آخر تحديث:13:43(بيروت)
الثلاثاء 02/07/2019
share

ميميتو يحرر الجنس من الحب... بالصداقة

روجيه عوطة | الثلاثاء 02/07/2019
شارك المقال :
ميميتو يحرر الجنس من الحب... بالصداقة
يحمل كتاب ريشار ميميتو الجديد(*) عنوانين مرفوعين فوق بعضهما البعض. فالعنوان الأول، وهو "أصدقاء جنسيّون"، يعلو العنوان الثاني، الذي أتى في شكل استفهامي ساكن، وهو "كيف من الممكن الاخفاق (جيداً) في الحياة الحبية خلال العصر الإلكتروني".

لوهلة، يبدو أن العنونة المزدوجة تنطوي على الطرح الآتي: الصداقة الجنسية، التي ترافق صعودها مع انتشار تطبيقات المواعدة، تؤدي إلى الفشل في الحياة الحبية. لكن هذا الطرح سرعان ما يزول بعد اجتياز أول صفحة أو صفحتين، ليحل مكانه طرح مفاده تهكمي، أو بالأحرى عبثي، بما أن "الإخفاق بطريقة جيدة" هو صنعة بيكيتية (نسبة إلى ص. بيكيت): الصداقة الجنسية قضت على الحياة الحبية، لذلك، ما علينا سوى قبولها باستسلام، أو بالأحرى الرضوخ لها. إلا أن هذا الطرح يتلاشى بعد صفحتين أوثلاث أيضاً، ليبدأ طرح مختلف بالارتسام، محوّلاً كتاب ميميتو، وككل الكتب الجيدة، إلى كتاب مدماكي: يؤكد على نهاية، وبالفعل نفسه، يشير إلى بداية أخرى.

بعد موت الحب، اهتزت الصلة التي لطالما ربطته بالجنس ليكون سبيلاً اليه، أو مُشغله، أو مرادفه، ضابطاً اياه في أطر مؤسساتية بعينها، أكانت تقليدية أم لا. ففي حين كان الحب يكفل الجنس، راح يقبض عليه، ويجعله دائراً على منوال نفيه، تماماً كما خلصت ذات مرة أغنية من الاغنيات الفرنسية: "الحب الذي يصنع الكوبل هو الحب الذي لا يمارس الحب". رحيل الحب، الذي صار جثة لا تتوقف عن التمدد، عجل في تحرر الجنس منه، قبل أن يعقد ما يشبه التحالف مع الصداقة، التي غدت حمالته، مثلما غدا حمالتها. طبعاً، المقولة الرائجة ان هذا التحالف، الذي خلق خانة "الصداقة الجنسية"، انعقد في العصر الإلكتروني، لكن ميميتو يدحضها بإحالته إلى مُنظِّره الأساس، أي إميل أرمان، الذي، وفي لحظة من النباهة القاطعة، التي لطالما اتسم بها المنعتقون الفردانيون، دعا الى "الترافق الجنسي" (camaraderie sexuelle). وهذا، في حين كان الحب يقلع في كتابة محضر ضبطه بحق الجنس، وفي وضعه تحت جناحيه.
 
في هذه الناحية، يتحدث ميميتو عن كون المواعدة الإلكترونية قد أنشأت ما يشبه كومونة جنسية، يجتمع فيها الرفاق، أو الأصدقاء، الذين، وبحسبه، "يتبادلون السوائل" من أجسادهم. وتبادلهم هذا، ولكي يدور، يستلزم نوعاً من الايطيقيا التي تستند إلى: تمتين الايكوسيستم الجنسي المتعدد، "فضاء الفانتاسمات ومناظرها" ، بلا تخريبه، مشاركة الهموم البيولوجية المتعلقة بهذا السيستم مع الغير، احترام عدم توافر هذا الغير على الدوام، الأخذ في الاعتبار أن الغير ليس ثابتاً على ما كان في حين ممارسة الجنس معه، وبالتالي، الإقلاع عن الاعتقاد بأن رؤيته في ذلك الحين تعني كشفه على جوهره، التضامن بين أصدقاء العلاقة الجنسية، ما يعني بقاءهم على تواصل تآزري.

إلى كل هذا، يُضاف أن إيطيقيا التبادل إياها تقوم، في الأساس، على كون الجنس ليس مَدرجاً للحب، أو طريقاً للتورط فيه، اي أنه مستقل عنه، وعلى كون الصداقة لا تلغي هذا الجنس، بل إنها حليفته التي تجعله، وحين يحضر في رجائها، يتمم استقلاليته تلك. وهذا، لا ليصير "جنساً من أجل الجنس"، بل ليصير على ما هو عليه دائماً، أي "أكثر من جنس، فهو لا يمكن أن يحضر خالصاً". بعد ذلك، يغدو الجواب على استفهام حول كيفية الاخفاق جيداً في الحياة الحبية خلال العصر الإلكتروني، سانحاً: بالصداقة الجنسية، وبالتصادق الجنسي، اللذين، وعلى أساس الايطيقيا الخاصة بهما، يضمنان انشاء صلات حية، منتجة، اقتدارية، اغتباطية، حكيمة، فعالة بين ممارسيهما.

فعلياً، قد يوصف كتاب ريشار ميميتو بأنه نص مؤلف بجرعات زائدة من المبالغة. لكنه، فعلياً، كتاب مدماكي، وهذا، حتى، ولو في بعض الأحيان، مال، لا إلى المغالاة، لكن الى الحماسة. مع ذلك، ولأنه لا يتطلع إلى "بيغ بانغ" نظري، إنما إلى "مينيما"، إلى الضئيل من الايطيقيا، فقد برع في تحقيق مبتغاه، وأكثر.

(*) "أصدقاء جنسيون، كيف من الممكن الإخفاق (جيداً) في الحياة الحبية خلال العصر الإلكتروني" - دار la découverte، zones، أيار 2019. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها