آخر تحديث:17:16(بيروت)
الخميس 04/07/2019
share

المتحف

رشا الأطرش | الخميس 04/07/2019
شارك المقال :
المتحف حاجز للجيش اللبناني في الجبل (المدن)

للقانون والأخلاق والصواب السياسي، في لبنان، مكانة رفيعة، مرجعية، ومحترمة.. على غرار مقتنيات المتاحف التي تحفظ لجماعة أو شعب تاريخاً ومنجزات وسرديات إنسانية ووطنية. لكنها، تلك المقتنيات، خارج التداول حُكماً، لا مكان لها في الحياة اليومية، لا في السياسة ولا في الاجتماع ولا في الاقتصاد. إنه الاحترام العقيم، الرِّفعة النافية إلى عالم موازٍ مُعترف بوجوده ومتخيّل إلى حد الأسطورة في آن واحد: المتحف الذي تسهر الحكومات على تدبيره وحمايته وصيانته، ليبقى رمزاً، ليستمر ماضياً في الحاضر، أو ربما لتستمر خرافاته.

حتى متاحف التاريخ الحديث أو المعاصر، ومتاحف التيمة التي قد تتمحور مثلاً حول النازية، الجنس، السجون، العمارة الاشتراكية أو الشيوعية، الفن الإسلامي، نابليون وبيتهوفن، غاندي وغيفارا... هي أماكن للزيارة، للتبرّك العاطفي والفكري، وأحياناً للدراسة. قد يُستشهَد بموجوداتها على سبيل المقارنة أو التحليل، قد تنظّم بها وفيها فعاليات مُسقَطة عناوينها على الحاضرـ كسبيل للانخراط في النقاش العام من مدخل جندري أو تاريخي، فني أو انتروبولوجي، لكنها تبقى الجُزر الجميلة، واحات التأمل والدهشة المضبوطة، والتي قلما تتخطى أشعة شموسها حدود العتبات عند المداخل والمخارج الأنيقة.

أما الحرب اللبنانية، ورغم المتاحف التي تسعى جمعيات فنية وأهلية لوضعها فيها، وذاكرة الحرب التي يشتغل عليها مصوروها المخضرمون، ومتضرروها المدنيون كأهالي المفقودين والمخطوفين، فما زالت الحرب هذه هي الدستور العملي، الميثاق الخفي، دليل المستخدم الذي لا يوزّع مع بطاقات الهوية لأنه محفور فيها يدلّ على أصالتها كما العلامات المضادة للتزوير. ومهما حاول أصحاب النيات الحسنة، الديموقراطيون من قلوبهم وعقولهم، قَلبَ المعادلة المُتحفية هذه، فالأرجح أنهم سيبقون، هم أنفسهم، أسرى جزيرة من تلك الجزر، تُزار ويُزارون من وقت إلى آخر لإراحة النفس وتنفيس العُصاب.

منذ أحداث الجبل، يوم الأحد الماضي، وصولاً إلى الجولات المكوكية السياسية والأمنية المستمرة، بين دارات نبيه بري ووليد جنبلاط وطلال أرسلان، واستشرافاً لتوتر طرابلسي سيستقبل جبران باسيل السبت المقبل، يسمع واحدُنا ويقرأ الكثير من "الصوابيات": لا يحق لأحد إغلاق الطرق، لسنا في فيدرالية، محاسبة الجناة، الاستفزاز كلمة تجانب حرية التعبير والتنقل، السياسة للكل تُمارس في كل لبنان، لا للغة الحرب ونبش قبورها، الدفاع عن التعدد والتنوع، بئس الطائفية وزعمائها، تباً للحرب وأمرائها... ورغم أحقّية مبدئية في الكثير مما يقال، فإن نظرة واحدة إلى ميادين العيش اللبناني، الدولتي الرسمي، والشوارعي الشعبي، تجعل المشروعية هذه أشبه بدخول المتحف الذي لا يختلف كثيراً عن الخروج منه إلا في أثر من رضى ثقافي يُشبع حاجات هواة النوع، وهواة النوع فقط.

وننظر إلى القانون، إلى أمثلة سريعة وراهنة في (لا)قوانين الإدارة مثلاً، ولا نقول قانون انتخابات، ولا حتى مراسيم تعيينات. الحروب الطائفية تفرض قوانينها الأرضية مرعية الإجراء حقاً، فيما دفاتر الشروط العتيقة قابعة في فترينات افتراضية. وأي غرابة لبنانية في ذلك؟

رأينا، مؤخراً، الدفع من أجل أن ترسو محطات عائمة لاستيراد الغاز، في "المناطق المسيحية"، لتستقر في النهاية في البداوي والزهراني وسلعاتا، بعدما سمحت وزارة الطاقة "العونية" لمنشآت النفط بإجراء مناقصات وفضّ عروض بدلاً من الدوائر المتخصصة في الدولة. ونسمع، مجدداً، الكلام عن "وزارة الطاقة كضمانة لحقوق المسيحيين"! ونقرأ عن جمعية خاصة باسم "المركز اللبناني لحفظ الطاقة"، مرتبطة بوزارة الطاقة منذ تولي "العونيين" زمامها وهي شريكتها في المناقصات والمشاريع، وآخِرها المشروع المشترك بين الوزارة والحكومة الهولندية لإنشاء محطات شمسية. والمسطرة نفسها تقيس الكثير من الوزارات والمسالك الدولتية الرسمية. فبأي سوية يُستهجن إقفال الطرق بالإطارات المشتعلة، وتُرفض معادلات الخصوصية المناطقية؟

إذا كانت المشاريع "الوطنية" تدار هكذا.. وتعالوا نطنّش لهم على تجاوزات موازنة الطاقة، لنحصّل مكاسب في موازناتـ"نا"، وإلا فسنعرقل كل شيء، ليس من أجل الحق العام بل من أجل "حقنا" العام؟ فكيف في حالة الكحالة وكفرمتى وقبرشمون؟ كيف إذا دعسوا في قلب طائفة لتعويم هوامشها الحليفة على حساب متنها الخصم؟

وإذا كان وزير قادراً على تعطيل جلسة مجلس وزراء، باسم القانون ومن خلف ظهره، بالاتكاء على تحالفه مع رئيس الحكومة الذي جعل وزيرة داخليته "تُراضي" وزير تعطيله.. فكيف لا تتعطل لغة الكلام والأرقام التي أظهرت في الأمس القريب أن الجبل، في انتخابات 2018، كاد، لولا فوارق اللحظات الأخيرة، أن يأتي بنائب(ة) مستقل(ة) من اللوائح الخارجة على الأحزاب الطائفية المعروفة؟ وكيف لا تستعر، بدلاً منها، لغة إطارات مشتعلة ورصاص سكبه خطاب "كوع الكحالة" ومن قبله خطاب دير القمر؟ وكيف لا نستشرف مثلها في طرابلس، حينما يصرّ المُستفِز على استفزازه، بعد كل ما جرى وقبل إنجاز التهدئة، بل ويبكّر موعد زيارته؟!

الأرجح أن أحداً لا يصدق، بمن فيهم باسيل وعمّه، أن هذه جولات ترفع الحدود بين اللبنانيين. لكن الأهم هو أن نفهم جميعاً كيف أنها ترفع جدراناً أعلى حول المتاحف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

المصارف: سقوف جديدة الخميس 05/12/2019
ودائع الأمهات الجمعة 29/11/2019
ثورة السلطة الخميس 21/11/2019
المزيد