آخر تحديث:13:23(بيروت)
الأربعاء 03/07/2019
share

"فتوى" لمحمود بن محمود.. الكيتش التنويري

محمد صبحي | الأربعاء 03/07/2019
شارك المقال :
  • "فتوى" لمحمود بن محمود.. الكيتش التنويري
    متى نتوقف عن الاحتفاء بأعمال غير ناضجة تبين نفسها طليعية وتقدمية؟
  • فتوى
    فتوى
حدث هذا قبل أكثر من تسعة شهور في صالة سينمائية قاهرية. فور انتهاء عرض فيلم "فتوى"(*) للتونسي محمود بن محمود، ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي، صفّق الناقد السينمائي الجالس بجواري في صالة السينما محيياً الفيلم بمصاحبة عدد آخر من الحضور. كان التصفيق خجولاً، وأغلب الظن أنه لا يقارن بما ناله الفيلم حين عرضه في المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، ما استدعى تعليقاً غاضباً من جاري المتحمس للفيلم، والذي قال لرفيقته (الناقدة السينمائية أيضاً) "واضح إن السينما فيها إرهابيين كتير مش عاجبهم الفيلم"، فأمّنت الأستاذة على كلامه وأردفت: "يلا بينا نخرج بسرعة".


لم أنس ذلك التعليق بنصّه إلى الآن، ويبدو أنه سيلازمني لفترة طويلة بطول المدة التي سيحياها الفيلم في القاعات وما يناله من احتفاء نقدي ومهرجاني(**) يثير أسئلة كثيرة، لا تتوقف عند حدود الحساسية المعتادة من أفلام الإنتاج المشترك في تناولها ظواهر اجتماعية تحمل في أسبابها مظاهر أزمة الحداثة العربية ومأزقها الوجودي المرهق، بل تتعدّاها إلى التساؤل حول طبيعة فهمنا للسينما كأداة تغيير أو كوسيلة تحليل نقدية تساعد في إدخال بعض الهواء الجديد إلى حيز النقاش والجدل. هل على كل مَن يعتبر نفسه فناناً جاداً الاتكال على نوايا جمهوره الطيب لتقدير "رسالته"، بدلاً من السعي لإشراكهم في تحفيز عملية التفكير في موضوع الفيلم؟ وهل ما زال سارياً ذلك الفهم القديم عن الفن الجاد باعتباره نصائح واعظة وتوجيهات مكشوفة تستقوي برؤى ذاتية لا يدعمها بحث متأنٍ أو دراسة معمّقة؟

 

المخرج القادم من خلفية إسلامية (كان والده إمام مسجد واشتغل عمّه بالفتوى)، يختار لفيلمه عنواناً يعبّر به عن أهمية الكلمة وسلطتها وتغيّر معناها بمرور الزمن. فالفتوى المستجدة لتسهيل حياة المسلمين وتسيير أمور دنياهم، تحوّلت، بحسب المخرج في حديث صحافي، بعد إفتاء الخميني بإهدار دم سلمان رشدي، من السلمية إلى الدموية. لا يبخل الفيلم بالفتاوى، فهناك ما يستهدف الأم بالقتل، والأب بالهَجْر، والابن بالتقويم. لكن اللافت في حديث المخرج أن أصل الفيلم يعود إلى بلجيكا، تحديداً العام 2004، حين قرأ المخرج مقالة حول معسكر جهادي في بلجيكا، فتحمّس وبدأ الكتابة، إلى أن توقف بتوقُّف التمويل. ثم التفت إلى تونس، وقرأ عما كان يحدث خلال العامين 2012 و2013 وقرر إعادة صياغة السيناريو لتدور أحداثه هناك، بعدما حذف الجزء الخاص بالمعسكر البلجيكي! لكنه احتفظ بمنتجيه الأصليين، أي الأخوين البلجيكيين، لوك وجان بيار داردان، الحائزين على سعفتين ذهبيتين في مهرجان "كان" السينمائي، وصاحبي الاسهام المميز في سينما القضايا الاجتماعية والاستخدام الفعّال للكاميرات المحمولة لإحداث حسّ توثيقي وواقعي في أفلامهم، ومؤخراً اندمجا بقوة في الوقوف وراء أعمال سينمائية تتناول الظاهرة الدينية والتطرف الديني في أوساط الشباب المسلم والعربي (شاركا من قبل في إنتاج فيلمي محمد بن عطية "نحبّك هادي" و"ولدي"، كما أنجزا أيضاً هذا العام فيلماً بعنوان "الشاب أحمد" يحكى قصة شاب مسلم متطرف عزم على قتل معلمه).

يختار "فتوى" أن يعود بطله إلى تونس ما بعد الثورة، وبالتحديد في العام 2013، عام الاغتيالات السياسية الأبرز والصراع على شكل الدولة بين المعسكرين المدني والإسلامي؛ منطلقاً من قصة إنسانية مؤثرة حول أب تونسي مقيم بفرنسا (أداء جيد من أحمد الحفيان)، حيث يعيش مع زوجته الثانية وابنته. يعود إلى تونس لتشييع جنازة ابنه الذي لقي مصرعه في حادث دراجة نارية اصطدمت بحاجز أمني، بحسب الرواية الأمنية. لكن الأب يرتاب في الرواية، ويحقّق بنفسه في مآل ابنه، ليكتشف أنه ترك دراسة الفنون الجميلة والتحق بخلية إسلامية متطرفة. يسعى الأب المكلوم لتقصّي أسباب تطرف ابنه، وتحديد المسؤول عنه، والكشف عن أسباب الوفاة.

البداية تكون مع الأم (غالية بن علي في أداء تمثيلي آخر سيئ وغير مفهوم) التي يقدّمها الفيلم كامرأة تقدمية، يسارية، فاعلة سياسياً، لا تدخر جهداً في مواجهة المتطرفين (أو "الظلاميين" كما تسمّيهم طوال الفيلم)، والدفاع عن حرية الفكر والمعتقد ضد قوى التخلف والرجعية، إلى آخر الكومبو المعتاد في شخصية مثل هذه، وينتهي بها الأمر إلى أن تكون هدفاً لفتوى بإهدار دمها لتعدّيها على الإسلام. ثم يلتفت الفيلم إلى الطرف النقيض، أي الأشخاص الذين غسلوا دماغ الابن وصيّروه شخصاً آخر، فنراهم في هيئات وملامح وتصرفات منقوشة بالتفصيل من السينما المصرية في التسعينيات (زمن الإرهاب المصري الجميل). شخصيات سطحية درامياً ونمطية للغاية تتصرّف - وفق فهم المخرج - بصورة مزعجة. لكن اللافت فعلاً هو تشابه -وربما تطابق- رؤية المخرج مع رؤية بعض "التنويريين" المصريين للتيار السلفي (بعد سنوات طويلة من ظهوره) كمجرد شيء دخيل/طفيلي/قادم من الخارج، أو كما يلخّصه التعبير المفضل لهم "الغزو الوهابي للبلاد". وفي الأثناء، يعرج الفيلم على جلسات شُرب تجمع بين الأب وصديقٍ جديد (تعثّر به في بداية رحلة البحث) في حجرة سرية من بار قديم يمتلكه الأخير تحوّل إلى مقهى (بفعل ضغوط المتشددين)، يتبادلان فيها عبارات وأفكار المخرج حول حنينه للزمن القديم، والتغيير القسري للنمط الاجتماعي للتونسيين الذي أودى بالبلاد إلى عصور التخلف، ومسؤولية السلطات الأمنية حول صعود التيار الديني المتشدد.

هذا هو الفيلم: ملخصه ومنتهاه. فرغم الأداء التمثيلي الجيد من أحمد الحفيان وسارة حناشي (زوجة الشيخ السلفي المسيطر على الشباب المتشدد)، وحركة الكاميرا الدقيقة (محمد المغراوي)، والمونتاج السلس (فرجيني ميسايه)؛ يظل الموضوع طاغياً ومشبعاً برؤية ذاتية تتخذ موقفاً مسبقاً يقضي باستسهال البحث عن أصل التحوّلات التراجيدية التي شهدتها تونس عقب صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في أواخر 2011، وتحميلها بسهولة إلى حركة النهضة وحليفيها السياسيين، من دون أي جديد يُطرَح أو مساءلة اليقين الشخصي، تاركاً الفيلم مندفعاً بالقصور الذاتي إلى نهايته الصادمة والمروعة، نافياً بها إمكانية الوصول إلى حلّ توافقي يسمح للجميع بالعيش المشترك الآمن. وربما يكون ذلك هو المدخل الأساس لفهم كافة الجوائز التي حصل عليها الفيلم في مهرجانات عربية كبرى مثل قرطاج (الجائزة الذهبية) والقاهرة (أفضل فيلم عربي). فالفيلم ناجح تماماً في مسعاه "التنويري" باستفزاز جمهوره على المستوى الشعوري الرافض للعنف عموماً (أليس هذا إنسانياً ومقبولاً على نحو واسع؟)، لكنه فاشل تماماً في أسلوب التقديم المعتمد على الخطابية والمباشرة والكاريكاتورية. كل هذا معطوف على نزعة إنسانية الفيلم، كثمرة حتمية لاعتماده أفكاراً سابقة التجهيز ومنظوراً ثنائياً للبشر لا نرى فيهم شخصيات ديناميكية من لحم ودمّ بقدر ما هم آلات يسيّرها الفيلم بقوة فوق إنسانية.


والحال، أن الفيلم بصورته التي ظهر فيها، ليس سوى رقم جديد في سلسلة لا تنتهي من إفرازات "الكيتش التنويري" العربي، الذي لا يرى أساساً لكل موبقات وشرور العالم إلا في الدين (وأحياناً في الفهم الخاطئ له)، ولا يرى وسيلة للمواجهة إلا بتطرُّف مضاد. وأسوأ ما في هذا الكيتش حقيقته المؤكدة، التي تسود كل حقيقة أخرى أو احتمال ممكن، بحيث يتحوّل إلى بالوعة مفتوحة تمتصّ حتى الاسهامات الجيدة والذكية من عناصر الفيلم، وثقب أسود يبتلع أي نظرية تقول بخلاف ما يعتنقه صاحبه. فـ"التنويري" العربي لا ينزل إلى الواقع بل يطلب من العالم أن يأتي إليه عابراً مضيقه الفكري (الذي هو نقد الدين)، حتى نرى ديكتاتوراً ناشئاً مثل عبد الفتاح السيسي يصمّ آذاننا منذ سنوات بضرورة "تجديد الخطاب الديني"، ولا نرى في النهاية سوى مطالبته بإلغاء الطلاق الشفهي في جملة عابرة تأتي وسط حديثٍ أساسه مكايدة شيخ الأزهر الذي رفض مسبقاً الاستجابة لطلب الرئيس المصري بتكفير خصومه(؟) من مقاتلي "داعش" في سيناء.

استدعاء مثال السيسي ليس بعيداً من إشكالية "فتوى" ورؤية مخرجه، وإنتاجات فنية أخرى كثيرة ترفع لواء "التنوير في مواجهة الظلاميين". ففي هذه الحالات، يكون التجرؤ على الدين مشروطاً بحدود التزامه بانحيازات صاحبه وأفكاره المسبقة عن شروط التنوير (لا حاجة لذكر الإغفال التام والمريب للسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأوسع)، من دون تفكير نقدي يستهدف تفكيك الظاهرة الدينية مثلاً، ومن دون فهم أبعاد التطرف الديني بما يستعصي على مقاربة أحادية تُسقِط رؤاها الذاتية على موضوع متنوع وغير مركزي في جذره ويغذّي طيفاً معتبراً من الآراء والتوجهات، فضلاً عن فعل ذلك (النقد) من خارج سياقه (الدين) أصلاً. لتكون النتيجة تجذيراً لخصومة بين طرفين نقيضين، يغالي كلّ منهما في ابتعاده عن الشاطئ الآخر، فيما الطرف الذي يُفترض فيه التعقّل ورجاحة الفكر (وهو ما يهمّنا في هذا الصدّد، بما إننا في الجانب العلماني ذاته، بشكل أو بآخر) يصرّ على التعامل بميكانزمات دفاعية صبيانية لحيازة استحقاق جدارة، في نهج يليق بحوار طُرشان.

بنحر الأب في المطار قبل عودته إلى فرنسا، ينتهي "فتوى" وتنتهي رسالته وإجابته الجاهزتين، لكن لا تتوقف الأسئلة والأفكار التي تثيرها حياته في القاعات. الإرهاب لا يصنع لوحده فيلماً جيداً، ونوستالجيا زمن الاستبداد العلماني الجميل لا تفعل سوى نزع السياق الأوسع عن ظاهرة معقدة، ونقد الدين من خارج سياقه ليس أداة ذكية للتحليل، والمونتاج الجيد في فيلم سيء يمكنه التكفُّل بإكمال العرض. والردّ على التطرف الديني لا يكون بتطرف مضاد يحمل صاحبه أختام العصمة. أخيراً، هل أمامنا زمن طويل حتى نتوقف عن الاحتفاء بأعمال غير ناضجة تبين نفسها كطليعية وتقدمية؟ ربما أولاً ينبغي اختفاء ذلك المتفرج الذي يستقطبه فيلم "تنويري" مليء بالمغالطات المنطقية، فيتبنّى منطقه الثنائي "إما معي أو ضدي"، ليعلن بثقة متطرفة أن مَن لا يعجبه الفيلم هو بالضرورة إرهابي.

 

(*) عُرض في بيروت ضمن فعاليات الدورة الرابعة من "مهرجان كرامة ـ بيروت لأفلام حقوق الإنسان"

(**) فضلاً عن تتويجه بجائزة التانيت الذهبي لمهرجان قرطاج السينمائي 2018 وجائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي 2018، توِّج الفيلم مؤخراً بالجائزة الكبرى للمهرجان المغاربي للفيلم 2019، كما حصل على 4 جوائز في الدورة الثانية لمهرجان السينما التونسية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها