آخر تحديث:14:42(بيروت)
الإثنين 15/07/2019
share

كيف تطور اقتناء اللوحات في لبنان؟

حسن الساحلي | الإثنين 15/07/2019
شارك المقال :
كيف تطور اقتناء اللوحات في لبنان؟ من معرض الفن العربي في بيروت
على هامش اليوم الختامي من "معرض الفن العربي" (نظمته شركة Educity في فندق مونرو)، عقدت ندوة بعنوان "الفن والثورة" تناولت موضوع الإقتناء الفني، وشارك فيها فاعلان فنيان يمكن اعتبارهما نموذجين مختلفين لمقتني اللوحات الفنية Collector:  المصرفي جوزيف الفغالي، وسيزار نمور - مؤسس متحف "مقام"، فيما أدار الندوة الأستاذ الجامعي، فيصل سلطان.


ينتمي الفغالي إلى نموذج يعتبر رائجاً في لبنان: لديه شغف باقتناء الأعمال الفنية ويكرس حياته لخلق مجموعة كاملة من ناحية الكمية والنوعية. استطاع الفغالي، خلال العقود الماضية، جمع مئات الأعمال لفنانين لبنانيين، وهو عضو مجتمع قائم بذاته لأشخاص مهتمين بجمع الأعمال الفنية. أما النموذج الذي ينتمي إليه نمور، فهو نادر بشكل عام: المقتني الناشط والمهموم بالفن، الذي يريد أخذ ممارسة الإقتناء إلى مكان أبعد من "الملكية الفردية" ومجموعته الخاصة. واستطاع نمور أن يخلق متحفاً للفن الحديث والمعاصر بعد إطلاقه مبادرة للحفاظ على منحوتات وتجهيزات الفنانين اللبنانيين بعض عرضها، وقد أضاف عليها مجموعته الخاصة، لتصبح متحفاً متخصصاً في النحت على أنواعه، كما استفاد من علاقاته في المجال لخلق قاعدة بيانات توثق الأعمال الفنية الموجودة مع الفنانين ومقتني الأعمال الفنية والمتاحف (يقدر عدد الفنانين المسجلين 500 فنان)، والمعارض التي حصلت في بيروت (توثيق ملصقاتها والمقالات المكتوبة عنها)، وتجارب الغاليريهات التي أغلقت أبوابها سابقاً، بالإضافة إلى افتتاحه أكثر من مرة معارض ودور نشر لتعزيز تلقي الفن (لدى نمور أكثر من 20 مؤلف عن الفن أغلبها بالإنكليزية) اختصرها مؤخراً في مكتبة متحفه Macam في جبيل.

عكست مداخلة فغالي في الندوة مزايا هذا النموذج من مقتني الأعمال الفنية المشغولين بمجموعاتهم وذواتهم، حيث أتت متمحورة حول سيرته في عالم الإقتناء وقصص أهم اللوحات التي أضافها إلى مجموعته. أما مداخلة نمور فكانت أكثر جدية، إذ قدمت عرضاً منهجياً حول تطور شراء الفن في لبنان وأسهبت في عرض أسباب ارتفاع قيمة المنتج اللبناني خلال العقدين الماضيين.

بدأ جوزيف فغالي باقتناء الأعمال الفنية خلال فترة دراسته الرسم في الجامعة اللبنانية، والمثير ان أول عمل فني اشتراه كان عن طريق مريم خير التي تعتبر أول موديل في لبنان للرسم العاري، وقد عملت لفترة بشكل ثابت في معهدي الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية وجامعة الألبا. اللوحة كانت للفنان اللبناني المعروف، قيصر الجميل، وهي جزء من مجموعة رسوم صغيرة الحجم أهداها لها الفنان الذي عملت عنده لفترة. اضطرت خير لبيع المجموعة بعد ضائقة مالية، وأول من عرف برغبتها كان تلاميذ الجامعة الذين يعملون معها بشكل ثابت، ووفقه تراوح السعر الذي أرادته يومها بين 150 و200 ليرة (أوائل السبعينات). يؤكد الفغالي أنه لم يكن ينتمي يومها إلى طبقة تسمح له باقتناء الأعمال الفنية وبأن الفرصة التي أتت له دفعته لشراء اللوحتين، لا رغبته المسبقة بذلك، ما يبدو أنه ينطبق أيضاً على لوحتين لفنان معروف أيضاً، هو عمر الأنسي، اشتراهما فغالي بسعر مخفض بعدما كتب أطروحته الجامعية عن الفنان وتعرف على ورثته بعدما قرأ أجزاء منها في معرض استعادي لأعمال الأنسي في غرفة التجارة والصناعة في بيروت.

بعد "حرمان نفسه"، اشترى الفغالي لوحات أكثر، وأصبحت لديه مجموعة صغيرة، وبدأ بتوسيعها بعدما أجرى أبحاثاً حول الفنانين اللبنانيين الأقدم ممن يعرفهم، وأصبح هدفه اقتناء لوحاتهم. أمّنت له مجموعته الصغيرة نمطاً جديداً من العلاقات، لم يكن متاحاً له سابقاً وبسببها أصبح قادراً على التواصل مع أشخاص ينتمون إلى طبقات أعلى: "لم يفهم أصدقائي كيف كنت أمتلك الجرأة على الاتصال بهكذا أشخاص"، وقد ساعده في ذلك اكتشافه بأن "أصحاب المجموعات يحبون كثيراً أن يعرضوا الأعمال التي يملكونها أمام الآخرين". هكذا أصبح جزءاً من مجتمع صغير يتكون من مقتني لوحات، بينهم زيارات متبادلة، ويخبرون بعضهم البعض عن كل جديد ويتباهون أمام بعضهم البعض باقتنائهم أهم اللوحات. يخبر الفغالي أن جزءاً من المقتنين كان يرفض اقتناء المنتج اللبناني، ويراه أقل قيمة، ملمحاً إلى نوع من الإفتراق بين مجموعتين، واحدة تفضل اللبناني وأخرى تفضل الأجنبي، ما ينطبق حتى على مرممي اللوحات أيضاً الذين رفض بعضهم ترميم اللوحات اللبنانية، كما قال.

بعكس مداخلة الفغالي، أتت مداخلة سيزار نمور، غير متمحورة حول الذات، ولم يخبرنا سوى جزء من سيرته في البداية، بهدف إعطاء فكرة عن نوعية مشتري اللوحات في الغاليريهات التي افتتحها منذ السبعينات (غاليري "كونتاكت" في الحمرا مع الفنان العراقي وضاح فارس، وLes Cimaises gallery  في الزوق). وبحسبه، كان هؤلاء شباباً من الطبقة الوسطى، وأصحاب شهادات جامعية، ومهنيين، ويمتلكون هموماً ثقافية. أما الطبقات الغنية فنادراً ما اشترت فناً لبنانياً، وكانت تفضل الفنانين الأوروبيين والمنحوتات البرونزية المستوردة. لكن منذ عقدين، بدأ هذا الواقع يتغير تدريجياً، مع زيادة الإقبال على الفن اللبناني وازدياد عدد مقتني اللوحات اللبنانية.

عدّد نمور أسباب هذا التغير، ومنها: افتتاح المتاحف في العالم العربي، وازدياد المساحات المعمارية التي أصبحت محتاجة لأعمال فنية لملئها، وازدياد دعم الصناديق الفنية الغربية للفنانين العرب، ظهور المزادات الدولية في الخليج مثل "كريستيز"، والمزادات اللبنانية التي أقامها أشخاص مثل ندى بولص الأسعد وجوني الشرتوني، ظهور المعارض الدولية حول العالم Art Fairs التي أدخلت الفن اللبناني مرحلة العولمة (أولها في سن الفيل – بيروت هول)، افتتاح غاليريهات لبنانية في أوروبا (غاليري تانيت، أليس مغبغب، صفير زملير، وبريجيت شحادة)، المضاربات التي رفعت أسعار بعض الأعمال بشكل دراماتيكي ما فتح العيون على احتمالات ربحية يمكن أن يجلبها الإستثمار في الفن، بالإضافة إلى تشجيع حكومات بعض الدول للشركات الضخمة على الإستثمار في الفن على أن تُخصم من الضريبة على الأرباح السنوية، ما أدى إلى تكاثر المجموعات الخاصة. وهو ما ينطبق على المصارف أيضاً في الحالة اللبنانية، إذ خصصت سنوياً قسماً من أرباحها للإستثمار في هذا المجال، وتمتلك اليوم مجموعات كبيرة (بعضها أتى بمبادرة شخصية كما هو الحال مع بنك عودة وبنك البحر المتوسط). أما عن مقتني الأعمال الفنية اللبنانية اليوم، فحدد نمور عدداً من السمات الخاصة التي تجمعهم، منها الهوس بالجمع والطموح الشخصي، تلميع صورة فرد أو مؤسسة أو مصرف، بناء صورة الإنسان المثقف في عيون الطبقة التي ينتمي إليها، بناء نواة متحف، والإستثمار المالي للمستقبل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها