آخر تحديث:16:04(بيروت)
الجمعة 05/07/2019
share

نورييف في الأوزاعي!

محمد حجيري | الجمعة 05/07/2019
شارك المقال :
نورييف في الأوزاعي! نورييف ومارغو فونتين على شاطئ الاوزاعي
في الساعات الأخيرة، كنت "أعصر" رأسي للتعليق على مهرجانات بعلبك التي بدأت الخميس، مع حفلة لمارسيل خليفة بعنوان "تصبحون على وطن". كان هدفي القول إن بعلبك تستقبل مهرجانات "ضخمة"، لكن في الواقع المهرجانات معزولة أو منفصلة سوسيولوجيا عن المدينة وناسها، وعدلت عن الفكرة، قلت إنها ممجوجة ومكررة كما كل النقد الموجة للمهرجانات، كما كل النواح على ماضي مدينة الشمس الزاهر، والحديث عنها لم يعد يجدي نفعا.

ما لفتني وأنا اسرح وامرح في "بيادر" الفيسبوك أو وباء الحداثة السيالة، صورة نشرها الدكتور أنطوان قربان نقلا عن أحد معارفه، لمارغو فونتاين ورودولف نورييف وهما يستجمان على شاطئ في بيروت، وعلق عليها "ضاحية بيروت الجنوبيّة سنة 1964 بمناسبة مهرجانات بعلبك الدولية. السيدة مارغو فونتاين والسيد رودولف نورييف أشهر نجوم الرقص الكلاسيكي... على الرمال البيضاء بلاج سان سيمون... رحم الله لبنان الحضارة والثقافة... أهلا بالشعبويّة المقرفة والتمييز العنصري البغيض... وخطاب الأستفزاز ذو الرائحة النتنة"...

والحق أذا تأملنا الصورة المذكورة في زمنها (وهي متوفرة في موقع "غيتي")، مقارنة بحاضرنا، نجد أنها تختصر الكلام، وتوفر التعليق و"عصر" الرأس بحثاً عن فكرة لامعة ووامضة وعابرة للكتابة والتمحيص وقول القول و"الفذلكة"، والاختصار والتوفير لا يقتصر على التعليق الكلامي والصحفي، بل على واقع التحولات التي طرأت على لبنان وناسه وعمرانه وثقافته وأحلامه وسياسته وحكايته... فرودولف نورييف (1938-1993)، أحد النجوم الكبار الذين استضافتهم مهرجانات بعلبك على مدرجاتها، مثله مثل أم كلثوم وإيلاّ فيتزجيرالد وموريس بيجار، بحسب الكاتب إيغور اوبولونسكينشر. وهو راقص باليه (سوفياتي) "منشق" بحسب التسمية السياسية وقد "خسر وطنه وكسب العالم في الحرب الباردة"، بدأ ضجيج العالم حوله عندما سلّم نفسه إلى السلطات الأمنيّة الفرنسيّة طالباً اللجوء السياسي في مطار لو بورجيه في باريس في 16 حزيران/يوينو 1961، وبين ليلة وضحاها، أصبح "بطلاً" تتحدّث عنّه وسائل الإعلام العالميّة وتفرد له الصفحات وتباع بملايين النسخ.

قبل فراره وانشقاقه ودخوله "بلاد الحرية"، أعد جهاز الاستخبارات السوفييتي "كي جي بي" تقريراً عن تصرفاته وعلاقته. واشارت التقارير إلى خروجه المتكرر من الفندق ورجوعه المتأخر، وإقامته علاقات وثيقة بفرنسيين بعضهم من المثليين جنسياً، على رغم ابلاغه أن هذه التصرفات لا تليق بـ"أخلاق" الفنان السوفييتي. وفي وقت لاحق، حكم عليه غيابياً بالسجن لمدّة 7 سنوات بتهمة "خيانة" الوطن. وإثر انتهاء العروض الباريسيّة واثناء انجازه معاملات المغادرة من مطار باريس، أبلغ أن عليه العودة إلى موسكو لأمر عاجل على أن يلحق لاحقاً بالفرقة إلى لندن. وأدرك نورييف أنهم يريدون القبض عليه، فتملص من رقابة عملاء الـ"كي جي بي"، وسلم نفسه الى الأمن الفرنسي.. و"ابتسم القدر للراقص الفار" بحسب الكاتب إيغور اوبولونسكينشر، فبعد 5 أشهر من هروبه التقى مارغو فونتاين، الراقصة الاسطوريّة التي كانت تكبره بـ20 عاماً وزميلته على الشاطئ البيروتي في الصورة. فذهب معها إلى لندن متخفياً باسم "رومان". ولكن هويته لم تخف على أحد. وأدّيا رقصة "بحيرة البجع"، وخرج الثنائي 89 مرّة لتحية الجماهير الذين واصلوا التصفيق. فولد أشهر ثنائي راقص في القرن العشرين.

وعزز نورييف دور الراقص في عروض باليه تعطي البطولة المطلقة للراقصات، استعاد على طريقته بعض كلاسيكيات هذا الفن في مسارح مختلفة من العالم من بينها اوبرا باريس، وجمع بين الرقص الروسي ونمط الفرقة الفرنسية، وقدّم من ضمن ما قدمه مع فونتين، عرضاً راقصا على مدرجات بعلبك في العام 1964، في زمن كانت مي عريضة تدير المهرجان وتشارك فيه.

واذا كان نورييف سوفييتياً منشقاً ونجماً في زمن "الحرب الباردة"، ففونتين بحسب وثائق من الارشيف نشرت قبل سنوات، كانت ضالعة في محاولة الانقلاب على حكومة بنما في الخمسينات من القرن الماضي، بدعم من الزعيم الكوبي فيدل كاسترو. واوقفت الراقصة لوقت قصير في نيسان/ابريل 1959 بعد محاولة الانقلاب التي نفذها زوجها البنمي بمساندة 125 من "الثوار" الكوبيين. ولم تثبت علاقة مارغو فونتين بهذه العملية، الا ان الوثائق البريطانية المنشورة كشفت عن حديث دار بينها وبين مساعد وزير الخارجية البريطاني آنذاك جون بروفومو تقر فيه بانها التقت فيديل كاسترو مع زوجها وشاركت في محاولة الانقلاب.

توفيت مارغو عام 1991 وتوفّي نورييف في 6 كانون الثاني/يناير 1993، ولفّ نعشه بسجّاد تراثي تتاري ووضع في الغراند اوبرا باريس الذي كان نورييف مديره طوال 6 سنوات.

واذ كان لمهرجانات بعلبك "عزها"، فإن لشاطئ الاوزاعي، حيث التقطت صورة نورييف وفونتين عام 1964، "عزه" وحكايته ومجده (يحتاج بحثاً خاص). كان جزءاً من شواطئ الـ"سان بلاج" (التسمية الشعبية على ايقاع تسميه القديسين بدل سان سيمون) كان لها عزّها وجمهورها العريض في بيروت، والممتدة من الأوزاعي الى الرملة البيضاء وصولاً الى عين المريسة والروشة. كان الشاطئ العام هو المتنفس الوحيد لمختلف اللبنانيين. أمّا المنتجعات السياحية فكانت تُعدّ على الأصابع ويقصدها المشاهير والأغنياء قبل أن يجعلها بعض المسلحين مساكن للمهجرين من مناطق النزاع في الحرب، وقبل أن تبدأ العشوائيات "الجماهيرية" زحفها وقبل أن تصب مجارير  المدينة والضواحي برازها في المياه، وقبل أن تبدأ الهيمنة الرأسمالية الاستثمارية على الأملاك البحرية بأي ثمن.

كانت الهجرات الداخلية والحروب الاهلية جزءاً من تبديل المشهد وتحويله من متنفس مديني إلى طوق بشري وكابوس عمراني وبيئي، والتحولات التي طرأت على شاطئ الاوزاعي ومحيطه، طرأت على مدينة بعلبك، فغادرها كثيرون وأتت إلى أطرافها مجموعات جديدة من السكان باتت تفرض نفسها و"ثقافتها"، ولذا باتت المهرجانات مبينة على "عز" آفل، في حاضر مرير لا تنقذه جرعة تنفس من الكوما.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها