آخر تحديث:13:19(بيروت)
السبت 20/07/2019
share

"دييغو مارادونا" لآصف كاباديا: خذلان التراجيديا الإغريقية

شادي لويس | السبت 20/07/2019
شارك المقال :
"دييغو مارادونا" لآصف كاباديا: خذلان التراجيديا الإغريقية الاسطورة
في المشهد الافتتاحي لفيلم "دييغو مارادونا"، للمخرج البريطاني آصف كاباديا، نرى السيارة التي تقل مارادونا، تخترق شوارع نابولي، فيما تتدفق عشرات الآلاف من سكانها في الشوارع للاحتفال. صور كثيفة لالتحام الأجساد وانفجارات النشوة الجماعية، بجماليات مجون عام مطلق بلا قيود. كان ذلك في العام 1984، حين وقع مارادونا حينها لنادي المدينة الموشكة على الإفلاس، بعد موسمين سيئين قضاهما في برشلونة.

يعود المخرج البريطاني، في فيلمه التسجيلي "دييغو مارادونا" (2019)، ليعمل على تيمته المفضلة، الجانب المظلم من عالم الشهرة. فكما في فيمليه السابقين، "سينا" عن بطل سباق "الفورمولا" آرتين سينا، وفيلم "إيمي" الحاصل على الأوسكار عن حياة المطربة الإنكليزية إيمي وينهاوس، يتتبع كاباديا قصص الصعود إلى القمة، ومن ثم السقوط المريع. الفارق الوحيد، ربما يكمن في أن مآسي بطليه السابقين اختتمت بالموت، فيما يظل بطله الأخير حياً إلى اليوم.

يعتمد كاباديا على 500 ساعة من تسجيلات الأرشيف الشخصي لمارادونا، لتخليق سلسلة من الصور الحاشدة للحركة داخل المربع الأخضر وخارجه، وتدفق حشود الجماهير مع أصوات هتافاتهم الهادرة. تنجح الصورة المفعمة بخليط من النوستالجيا والنشوة، مع الموسيقى التصويرية لأنتوني بينتو، في تجسيد ملحمي لرحلة صعود الصبي القادم من حي فقير في بوينس آيرس، مقترناً بالقفزة التي حققها ناديه من قاع الدوري الإيطالي إلى قمته. في البداية يُصدم مارادونا من هتافات جماهير أندية المدن الإيطالية الشمالية ضد نابولي، "اذهبوا لتغتسلوا، إيها المصابون بالكوليرا". ويدرك الصبي "الأسود"، كما كانوا يطلقون عليه في الأرجنتين، خطوط العنصرية بين الشمال والجنوب، في إيطاليا، وينتقم بأهدافه في الشِّباك. لكن نجومية مارادونا، التي صعد معها إلى مرتبة نصف إلهية في نابولي، أتت مقترنة بتشييئه أيضاً، ليس كمجرد منقذ للمدينة، بل كرمز للمكانة ينبغي اقتناؤه أو على الأقل التباهي بالاقتراب منه. ووجد دييغو نفسه، في حبائل المافيا التي تحكم العالم السري لنابولي، وتتفاخر بظهوره في المناسبات العامة مع أفرادها، ويسقط سريعاً في إدمان الكوكايين.


يظل الفيلم مُركّزاً على الملعب وما يحدث داخله، لكن من دون أن يغيب السياق. فما يحدث في الخارج يظل أكثر أهمية، على ما يبدو. في مباراة الأرجنتين أمام إنكلترا، خلال نهائيات كأس العام 1986، وحين تتدخل "اليد الإلهية" ليحرز مارادونا الهدف الأشهر في تاريخ كرة القدم، تكون حرب الفوكلاند بين البلدين هي خلفية السرد. ويصل كاباديا بالذروة في فيلمه، خلال الدورة التالية لكأس العالم في 1990، في مباراة المواجهة بين إيطاليا والأرجنتين، والتي يرتكب قبلها البطل خطأ فادحاً كان نقطة تحول تراجيدي، وقاد إلى سقوطه. دعا مارادونا مشجعي مدينة نابولي، التي يستضيف استادها المباراة، أن تشجع الأرجنتين ضد فريق بلدهم. فـ"نابولي ليست إيطاليا"، كما يقول ببراءة. يتعلق مصير دييغو بضربة جزاء واحدة يحرزها وتصعد الأرجنتين، ويسقط هو في عيون الجماهير الإيطالية.

سريعاً تتداعي الأحداث، تتحرك السلطات ضده، ومعها كراهية الإيطاليين، ويُقبض على مارادونا بتهم تتعلق بالمخدرات والمافيا والضرائب، ويرحل أخيراً عن نابولي، بلا جماهير تودعه. في المشاهد الأخيرة من الفيلم، نرى البطل في شاشة التلفزيون الأرجنتيني، وقد غلبت عليه السمنة، ويتكلم عن إدمانه وحاجته للعلاج، وينفجر في البكاء أمام الكاميرات.

يقدم "دييغو مارادونا" مواد أرشيفية غير معروضة من قبل، ويوظفها ليمتع مشاهديه بنشوة بصرية استثنائية. لكن هوس كاباديا بقالب "التراجيديا"، وخط الصعود والسقوط المأسوي، دفعه إلى تطويع قصة بطله لتكون مناسبة داخل القالب. يركز الفيلم على سنوات نابولي، ولا يتعرض للنجومية الكاسحة التي كان تمتع بها مارادونا في بلده الأرجنتين، وفي أميركا اللاتينية، وحول العالم أيضاً. يتلخص العالم في نابولي، عند مخرج الفيلم، لا بدافع من مركزية أوروبية بالضرورة، لكن لأنها مسرح مناسب لتقليم الأسطورة لتلائم الحبكة الجماهيرية المعتادة والمجربة بنجاح مرات كثيرة من قبل.

لكن الواقع يبدو مختلفاً في الحقيقة، وأكثر إمتاعاً. فمارادونا الذي تعافى من إدمان المخدرات لاحقاً، سقط وقام عشرات المرات، وفي واحدة من حيواته الكثيرة أضحى رفيقاً لكاسترو، ورجع مرة أخرى كمدير فني لفريق بلده الوطني، وكاد أن يصل به إلى نهائي كأس العالم 2010، لولا هزيمته في الدور ما قبل النهائي.

سقط مارادونا بالفعل، لكنها لم تكن سقطة تراجيديا إغريقية، كما أرادها كاباديا. وكما يقول المخرج أمير كوستوريكا في فيمله التسجيلي "مارادونا" (2008): "الآلهة تظل دائماً آلهة... الآلهة يُغفر لها كل شيء".

(*) سَخِر مارادونا من الفيلم، داعياً الجمهور إلى مقاطعة مشاهدته. وأتت سخرية مارادونا في مقابلة تلفزيونية، بعدما وُصف، في الملصق الترويجي للفيلم الوثائقي الممتد على مدى ساعتين، بـ"المتمرد" والبطل والمحتال. فأبدى مارادونا امتعاضه من توصيفه بالاحتيال، لا سيما وأنه حصّل أمواله من ممارسته لكرة القدم وليس من خلال أساليب احتيالية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها