آخر تحديث:12:52(بيروت)
الأربعاء 31/07/2019
share

"شجار قطط".. الرواية كأداة للمعرفة والمتعة

أحمد شوقي علي | الأربعاء 31/07/2019
شارك المقال :
"شجار قطط".. الرواية كأداة للمعرفة والمتعة رواية مندوثا تطرح صورًا متنوعة للحياة في طبقة الأوليغاركية
يقول عبد الرحمن منيف، في "الكاتب والمنفى"، إن "الرواية كما أفهمها، وكما أكتبها، أداة جميلة للمعرفة والمتعة"، محددًا ما افترضه وظيفة من شأنها أن "تجعلنا أكثر إدراكاً وأكثر إحساساً بكل ما حولنا، وقد تقول لنا، في السياق، أشياء عديدة يجدر بنا معرفتها أو تذكرها"؛ ماهية تلك المعرفة التي تتجاوز السعي المنطقي للفن في الكشف عن تعقيد الطبيعة الإنسانية، باعتبارها أحد روافد المعرفة الرئيسة، إلى معارف أخرى أكثر تنوعًا واختلافًا.

ويختصر منيف -عبر عبارته الملهمة تلك- شرحًا يطول حول المعرفة كغاية قد يسعى النص الروائي إلى إدراكها، مثل ما حاوله فلوبير، الذي أراد -لسنوات طويلة- أن يكتب رواية بمثابة موسوعة كاملة تحتوي على كل مدارك وعلوم الإنسانية، أو موسوعة عن الفن التشكيلي الكلاسيكي، حسبما اختار الأسباني إداوردو مندوثا(*)، في روايته "شجار قطط"(**)، التي ترجمت مؤخرًا إلى اللغة العربية.

تندرج رواية الكاتب الأسباني، الحاصلة على جائزة "بلانيتا" للرواية العام 2010، ضمن تصنيف الرواية الوقائعية، حيث تستمد قصتها من الأحداث السابقة على اندلاع الحرب الأهلية الأسبانية (1936 -1939)، وتدور في مدريد قبل شهور قليلة من اندلاع تلك الحرب، وتفرد مساحة كبيرة لخوسيه أنطونيو بريمو دي ريبيرا، مؤسس حزب الفلانخي الإسباني (حزب فاشي)، وابن الديكتاتور بريمو دي ريبيرا الذي حكم أسبانيا في الفترة من 1923 إلى 1930، وكذلك يظهر فيها –سريعًا- الجنرال فرانثيسكو فرانكو، الديكتاتور الذي حكم أسبانيا منذ 1936 ولمدة 39 سنة تالية حتى توفي العام 1975، لكن البطل الرئيس للرواية هو الفنان "بيلاثكيث"، أحد أعظم الرسامين الأسبان، ورسام البلاط الملكي في عهد فيليب الرابع، أو بشكل أدق لوحاته، التي تجذب هي والفن التشكيلي الأسباني، الناقد البريطاني أنتوني وايتلاندز (وهو شخصية متخيلة) ليقود ومعه رسام القصر الملكي أحداث الرواية المتلاحقة.



يحدد مندوثا هدفه من الرواية ابتداءً من عنوانها الرئيس، والمستمد من لوحة "شجار قطط" للفنان الإسباني فرانثيسكو دي جويا، والتي يظهر فيها قطان أسودان يتعاركان فوق سور مهدّم، فيما يشير إلى الأزمة الأسبانية من خلال العنوان الثانوي "مدريد 1936"، ممهدًا القارئ للدخول إلى عالم سردي يحتل فيه "الفن التشكيلي" المتن في حين تتراجع الأزمة الأسبانية إلى الهامش، بخلاف ما درج عليه من أعمال تتناول الأحداث الكبرى، تأخذ فيها العلاقات الإنسانية محل الصدارة بينما تجري في الخلف منها الوقائع الكبرى، ليستطلع عبر ذلك الشكل "المختلف" من أدب الوقائع، ليس أعمال بيلاثكيث وحده، وإنما أعمال الكثيرين من رواد الفن التشكيلي في العالم.

وربما تستدعي تلك القراءة لـ"شجار قطط"، موقف ميلان كونديرا من رواية مثل "ما بعد الصيف" لرائد النثر النمساوي أدالبرت شتيفتر، التي صنفها نيتشه كواحدة من ضمن أهم أربعة كتب في النثر الألماني، في حين قال عنها الكاتب التشيكي، إنها "بالكاد تكاد تُقرأ في نظري، فنحن نتعلم منها الكثير عن الجيولوجيا والنبات والحيوان وجميع الحِرف والرسم والعمارة، لكن الإنسان والأوضاع الإنسانية تتواجد على هامش هذه الموسوعة التربوية الهائلة".

غير أن مندوثا في روايته لا يهمش العلاقات الإنسانية في مقابل اهتمامه بالفن التشكيلي، بل يستمد الدراما في روايته من لوحات بيلاثكيث وتيتسيانو وغيرههما، ويحولها إلى علاقات إنسانية تقود الأحداث إلى ذروتها، فتبدو حياة أبطال الرواية متناصة مع قصص أبطال اللوحات، أو تبدو أحداثها التي جرت في مدريد عام 1936، كصور رسمها فنانو القرون الوسطى، ابتداءً من لوحة غويا التي تصور الحرب الأهلية كشجار قطط على سور متهدم، وانتهاءً بأنتوني وايتلاندز (بطل الرواية) وقد تقمص دور أكتيون في لوحة تيتسيانو الشهيرة "مصرع أكتيون" في موقف لا يختلف كثيرًا عما جاء في الأسطورة اليونانية التي تصفها اللوحة.

وعلى الرغم من كثرة التفاصيل والاستطرادات السردية الطويلة، التي تبدو كمقالات قصيرة عن تاريخ الفن التشكيلي، إلا أن الحبكة البوليسية التي صنعها مندوثا، منحت روايته، مع كل فصل من فصولها، إثارة متجددة. فأنتوني وايتلاندز، الناقد التشكيلي الإنكليزي، يذهب في مهمة عمل إلى مدريد، في تكتم شديد، لتقييم لوحة تعود إلى القرن السادس عشر، يمتلكها صديق لخوسيه أنطونيو بريمو دي ريبيرا، نجل الديكتاتور ميغل دييغو دي ريبيرا، والتي قد تمثل قيمتها المالية عنصر الحسم لصالح تغيير سياسي كبير في أسبانيا، وحول أصل تلك اللوحة ونسبتها إلى بيلاثكيث، والجهة التي ستستفيد من قيمتها المالية يدور الصراع في الرواية.

اختار مندوثا بطلاً أجنبياً لروايته، ليس فقط كي يبدو حياديًا ولا يتبنى أي من وجهات النظر المتناحرة قبيل اندلاع الحرب الأهلية في أسبانيا، وإنما أيضًا لأنه يمثل بعدم انتمائه ذلك، مصدر أمان لأبطال الرواية الآخرين، حيث تحول "بحكم وضعه كأجنبي وسلوكه المرن (...) إلى أنسب وعاء لتلقي اعترافات الكثير من الأشخاص ووسيلة تنفيس عن نوبات غضب البعض الآخر"، وهكذا تتكشف لوايتلاندز خلال مدة إقامته القصيرة في مدريد، الكثير من خبايا العائلات الأرستقراطية، فيرتبط بصداقة خوسيه دي ريبييرا، ويصبح قريبًا من دائرة النقاش في حزب الفلانخي الفاشي الذي استعمله الجنرالات وقودًا للإسراع بالحرب الأهلية.

وعلى الرغم من تلك الرغبة الحيادية التي أراد مندوثا التعامل بها مع الأحداث المأزومة لروايته، إلا أنه لم يتعامل بالمنطق ذاته تجاه بطله الإنكليزي، الذي ظهر كمغرور متواضع الموهبة، بدا في كثير من تكوينه الشخصي شبيها بالطبيب نيكولاس جاريجان، بطل رواية "آخر ملوك اسكتلندا"، للروائي البريطاني جايلز فودن، والذي ساقته الصفتين ذاتيهما إلى هلاكه.

يترك أنتوني وايتلاندز لندن إلى مدريد، هربًا من قصة حب مع زوجة صديقه الأقرب، باحثًا عن فرصة ربما تجلب له تقديرًا لم يحصده خلال مسيرته العملية، ويورطه غروره، كمنتم لبلد ديمقراطي وليبرالي مثل بريطانيا، في أحداث كثيرة ظنا منه أن يمتلك القدرة الكافية للتأثير على مجرياتها، بينما هو يرسم لنفسه طريق هلاكه، كذلك يصور له غروره، قدرته على الإيقاع بالجميلات الأسبانيات في شباك وسامته، كبريطاني ينتمي إلى ثقافة أرقى، قادر على إنقاذهن من مصيرهن البائس الذي ينتظرهن بسبب الأحداث السياسية، غير أن وهمه الأكبر والذي كاد يودي بحياته، هو تقديره الخاطئ لقدراته كناقد متمرس في الفن التشكيلي.

لم يعبأ وايتلاندز بالأحداث الجسام التي تجري في مدريد، ولم يفهم إلا متأخرًا، رغم كل الإشارات الواضحة، أن القيمة المالية التي سيقدرها لتلك اللوحة ستستخدم لدعم الفلانخي الفاشيست (هو الليبرالي) في صراعهم مع الجمهورية الأسبانية، جل ما اهتم به البريطاني كان اللوحة التي تقبع في قبو القصر الذي يملكه دوق إجوالادا، والتي ظن خطأ نسبتها إلى بلايثكيث، ورغم محاولة أستاذه إقناعه بخطأ تقديره، إلا أنه لم يكن يرى سوى الضجة التي سيثيرها اكتشافه المزعوم في الوسط الأكاديمي الإنكليزي، بعد أن ينجح في الكشف عن وجه آخر لم يكن معروفا عن رسام البلاط، لكن ذلك كله يذهب أدراج الرياح بعد احتراق اللوحة، مثله مثل أوهامه عن قدرته في السيطرة على "الحرب الأهلية في أسبانيا"!

إن رواية مندوثا، كبيرة الحجم، تطرح صورًا متنوعة للحياة في طبقة الأوليغاركية، وتصور عن قرب الواقع المأزوم قبيل اندلاع الحرب الأسبانية، وتسخر في الوقت نفسه من العنجهية الأوروبية في التعامل مع المجتمعات الأقل تقدمًا، لكنها كنص أدبي، تطرح صيغة جديدة لرواية المعرفة، التي تقدم فنا نخبويا كالفن التشكيلي في قالب تشويقي لا يخل بالقيمة الأدبية للنص، بل وتضيف على ذلك متعة في ما تقترحه من طرق لتذوق فن التصوير، دون أن تتحول إلى درس تربوي ممل.

(*) إدواردو مندوثا، روائي أسباني يكتب بالكتالونية والإسبانية، من مواليد 1943، وقد نال جوائز عديدة، أبرزها جائزتي فرانز كافكا 2015، و"ثربانتس" 2016.

(**) صدرت الطبعة العربية من "شجار قطط" عن دار مسعى البحرينية، ونقلها عن الإسبانية المترجم المصري طه زيادة، وقد جاءت الترجمة بارعة وغنية، ومزيدة بهوامش أنجزها المترجم توضح كثيرًا من الوقائع والمعلومات التي تضمنها السرد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها