آخر تحديث:09:45(بيروت)
الأحد 21/07/2019
share

"غزلان وسحرة"..عن نصر الجزائر ولاعبيها الهاربين من فرنسا

وجدي الكومي | الأحد 21/07/2019
شارك المقال :
"غزلان وسحرة"..عن نصر الجزائر ولاعبيها الهاربين من فرنسا منتخب الجزائر
 
انتهت بطولة كأس الأمم الإفريقية 2019 نهاية غير عادية، بعد مباراة حاسمة وقوية، جرت على أرض مصرية لتكون مفارقة تاريخية، تأتي بعد عشر سنوات بالضبط من واقعة تاريخية كروية مؤسفة جرت أحداثها بين مصر والجزائر في الخرطوم، مثلت ندبة في قلوب المصريين لم تندمل، وإن حاول بعضهم تجاوزها.


وبعد انتهاء بطولة "الكان"، بانتصار عنيف وقوي لـ"محاربي الصحراء"، أو "الأفناك" وهو اللقب الثاني للمنتخب الجزائر، نفتح ملفات حكايات الكرة الإفريقية، الزاخرة كمثل باقي حكايات الكرة في مختلف أنحاء العالم بالكثير من الوقائع المؤسفة، والكثير من التفاصيل المثيرة كذلك، وفي الأغلب كل الحكايات عن الكرة حُكيت بطريقة أو بأخرى، سواء عن طريق كُتاب مثل إدواردو غاليانو، أو عن طريق محاولات نقاد رياضيين أصدروا كتبا حديثة، مثل المصري ياسر أيوب الذي أصدر كتابا بعنوان "مصر وكرة القدم أين وكيف بدأت الحكاية".

إلا أن حكايات كرة القدم في إفريقيا، لم تنفد تماما. وربما لم تلق من الاهتمام، مثلما لقيته من الصحافي المصري عمرو نجيب فهمي الذي أصدر كتابا بعنوان "غزلان وسحرة.. نافذة على كرة إفريقيا"* جمّع فيه حكايات مهمة ولافتة عن المنتخبات الإفريقية، وعن حكام القارة السمراء الذين طغوا واستغلوا هم أيضا الكرة المطاطية التي حشاها المصريون القدماء بالقش، وصنعها الصينيون من الجلد وحشوها بالقنب، فيما صنعها الإغريق والرومان من مثانة الجاموس بعدما نفخوها ثم خاطوها، حسبما يقول إدواردو غاليانو.

وبمناسبة بطولة "الكان" في مصر، التي انتهت بانتصار الجزائر، ورفعها الكأس في مصر، وسط جدل كبير بين المصريين حول تشجيع محاربي الصحراء ورفضهم هذا التشجيع بسبب التاريخ السيئ الذي حملته مواجهات الكرة بين البلدين، كان كتاب "غزلان وسحرة" يحمل العديد والعديد من المعلومات والحكايات عن الكرة في القارة. يستهل المؤلف كتابه بنبذة مختصرة عن وصول كرة القدم إلى القارة عن طريق المستعمر البريطاني، وإرهاصات اللعبة الأولى في مصر وشمال إفريقيا، وتأسيس "الكاف" اتحاد كرة القدم الإفريقي بفكرة طُرحت في العاصمة البرتغالية لشبونة عام 1956، على هامش اجتماعات الاتحاد الدولي "فيفا" وهو العام الذي اتفقت فيه مصر والسودان وإثيوبيا وجنوب إفريقيا على تأسيس الاتحاد الذي خرج للنور في العام الذي يليه، وكانت الخرطوم مقره، وترأسه المصري عبد العزيز سالم.

وفي الفصل الأول من الكتاب الذي يعنونه المؤلف "الخريطة" يقسم القارة إلى أقاليم، ويتحدث عن سمات كل منها، كرويا، وتاريخيا مع اللعبة، وعلاقة فرقها بها، وأشهر لاعبيها. يبدأ بإقليم شمال إفريقيا، الذي يشير إلى أنه دائما ما يحضر منتخب من منتخباته في كأس العالم منذ العام 1978، ولو بممثل وحيد عن القارة، يقول عمرو فهمي: بلغة الأرقام هذا الإقليم صاحب وزن ثقيل في القارة، فقد لعبت أنديته كأس البطولة الكبرى "أبطال الدوري ودوري الأبطال" أكثر من غيرها، وتتعدد أسباب هذا التفوق، ما بين الإرث الحضاري القديم في بلاد الشمال، وأسبقيتها للمدنية كما أنها تقترب إلى أوروبا حيث استقدموا المديرين الأوروبيين لتدريب منتخباتهم، فعوضوا بالخطط المدروسة الأوروبية فارق القوة والمهارة والسرعة واللياقة البدنية عن لاعبي المنتخبات الإفريقية في الأقاليم الأخرى.

ويشير مؤلف الكتاب في جزء "وسط إفريقيا"، إلى نقائض غريبة إذ يضم هذا الإقليم الثلاثي المؤلف من الكاميرون والكونغو الديموقراطية والكونغو برازافيل، كدول لها تاريخ معتبر في كرة القدم، مقابل دول تقل أوزانها الكروية بشكل ملحوظ مثل تشاد وإفريقيا الوسطى والغابون وغينيا، وهي الدول الثلاث الكبيرة التي فازت بكأس الأمم، والكاميرون تحديدا صاحبة الإرث الكروي الأكبر في الإقليم، لكونها ضيفاً شبه دائم على كأس العالم منذ مشاركتها الأولى في مونديال إسبانيا 1982، كما أنها أول دول إفريقية تصل إلى ربع نهائي المحفل الكبير في نسخة 1990 قبل أن تعادلها السنغال في 2002 ثم غانا في 2010.

الخروج من الغابة
في فصل "الغزلان الشاردة" يتناول المؤلف عددا من الصور النمطية التي لاحقت اللاعبين الأفارقة منذ ظهورهم، ولم تزل تلاحق الأجيال الحديثة حتى الآن. ويروي عددا من الوقائع التي كرست لهذه الصور النمطية، ومنها مثلا شرود اللاعبين الأفارقة، وتجاهلهم تعليمات المدربين، بل ونسيان واجباتهم الدفاعية، وكذلك الأخطاء التي ارتكبتها اتحاداتهم وهي كلها من الوقائع التي كرست لصور نمطية عن اللاعب الإفريقي.

من تلك الوقائع، حينما ذهبت زائير كأول دولة من قلب إفريقيا إلى كأس العالم العام 1974، وهي للتو متوجة بلقبها الثاني كبطلة للقارة، وتصدر المدافع مويبو إيلونغا حديث متابعي الكرة في بلاده، والبرازيل، حين انطلق فجأة من الحائط البشري الذي كان يشكله مع زملائه ليسدد الكرة التي كان البرازيليون بصدد لعبها ضمن ركلة حرة.

بعد ثلاثين عاما على هذه الواقعة، بررها إيلونغا بأنها كانت نوعا من الاحتجاج على استغلال الفريق من قبل الساسة في بلاده.

يحكي أيضا في هذا الجزء من الكتاب عن اللاعبين الأفارقة الذين زورت اتحاداتهم أعمارهم، مثل نيجيريا التي شاركت بلاعبين بتواريخ ميلاد مزورة، تختلف عن تلك التي شاركوا بها من قبل في دورات أخرى ما أدى إلى إيقاف فرق الشباب النيجيرية مؤقتا، وكذلك واقعة المدافع الكاميروني توبي ميمبو، الذي اُكتشفَ أنه كان يحتفظ بثلاثة جوازات سفر بتواريخ ميلاد مختلفة استغل بعضها للاحتراف في أميركا الجنوبية ثم تركيا، والبعض الآخر للعب مع منتخب بلاده في التسعينيات.

ويشير المؤلف إلى واقعة المهاجم الغاني أوسو أفري، الذي قاد بلاده نحو النهائي في بطولة العالم للناشئين دون 17 عاما عام 1997 في مصر، لكنه أخفق بعد ذلك في رحلة الاحتراف في إسبانيا. انتهى به المطاف معتزلا عام 2007 أي وهو في السابعة والعشرين حسب تاريخ ميلاده الرسمي.

السحرة أيضا يلعبون
من الأجزاء الممتعة في الكتاب، وإن لم يتوسع فيها المؤلف، وربما لندرة الوقائع، أو لصعوبة إثباتها، قصص استعانة المنتخبات الإفريقية بالسحر والسحرة لهزيمة منافسيها. يحكي عن بيان الكاف الذي صدر في العام 2002 قبل انطلاق كأس الأمم في مالي، حذر خلاله المنتخبات المشاركة في البطولة من الاستعانة بمن يوصفون بـ"المرشدين الروحيين" وهو منصب ابتدعته الفرق الإفريقية لتبرير وجود ساحر، وقبل ساعتين من انطلاق مباراة الدور نصف النهائي بين الكاميرون ومالي، نزل إلى أرضية الملعب المدير الفني الألماني فينفريد شافر رفقة الحارس الكاميروني الأسطوري توماس نكونو، الذي كان وقتها مساعدا ضمن الطاقم الفني للمنتخب الأسود، وفجأة أحاطت الشرطة بالثنائي، واقتادوا نكونو مكبلا، ولم تنته القصة إلا بعد تدخل كبار المسؤولين من البعثة الكاميرونية، ولُعبت المباراة وفازت الكاميرون، لكن الشرطة المالية قالت إن نكونو شوهد وهو يلقي بتعويذة ما على أرضية الملعب كي يوقع السحر على الفريق المالي.

الواقعة التي ثبتت براءة نكونو بعدها، عكست قوة هاجس استخدام السحر في إفريقيا، إذ قبل هذه البطولة بعامين، كانت السنغال متقدمة على نيجيريا في ربع النهائي بهدف خليلو فاديغا، وقبل انتهاء المباراة بدقائق، ظهر المدير الفني للاتحاد النيجيري كاشيماوو لالوكو وهو يلتقط غرضا ما، بدا وكأنه تعويذة على مقربة من مرمى السنغال، فجأة سجل مهاجم نيجيريا هدف التعادل قبل النهاية بخمس دقائق، ثم عاد في الوقت الإضافي وسجل هدف الفوز. بعد خمس سنوات كشف لالوكو عن واقعة إبطال السحر السنغالي فقال: لو لم أفعل ما قمت به، وخسرنا المباراة لكتبت الصحافة كثيرا من الكلام بلا معنى، مشددا على أنه يؤمن بوجود سحر.

من الوقائع المثيرة المهمة في هذا الجزء من الكتاب أيضا ما يرويه المؤلف عن قصة مهاجم النادي الأهلي المصري السابق أحمد فيليكس أبواغي، الذي تعرض لكسر مضاعف في الذراع يتطلب علاج ستة أسابيع على الأقل للشفاء، لكنه رفض العلاج في مصر، وعاد إلى بلاده غانا للتداوي بالطرق التقليدية فعاد بعد أسبوعين سليما معافى.


طغاة أفارقة لاعبوا شعوبهم الكرة
لم تكن الشعوب وحدها التواقة إلى ضربات أحذية لاعبيها للكرة المطاطية المنفوخة بالهواء، بل زعماء القارة أيضا يضربونها، بينما يضربون شعوبهم بأحذية القمع والاستبداد، ويجلدون ظهورهم بنار الديكتاتورية. ومن هؤلاء الزائيري موبوتو سيسي سيكو الذي عمل منذ وصوله للسلطة في الكونغو عام 1956 على حظر كافة الأنشطة السياسية، ووجد ضالته في الكرة، لتقديم صورة إيجابية عن نظامه في الخارج. وكان قد غير اسم بلده من الكونغو إلى زائير، وخدمه الحظ، فصادف جيلين رائعين من أبناء بلده منهم الهداف نداي مولامبا، ولم يبخل موبوتو عليهم بشيء، فمنح كل لاعب سيارة ومنزلا وكان سقف توقعاته مرتفعا لدى وصول فريقه إلى نهائيات مونديال 1974 في ألمانيا، ولكن الفريق خسر أمام اسكوتلندا بهدفين، ونشبت بينهم حالة من التذمر بعدما علموا أن كل ما خصصه الفيفا من مكافآت للفرق سيذهب إلى زائير. فقرروا الرد في الملعب بالتراخي أمام يوغوسلافيا، فخسروا خسارة فادحة بعدما تلقوا تسع قنابل في شباكهم، وتلقوا مكالمة من كينشاسا العاصمة الزائيرية أعرب خلالها موبوتو عن تهديده لهم إذا خسروا بأكثر من أربعة أهداف أمام البرازيل.

حينما عاد منتخب زائير إلى بلاده، لم يجدوا أتوبيسه الأنيق في انتظاره في المطار، بل حافلة جيش عسكرية تنتظرهم، أقلته إلى القصر الجمهوري حيث تلقى أفراده تقريعا رئاسيا من موبوتو سيكو.


 في مواجهة الاستعمار الفرنسي
في السابع والعشرين من أكتوبر عام 1957، تأهلت فرنسا إلى نهائيات كأس العالم في العام التالي في السويد، بعد مباراة مع بلجيكا كان نجمها الأول مدافع موناكو الجزائري مصطفى زيتوني. يشير عمرو فهمي إلى أن مصطفى زيتوني لم يكن اللاعب الجزائري الوحيد في التشكيلة الفرنسية، بل رافقه وقتها مهاجم تولوز سعيد إبراهيمي المولود في عنابة، زيتوني وثلاثة من زملائه الجزائريين في موناكو، قرروا بعد أقل من ستة أشهر على قيادة فرنسا إلى المونديال، أن يهربوا إلى تونس، ليشكلوا منتخب جبهة التحرير الوطني لدعم المطالبة بالاستقلال، كأبلغ رد على الفظائع التي يرتكبها الفرنسيون في الجزائر. هكذا انضم لهم عبد العزيز بن طيفور، لاعب وسط المنتخب الفرنسي في مونديال 1954، ورشيد مخلوفي، هداف سانت إتيان، وحينما انتبه مسؤولو المنتخب الفرنسي، بدأوا إجراءات إخطار اللاعبين بالمعسكر التحضيري لمونديال السويد. كان اللاعبون يعبرون المنفذ الحدودي بين فرنسا وسويسرا، وبينما تحمل الإذاعة الفرنسية بيانا يحذر من اختفاء تسعة لاعبين جزائريين بينهم مخلوفي، ويستدعيهم لأداء الخدمة العسكرية، كان الضابط الفرنسي في المنفذ، يحصل على توقيع مخلوفي قبل أن يتركه يمر، وفي إيطاليا تجمع الفريق واستقل باخرة صوب تونس، حيث أقام معسكره وسط أفراح جزائرية وصدمة في فرنسا.

*كتاب غزلان وسحرة صادر عن دار مسعى للنشر والتوزيع

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها