع المشاهد ملاحظته في مجموعة مجموعات صور هي تمرير الزمن (عن دار كاف، 2017). فهو حين تناول مسطحاً مثل المدينة الرياضية (1982، ص 64 من تمرير...)، ملأه بما لا يحصى من الحصى والحجارة ودرجات السلالم وجثث السيارات والمصابيح المطفأة والمحطمة، وألحفه سماء من غبار لا يُرى شكلها المستطيل والخالي من التقعر على شاكلة سماء سوية أو معقولة.


وفي صورة أخرى، الطريق الساحلي (1974، ص 34-35، بالأسود و"الأبيض" كذلك)، لا تبعد من نهاية الطريق شكلاً و"موضوعاً"، يجتمع الغروب، وشمسه العليلة كأنها قمر وبحر الزبد ورذاذ الضوء ونباتات حافة الطريق والاسفلت المبري، وإليها سيارة سابحة في ضباب الرؤى (يمحو المصور السائق، ويسوِّد جهة السيارة التي لا يضيئها مصدر النور، ويستبقي بقعة ضوء تحت جسم المركبة) وفوق الريح- تجتمع هذه كلها على إنشاء كون طيفي يسابق بعضه بعضاً إلى الأفول والغرق.

وعلى خلاف هذه الصورة التي تعود إلى عقدين قبل 1994، والتقطها فؤاد الخوري على طريق بيروت – صيدا على الأرجح، عشية حروب وليس حرباً أهلية واحدة "معلنة"، على معنى العلم بقدومها وشرَّ نذرها، على خلافها تفصّل نهاية الطريق موضعاً واحداً، هو منقلب طريق ترابية وإسفلتية، في عشر صيغ وخمسة أزواج. وترتب الصيغة الواحدة، في زوجين متقابلين، على مثال متجدد عناصر مشتركة: أعلى المنقلب، السيارة، الكثيب، الطريق، المنحدر، الناس، الأفق، السماء، الضوء. فيدعو جوار الصحراء إلى توقع خسف وشيك يلتهم الناس والآلة على نحو ما التهم الطريق. وتُفهم النهاية في وسم الصورة ليس على معنى الحد والآخِر بل على معنى التبدد والانتفاء. والعدد يروي سيروراتها. فالصفر "العلمي"، الكيميائي أو الفيزيائي، على قول إنغلز (فريدريش، صديق كارل الصدوق والمنسي)، ليس صفراً واحداً، ولا يساوي، في أحواله كلها والمعادلات التي يختمها وتنتهي إليه، كماً واحداً. والنهاية على هذا، نهايات، وصورُ بلوغها كثيرة.

ويروي الكرسي الأحمر (1993، الصورة الثالثة من المعرض إذا مشى المتفرج من باب الصالة إلى الداخل) ما بعد نهاية "العالم"، أو بعد تحطيمه تحطيماً "ممنهجاً" في صيغة الوصف الجنائي والقضائي. فـالكرسي الأحمر، وهو كرسي معدني وكسوة المقعد من قماش أحمر، يتوسط حجرةً لم تبق ذرةٌ من سقفها وجدرانها وأرضها، وبواطن هذه (السقفيات وتمديداتها، والجدرانيات وبطانتها...)، في موضعها المفترض، أو قارّةً في تأليف تشارك فيه ذرة أخرى. وتشهد الأسلاك المتدلية من سقف مبقور فوق أرضية تغطيها البقايا والأعقاب- ليس أعقاب السجائر وحسب بل أعقاب علب السردين وخرق الثياب والأثاث الخشبي والزجاج على أصنافه والبلاط-  على طي مكان أو محل إقامة وسكن وحياة مجتمعة سابق.

 وقد يتذكر المشاهد القول الربيعي (أيار/مايو 1968) الفرنسي: "تحت رصف الطريق (ثمة) رمل الشاطئ"، كنايةً عن بلوغ طراوة الحياة البكر والصافية حين اقتلاع الاسفلت والاسمنت والحجارة التي ترصف بها الطريق، ورميها على النظام وشرطته، على ما صنع الطلاب والعمال في أيار / مايو العتيد. وقد تكون البشارة بـ"الحرب الجميلة"، بـ"أجمل الحروب" على "الأميركيين" في ساحات بيروت "العربية" من أصداء التوقيع الفرنسي الشعري.

وما تنشئه عدسة فؤاد الخوري الفوتوغرافية وتصفه (والعدسة على تعيين سيغفريد كراكاوير، تصف المادة "على ما هي عليه" وتنشئ الشكل وتؤلف بينهما) ليس حرباً، إذا صدق تصوير بيكاسو حرب اسبانيا في مرآة غيرنيكا، وترديد بعض عناصر التصوير هذا في أسنّة عبدالحميد بعلبكي وخيله. والحطام المتخلف عن الدمار الذي يصوره فؤاد الخوري، دمار حروبنا في شوارع مدننا وأزقة حاراتنا و"متحلقات" ضواحينا وأحزمتها، لا يصلح شظايا يعيد لملمتها، ويستأنفها في رسم مفهوم، طائرةً جاثمة على أرض خلاء أو ركام قمامة متناسلة البؤس والشموخ، عملٌ على شاكلة "منمنات" أيمن بعلبكي. فما بعد حروبنا هو هذا الحطام "بس"، على قول الجمهور السوداني مخاطباً طغاة الحروب الأهلية وقادة الفيالق المذهبية والعرقية. وعلى هذا، تبدو صورة فؤاد الخوري لا تنسَ سلاحك (1982) من آثار إقحام الدراما المنزلية "البورجوازية" على الملحمة العدمية الصارمة. وهو قرينةٌ على ضعف المصور بإزاء أهومته.

وفي نخيل أصفر (1993) والشجرة (1993) وعبر النافذة (1995) "يبرهن" المصور اللبناني وزميله الإرلندي برهاناً فادحاً على جواز استيلاد عدم ثقيل وكثيف (أنظر أعلاه مقالة إنغلز في الصفر) من المساحات المتصلة والملونة. وذلك على شرط "بسيط": تضمين اللون المتصل عتمة ليلية لا يلوح خيطٌ أبيض في ثناياها، ولا ثنية فيها أصلاً. والمكان الذي يلون على هذا النحو، وقد يجمع أشياء واحةٍ أو بيت، ينقلب سجناً ضيقاً وخانقاً، ولا يسع المشاهد بإزائه إلا اختبار جهاز تنفسه والاطمئنان إلى دوام قيامه بالعمليتين السويتين.

وفي وسع المصور (أو المصورين) رواية قصص هانئة ولو على شاكلة محادثة عبر الشريط الحدودي (1995). فالحاجز أو الشريط، في الصورة الفوتوغرافية، لا يفرِّق ولا يحجز ولا يبعد أهلاً من أهلهم. والأمتار السبعة أو الثمانية علواً مليئة بالخروق، ولا تزن مثقال ذرة في ميزان الأرض والسماء، وفي ميزان الزرقة ولون التراب والعشب، وقياساً على وجوه النساء والطفلة وثياب العيد التي تلبسها. وينبغي ربما إتمام القول: وقياساً على العدسة الحرباء وجمعها من غير افتعال ولا جهد لغةً تتخاطب بها الأشياء والأوقات والأمكنة في السراء والضراء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها