آخر تحديث:13:03(بيروت)
الثلاثاء 02/07/2019
share

عزت أبو عوف.. رحيل رامي الحلوى

هشام أصلان | الثلاثاء 02/07/2019
شارك المقال :
عزت أبو عوف.. رحيل رامي الحلوى عزت أبو عوف
1
في العام 1992، سنة إنتاج فيلم "آيس كريم في جليم" للمخرج خيري بشارة والكاتب محمد المنسي قنديل، كان عزت أبو عوف في عمر الـ44. مع ذلك، لا أعرف سبب انطباع تكون لدي بأنه في مرحلة عمرية أكبر. ربما لأننا، وقت عرض الفيلم، كنا بالكاد وصلنا للصبا، أو أن الفيلم كان يعبّر بامتياز عن حالة شبابية شكلًا ومضمونًا، وموروث شعبي حول الفتاة التي تترك حبيبها الشاب من أجل أموال الرجل الكبير سنًا. لا أعرف. ظل الانطباع موجودًا، لا يخلو من إعجاب، وطموح في مستقبل شبيه، في نوع من الرجال يكبرون محتفظين بحيوية ولياقة، يتجاوز الستين لكنه يجاري تامر هجرس، مفتول العضلات، في تصوير مشهد يرقصان فيه التانغو، إن لم يكن ظهر أمهر وأكثر أناقة.


لم أنتبه إلى هذه المسألة إلا برحيله فجر أمس، عندما قالت الصحافة إنه رحل عن 70 عامًا، وكنت أتصوّره أكبر. رسخ الانطباع مشاركته في عدد كبير جدًا من الأعمال السينمائية والدرامية بينما بدأ التمثيل في عمر متقدم. جاءنا كبيرًا، وشاهدناه شابًا عبر التسجيلات القديمة لحفلاته الغنائية.

ورغم مشاركة عزت أبو عوف وحسين الإمام في "آيس كريم في جليم"، وبخبرتهما الموسيقية، لحّن عمرو دياب جميع الأغنيات التي كتبها مدحت العدل.

2
بينما لا يسعفك التركيز في الإمساك بتفاصيل اللحظة الزمنية بين اختفاء عزت أبو عوف الموسيقي، وظهوره ممَثلًا، ستجد في خلفية تلقيك له حكاية فرقة الـ"فور إم"، التي أسسها مع أخواته وسُميت منسوبة للحروف الأولى من أسمائهن، منى ومها ومنال وميرفت. وقدمت شكلًا موسيقيًا وغنائيًا مختلفًا عن السائد، معبّرة، مع تجارب قليلة أخرى، عن حالة كانت ابنة زمن فني في ناحية منه يسعى للتمرد المُتسق مع التغير الثقافي الكبير الذي شهده العالم في فترة الستينيات، وفي ناحية أخرى عبّر بشكل كبير عن الميول الشابة لأبناء البقايا الأنيقة للطبقة الوسطى. غير أن هذه الحالة لم تكن "الفور إم" بدايتها بالنسبة لعزت أبو عوف. كانت البداية قبل أن يكمل العشرين من العمر مع فرقة أقدم هي "البيتي شاه"، كوّنها مع وجدى فرانسيس وفريدي رزق وبيرج أندرسيان وعمر خيرت، قبل أن ينضم لهم هاني شنودة وعمر خورشيد وجورج لوكاس وصادق قليني وتميور كوتة. وأحيت الفرقة أولى حفلاتها في العجمي، يوليو 1967، بعد شهر واحد من هزيمة يونيو.

يتذكر عزت أبو عوف في حلقة من برنامج "صاحبة السعادة" مع إسعاد يونس، أنه لم ير في حياته، نجاحًا مثلما رأى في تلك الفترة، وكيف كانت الفتيات تنتظرهم انتظار النجوم بالصرخات والانهيارات والتعلق بملابسهم لدرجة تقطيعها: "كنا بنشارك في مسابقة ملكة جمال الإسكندرية، وكانت جايزة البنت اللي تفوز باللقب إنها تاخد لفة في العربية مع حد فينا". هذه الحالة، لم يُرجعها عزت للهوس بما كان تقدمه الفرقة، ولكن لطبيعة الزمن والنزعة لتقليد ما كان الجمهور الشاب يشاهده في الأفلام الأجنبية، وما كان يصلنا من حفلات لفرق غربية مثل البيتلز.


3
أمام مقر وزارة الثقافة، في الاعتصام الشهير للمثقفين للتنديد بحكم الإخوان المسلمين قبل أحداث 30 يونيو، وذات ليلة بينما بعض فناني الأوبرا يقدمون عروضهم في شارع شجرة الدر بحي الزمالك، فوجئ الواقفون بأشياء صلبة صغيرة تُقذف على رؤوسهم من مكان عال، وبعد ثوان من القلق وعدم الفهم، اكتشفوا أن أحد سكان العمارة المقابلة يرمي من شرفته كميات من "البونبوني". وقبل أيام قليلة، حين جاءت سيرة عزت أبو عوف في سياق حديث الأصدقاء عن حالته الصحية، عرفت أنه كان صاحب الحلوى، وضحكنا من تلك المشاركة التي تشبه صاحبها في شياكته المعروفة. لكن المفارقة كانت فيديو قديم نشره كثر للرجل بعد الوفاة مباشرة يحذر فيه مما ستؤول إليه الأوضاع إذا أقدم المصريون على "30 يونيو"، ناصحًا بالانتظار حتى تنتهي فترة حكمهم بشكل طبيعي. سألته المذيعة باستنكار: "نستنى 3 سنين كمان"، أجاب: "آه، احسن ما يبقوا 30".


4
لم يقدم عزت أبو عوف في السينما أدوارًا لافتة فنيًا، ربما باستثناءات قليلة تشير إلى موهبة حقيقية، أتذكر منها مشاركته في فيلمي "أسرار البنات" و"أرض الخوف". مع ذلك كان حضوره جميلًا بشكل ما. التلقي الكليشيهاتي يتحدث دائمًا عن الأداء الأنيق وشياكة "البرنسات"، وهو تلقٍّ صحيح إلى حد كبير. ولكن بتأمل، قد يرى المرء شيئًا من الصدق والاتساق بين داخل الرجل وخارجه. الادعاء مثل الكذب "ملهوش رجلين"، وعزت أبو عوف لم يحاول أبدًا إعطاء ما يقدمه عمقًا أكثر من اللازم. يتكلم عن موسيقاه وأدواره كما يتكلم عن حياته الشخصية، ببساطة الهاوي والمُحب للطف الحياة.

عندما قرر تكوين "فور إم" مع أخواته الفتيات، لم تكن في ذهنه سباحة ضد تيار مجتمع محافظ قد يستخف برجل يفتح الباب لنسائه. تصرف بعفوية من اكتشف أنهن يصلحن للغناء خلف عزفه. مشكلته الوحيدة كانت والده الذي علمهم الموسيقى بشرط عدم الاحتراف. لم يكن يعرف أنه سيموت لحظة انفتاح المجتمع المصري على واحدة من أعمق مشاكله، حيث كشف جماعي للمستور في علاقة الرجل والمرأة بكل أشكالها، وإعادة تقييم مدوية لما تعانيه النساء من قمع، والتفكير الجاد، ولو ما زال في مساحة ضيقة، في مفاهيم جديدة لمعنى الرجولة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها