آخر تحديث:15:47(بيروت)
الأربعاء 24/07/2019
share

حامد سنو لـ"المدن": "باسم الأب والابن" ليست عن المسيح

منى مرعي | الأربعاء 24/07/2019
شارك المقال :
حامد سنو لـ"المدن": "باسم الأب والابن" ليست عن المسيح الأغاني التي تتعرض للهجوم سبق ان قُدمت في مهرجان بيبلوس
تستمر حملات أبلسة فرقة "مشروع ليلى" من قبل مجموعة من الأفراد الذي يجدون أنفسهم غيارى أكثر من غيرهم على مفاهيم الديانة المسيحية. من بين هؤلاء، صفحة في "فايسبوك" بإسم "جنود الرب"، ترى في أعمال الفرقة التي بات انتشارها عالمياً، ما ينتهك حرمة المسيح وما يدنس أرض جماعةٍ من الناس وما يمس بكراماتهم وبكرامة قديسيهم. تكاثرت رسائل الفيديو التي تمّ تداولها وتشاركها على هذه الصفحة وفي وسائل التواصل الإجتماعي. واستندت حملة الشيطنة والتهديد إلى ثلاث ركائز، اعتمدها المعترضون: كلمات أغنيتي "أصنام" و"الجن" للفرقة، تشجيع أعضاء الفرقة للمثلية الجنسية، صورة نسبت للفرقة تسيء للسيدة العذراء. 

في خلفية تلك الركائز، ترتسم معالم معركة حامية الوطيس، أججّها حاملو هذا الخطاب مستحضرين كل ما يهدد المسيحيين في الشرق، لإسقاطها في أغنيتين لا علاقة لهما، لا من قريب ولا من بعيد بمخاوف، قد يحاول المرء تفهم منبعها. ليس للتوافق معها انما لمحاولة إرساء مساحة تحاور ونقاش، ولربما هذا أكثر ما نحتاجه أمام موجة استقطاب الثنائيات التي غالباً ما يكون متطرفاً، وغالباً ما يؤدي الى حملات تخوين وقطع رقاب وتحليل دماء، وما إلى هنالك من أكسسوارات مشهدية "حماية الذات من هذا المسخ الذي أتى على حين غرّة ليهدّد وجودنا".

ومَن هو هذا المسخ؟ فرقة موسيقية لا يعيش كامل أعضائها على الأراضي اللبنانية. تقدم الفرقة حفلتين أو ثلاث على الأكثر في السنة، بينما تلقى أغانيها رواجاً في الشبكة العنكبوتية وتستقطب مئات آلاف المشاهدات.

في كل الأحوال، قد يكون من المفيد إلقاء نظرة على حجج المعترضين - أصحاب مقاطع الفيديو-  لربمّا هنالك ما يغيب عنا، نحن المتحمسين للدفاع عن الحريات وحقوق المضطهدين. قد نكون مخطئين، في حماستنا هذه اذ نعيب عليهم حقهم في التعبير عن هواجسهم. ما علينا، يتهم دعاة منع الحفلة بـ"القوّة وبالعصي" فرقة "مشروع ليلى" أنهم أهانوا الكتاب المقدس وجسد يسوع المسيح من خلال الكلمات التالية الواردة في أغنية "أصنام": "حرفوه ورددوه، قدّسوه ورّتلوه، طربنا بحفلاتو لما بلش يلعبلنا الأسرار اللي خربشناها على الحيط بحماماتنا، فسّر الغنية فصلبناه بخشب المسرح، كان يكتب من الجوع وما في أكل على المذبح". اجتزأ دعاة المنع والتحريم هذا المقطع من أغنيةٍ كاملة، معتبرين أن الفرقة تتحدث عن المسيح مستهجنين استخدام كلمة "يلعبلنا"... ورابطين استخدام عبارات كالصلب والمذبح بصورة المسيح، مغفلين سياقاً كاملاً للأغنية والتي كانت جُملها الأولى: "كانت الدفاتر بيضا وحياتنا ما بتتغنى، والراديو يذيع مللنا يمّا خمس أو خمسين مرة. لَمرة سمعنا فارس قلنا نردم معابدنا، رحنا وعمرناله معبد تاني بمحلها... سلطنا الضو على وجو لما طلع حتى يمكسِج... ويطلع يعزف ليتخيل حالو بالأفلام ونحنا نصدق حكيو حتى نبرر الأصنام...".

بداية الأغنية واضحة، تنطلق من مِلل هذا الزمن الخالي من الأنبياء. قد يكون تفسير كلمات أغاني "مشروع ليلى" مفتوحاً على تأويلات متعددة، وقد نسلّم جدلاً أن أحد تأويلات هذه الأغنية مرتبطُ بالمسيح لمجرد استخدام عبارات لصيقة بمسيرته، ولكن مهلاً... لم أسمع يوماً أن المسيح كان فارساً، ولا أذكر أنه دعا يوماً الى ردم المعابد، ومن المؤكد أن المسيح لم يتحدث عن أي أصنام ليصدّقها أتباعه ويبرروا وجودها. إذاً ما حكاية غيرة الدين هذه وما حكاية الأغنية؟

لدى التواصل مع حامد سنو، أحد مؤسسي "مشروع ليلى" والمغني الرئيس في الفرقة، استغرب الأخير لصق كل ما لُصق بهاتين الأغنيتين اللتين، بالمناسبة، أنتجتا منذ ما يزيد عن السنتين وتمّ تقديمهما في "مهرجانات بيبلوس" في السابق وغيرها من المهرجانات اللبنانية التي استقبلت الفرقة. لم يفهم حامد لماذا أصبحت الأغاني نقطة خلاف الآن. واعتبر أنّ هذا الأمر إن دل على شيء، فهو يدل على "أن الأغاني نفسها ليست في الحقيقة موضع تساؤل هنا، خصوصاً أن الناس يختارون الكلمات التي تناسب أجندتهم، من دون أن يسألوا فعليًا أي أسئلة حول الأغاني نفسها أو البيانات التي قدمت في الماضي حول معنى الأغاني". يكمل قائلاً: "إن أحد سطور الأغاني هو "باسم الأب والابن" يفترضون أنها تتعلق بالأب والابن والروح القدس. هذا القول لا يتطلب قفزة هائلة فوق مضمون الكلمات فحسب، بل يتطلب أيضًا تجاهلًا صارخًا للبيانات التي أدليتُ بها حول موضوع الأغنية: مشكلتي مع الكحول بعد وفاة والدي. الأب والابن يدوران حرفيًا حول علاقتي بوالدي... أما بالنسبة إلى أغنية الأصنام، فهي تتطرق إلى كيفية تعامل الناس مع الموسيقيين اليوم كأنهم أوثان. أنا بصراحة لا أفهم التواء المنطق المطلوب للإستنتاج بأن هذه الأغنية تدور حول المسيح، كما لو كنا نحاول طعن إيمان الناس، وهذا ما لا يتناسب على الإطلاق مع التصريحات التي أدلينا بها سابقاً حول أهمية حرية سائر البشر في ممارسة معتقداتهم، وحماية تلك الحقوق".

أين تكمن المشكلة اذاً؟ في الميول الجنسية التي أشهرها علناً حامد سنو؟ لربما هذا ما كان يلمح إليه الأخير وهذا ما ورد في عدد كبير من التعليقات وشرائط الفيديو التي أرسلت، ومن بينها فيديو لرجل دين يدين "الشذوذ الجنسي الذي تروّج له الفرقة". غابت عن أصحاب هذه الآراء مواقف البابا فرنسيس التي يطلقها منذ عام 2013، والتي تدعو الى قبول المثلية الجنسية، متسائلاً: "من أنا لأحكم على مثليي الجنس؟"، طالباً، عبر صحيفة الإندبندنت "عدم التمييز ضدهم وتجنب تهميشهم". ويدعو في المقالة نفسها أهل مثليي الجنس الى "الصلاة، إلى عدم إدانتهم، الى محاورتهم، وإفساح المجال لهم، معتبراً أن تجاهلهم سيكون خطأ. وفي مكان آخر يذكر أن المثلية ليست خطيئة ويقول لأحد المثليين أن "الله صنعك هكذا ويحبك كما أنت".

أمام خطاب البابا المتسامح هذا، يطالعنا بعض رجال الدين الغيارى على أرض القداسة والحضارة والتاريخ بمواقف توحي أن ما ارتكبته فرقة "مشروع ليلى"، أشبه بحرب الساسان على الأمبراطورية البيزنطية. أحد رجال الدين يتحدث عن تدنيس الأرض: "ما تسمحوا لحدا يدنسلكن أرضكن. ما بقى إلنا غير هالبلد. وين بدنا نروح بعدين... هربنا عبلادنا عجبيل. شو بعد بدن منا. ما تتركوهن يربحوا بالسلم يللي ما قدروا عملوه بالحرب.... الهدف هوي تهجيركن من أرضكن ومن كنيستكم ومن إيمانكن ليلبسوكن إيمان جديد...". صاحب هذا التصريح اعتبر موسيقى الـunderground هي "عبادة للشيطان"، والبعض الآخر استشهد بصورة لمادونا نشرها حامد سنو في "فايسبوك"، واتضح لاحقاً أن الصورة تعود لمقال لا علاقة لحامد به...

يأسف حامد سنو لما سماه التعقب التعسفي الذي يحدث في لبنان، معتبراً أن هنالك مساحة ضئيلة من الحريات التي لا تتمتع بها سائر البلدان المحيطة بنا وهذا ما يدعو للفخر: "من المحزن والمثير للقلق أن نرى أشخاصاً في البلاد يحاولون دفع الحكومة إلى التراجع في الاتجاه الخاطئ". وكأن هناك قعراً حكومياً أكثر من هذا الذي وصلنا إليه.

تبدو الدولة اللبنانية غائبة عن السمع أمام حفلة الوعيد والتهديد هذه. لم تصدر وزارة الداخلية 
أي بيان حتى الآن، أما لجنة "مهرجانات بيبلوس" فتتحفظ عن إصدار أي تصريح، معلنةً أن بياناً رسمياً سيصدر الأسبوع المقبل. وباستثناء تصريح الأب قسطون، الذي دعا الجميع الى الصلاة وعدم منع الحفلة، اتسمت مواقف المركز الكاثيوليكي للإعلام ومطرانية جبيل بمواقف شاجبة مهدّدة. 

هو الخوف الجيو-سياسي الذي يمس وجود جماعةً من الناس اذاً... تلك المخاوف توجب مقاربتها ومعالجتها بعيداً من حفلة موسيقية ستستقطب في حدها الأقصى خمسة آلاف شخص. للمفارقة، أن هذه الحملة تتزامن مع حملات أخرى مبنية على الخوف من الآخر السوري، الفلسطيني، والغرباء الذين أتوا ليهددوا "وجودنا على هذه الأرض". يتأجج شعور فائض العصبيات هذا بحرب تنافسية بين من يبدي غيرته أكثر على المقدّسات، المسيحيون أم المسلمون، ولا يهمّ إن كانت ممارسات الغيرة تلك تدعو الى القتل بالرصاص أو الى استباحة واستغلال ضعف جماعةً من الناس أو الى تعميم الجهل وتحوير وقائع واجتزائها. المهم غيرة الدين واستجلاب وَهمٍ مفاده أن الدين مهدّد، للتأكيد على بقاء أصحاب الأرض، وإن كانت ممارسات الغيرة تلك تناقض كل تعاليم الدين نفسه.

كنت أود أن أحلم بالسيناريو التالي: المركز الكاثوليكي للإعلام يصدر بياناً يعلن فيه اطلاعه على لكلمات "مشروع ليلى"، وأنه لا يرى فيها ما يمس بالقيم الدينية والإنسانية، ليقول بأن "المقدّسات المسيحية لا يمكن أن تُمسّ إن كان الإيمان راسخاً في قلوب المتدينين منا"، وليؤكد  أن "لبنان يجب أن يكون مهد الحضارات والتسامح والتعددية قولاً وفعلاً"، وما إلى ذلك من كلمات طنانة ورنانة. وبما أنني غالباً ما أحلم بشكل سوريالي، سأرى المطرانية في جبيل تدعو دعاة المنع الى احترام حرية التعبير، ولربما خرج رجل دين ليقول "أن الأمر يصوَّر كما لو أن مشروع ليلى تستبيح شاشاتنا وتلفزيوناتنا وتفرض علينا أن نسمع أغانيها... من يجد في أعمال مشروع ليلى إهانة، كل ما يستطيع القيام به هو الإمتناع عن الحضور. ليس حضور الحفلة إلزامياً لمن يرون في الحفلة ما يزعزع إيمانهم". بعد ذلك أحلم بأن تعبّر وزيرة الداخلية، ريا الحسن، عن قلقها من خطاب الكراهية المستشري في البلاد، داعيةً المرجعيات الدينية والسياسية إلى التصرف بمسؤولية وحكمة، مؤكدةً على واجب وزارة الداخلية في تأمين الحماية الأمنية لكل المواطنين المهدّدين على الأراضي اللبنانية كائناً من كانوا وإلى أي أرضٍ أخرى انتموا، داعيةً الجميع لتغليب منطق الحوار والنقاش في محاولةٍ لفهم مخاوف وهواجس الجميع عوضاً عن إرساء مزيد من المتاريس والعداوات... فهذا العالم لا يحتاج مزيداً من الحروب والمعارك".

لكني لم أعد قادرة حتى على الحلم، لأن النوم نفسه لم يعد متاحاً. أصبح العالم مخيفاً. لربما علينا جميعاً أن نراجع كيف وصل هتلر الى الحكم العام 1933.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها