آخر تحديث:13:04(بيروت)
الإثنين 15/07/2019
share

الأهرام التي يُخشى على الدهر منها

محمود الزيباوي | الإثنين 15/07/2019
شارك المقال :
  • الأهرام التي يُخشى على الدهر منها
    بريشة ألكسندر جان نويل، القرن التاسع عشر
  • بريشة لوي آمابل كرابلي، القرن الثامن عشر
    بريشة لوي آمابل كرابلي، القرن الثامن عشر
  • بريشة شارل لوي بلزاك، القرن الثامن عشر
    بريشة شارل لوي بلزاك، القرن الثامن عشر
  • رسم طباعي فرنسي من القرن التاسع عشر
    رسم طباعي فرنسي من القرن التاسع عشر
  • رسم طباعي فرنسي من القرن التاسع عشر
    رسم طباعي فرنسي من القرن التاسع عشر
احتفلت وزارة الآثار المصرية مؤخراً بافتتاح هرم الملك سنوسرت الثاني، بعد ترميمه، وذلك للمرة الأولى منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر على يد عالم الآثار البريطاني فلندرز بتري. يقع هذا الهرم في مدينة اللاهون، على مشارف محافظة الفيوم، وهو واحد من سلسلة الأهرام التي تمتد من هذه المحافظة إلى محافظة الجيزة. قبل نشوء علم المصريات، أدهشت هذه الأهرام الرواة العرب منذ فتح مصر، واعتُبرت من "عجائب البنيان"، ووُصفت بـ"أحكم بناء في الدنيا"، وقيل ان أعظمها "الهرمان اللذان ليس على وجه الأرض لهما نظير في مُلك مسلم ولا كافر".


في العصر العباسي، احتار أهل الأخبار في تحديد تاريخ هذه الأهرام، ونسجوا حولها طائفة من الروايات العجيبة، وبات الهرمان الأكبران من خلال هذه الروايات رمزاً يختزل عظمة البناء في مصر القديمة. في "المسالك والممالك"، ذكر ابن خرداذبة هذين الهرمين، وقال: "مكتوب عليهما بالمسند كلّ سحر وكلّ عجيب من الطبّ والنجوم، ويُقال، والله اعلم، أنهما من بناء بطلميوس القلوذي الملك، ومكتوب عليهما: اني بنيتهما، فمن كان يدّعي قوّة في مُلكه، فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، وإذا خراج الدنيا لا يقوم بهدمهما". تربط هذه الرواة الهرمين من جهة بـ"بطليموس القلوذي"، أي كلوديوس بطليموس، عالم الفلك الذي وُلد في أقصى صعيد مصر في القرن الثاني الميلادي، وعاش وتوفي في مدينة الإسكندرية. وتؤكّد من جهة أخرى باستحالة هدمهما، ويتكرّر هذا القول في أغلب الروايات العربية التي قيلت في هذين الأثرين.

يواصل ابن خرداذبة الحديث، ويقول: "وإلى جانب الهرمين عشرة اهرام اصغر منهما"، ثم ينقل رواية تقول بأن رجالاً من حاشية أمير مصر، أحمد بن طولون، دخلوا هرماً من الأهرام الصغيرة برفقة بعض العمال، ونجحوا في الولوج إلى عمقه، فوجدوا فيه جِرار مزينة بالصور، و"ثلاثمائة وستّون تمثالا على صور الناس"، وعثروا على جرن "من حجر أصمّ أسود" مسدود بالرصاص، فأذابوا الرصاص بالنار، وفتحوه، "فإذا فيه شيخ ميّت وتحت رأسه لوح من جزع أبيض"، فأخذوا هذا اللوح، ووجدوا في "جانب منه صورتين من ذهب إحداهما صورة رجل بيده حيّة والأخرى صورة رجل على حمار بيده عكّاز وفي الجانب الآخر صورة رجل على ناقة بيده قضيب". حُمل هذا اللوح إلى احمد بن طولون، فدعا بصانع، وأجمع الحاضرون على القول بأن الصور "موسى وعيسى ومحمّد صلّى الله عليهم اجمعين".

في "مفيد العلوم ومبيد الهموم" الذي يُنسب لأبي بكر الخوارزمي، يرد الحديث عن الأهرام في الباب الثالث المخصّص لـ"أحكم بناء في الدنيا". يقول المؤلف: "وقيل أهرام مصر بُنيت قبل الطوفان. وفي ناحية صعيد مصر اهرام كثيرة بالحجارة، على رؤوس الجبال، بناها الأوائل، وجعلوا هرمين منها أرفعها، كل هرم منها أربعمائة ذراع طولاً في أربعمائة عرضاً في سمكها ارتفاعا في الهواء. غلظ كل حجر طوله، وعرضه اثنا عشر ذراعا الى ثماني، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر. منقور عليه: إني بنيتها فمن كان يدعي قوّة في ملكه فليهدمها فان الهدم أيسر من البناء. وبعض الخلفاء أراد هدمها، فإذا خراج الدنيا لا يقوم به، فتركها". ينقل هنا الكاتب عن العالم الفلكي الشهير أبي معشر البلخي قوله: "بناها الأوائل ليعتصموا بها عن الطوفان والماء"، ويشير إلى ان اخوانه يزعمون "ان الطوفان لم يبلغ إليها"، ثم يضيف معلّقا: "فكذبوا، قاتلهم الله، فإن الله سبحانه لا يعجزه شيء في السموات والأرض، فله القدرة القاهرة تعالى الله علوّا كبيرا".


شهادة المسعودي
في "مروج الذهب"، ينقل المسعودي سلسلة طويلة من الأخبار التي قيلت في الأهرام، فيقول مرة: "وأما المقاييس الموضوعة بمصر لمعرفة زيادة النيل ونقصانه، فإني سمعت جماعة من أهل الخبرة يخبرون أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم، حين بنى الأهرام، اتخذ مقياساً لمعرفة زيادة النيل ونقصانه". بعدها، يذكر المؤلف الموسوعي عالما استدعاه أحمد ابن طولون، وهو رجل "بأعالي بلاد مصر من أرض الصعيد له ثلاثون ومائة سنة من الأقباط، ممن يشار إليه بالعلم من لدن حداثته، والنظر والِإشراف على الآراء والنحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم من أهل الملل"، كما "أنه علامة بمصر وأرضها من برها وبحرها وأخبارها وأخبار ملوكها". سُئل هذا الشيخ عن بناء الأهرام، فقال: "إنها قبور الملوك، وكان الملك منهم إذا مات وضع في حوض حجارة وأُطبق عليه، ثم يُبنى من الهرم على قدر ما يريدون من ارتفاع الأساس، ثم يُحمل الحوض فيوضع وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان".

وسُئل هذا العالِم عن كيفية بناء هذه الأهرام؟ "وعلى أي شيء كانوا يصعدون ويبنون؟ وعلى أي شيء كانوا يحملون هذه الحجارة العظيمة التي لا يقدر أهل زماننا هذا على أن يحرّكوا الحجر الواحد إلا بجهد إن قدروا؟". فأجاب: "كان القوم يبنون الهرم مدرجا ذا مراقي كالدرج، فإذا فرغوا منُه نحتوه من فوق إلى أسفل، فهذه كانت حيلتهم، وكانوا مع هذا لهم صبْر وقوة وطاعة لملوكهم ديانة".

في ختام هذا الحديث، قيل للشيخ: "ما بال هذه الكتابة التي على الأهرام لا تُقرأ؟". فأجاب: "دَثَرَ الحكماء وأهل العصر الذين كان هذا قلمهم، وتداول أرض مصر الأمم، فغلب على أهلها القلم الرومي، وأشكال الأحرف للروم، والقبط تقرؤه على حسب تعارفها إياه، وخلطها الأحرف الروم بأحرفها، على حسب ما ولّمُوا من الكتابة بين الرومي والقبطي الأول، فذهبت عنهم كتابة آبائهم".

في "التنبيه والأشراف"، يعاود المسعودي الحديث عن الأهرام، ويتوقّف أمام الهرمين العظيمين اللذين "في الجانب الغربي من فسطاط مصر، وهما من عجائب بنيان العالم"، مبنيين بالحجر العظيم "على الرياح الأربع، كل ركن من أركانهما يقابل ريحا منها". ثمّ يضيف: "أحد هذين الهرمين قبر اغاثديمون، والآخر قبل هرمس، وبينهما نحو من ألف سنة، وكان سكان مصر وهم الأقباط يعتقدون نبوتهما قبل ظهور النصرانية فيهم". يستطرد المؤلف من جديد، ويقول: "وفي العرب من اليمانية من يرى انهما قبر شداد بن عاد وغيره من ملوكهم السالفة الذين غلبوا على بلاد مصر في قديم الدهر، وهم العرب العاربة من العماليق".

شهادة المقريزي
في العصر المملوكي، استعاد المقريزي مجمل هذه الأخبار في "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، واستهلّ حديثه بالقول: "أعلم أنّ الأهرام كانت بأرض مصر كثيرة جدّا، بعضها كبار، وبعضها صغار، وبعضها طين ولبن، وأكثرها حجر، وبعضها مدرج، وأكثرها مخروط أملس، وقد كان منها بالجيزة تجاه مدينة مصر عدّة كثيرة كلها صغار هُدمت في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد قراقوش، وبُني بها قلعة الجبل والسور المحيط بالقاهرة، والقناطر التي بالجيزة. وأعظم الأهرام الثلاثة التي هي اليوم قائمة تجاه مصر، وقد اختلف الناس في وقت بنائها، واسم بانيها والسبب في بنائها، وقالوا في ذلك أقوالا متباينة، أكثرها غير صحيح".

ينقل المقريزي رواية طويلة متشعبة الفصول تزعم بأن باني الهرمين العظيمين هو "أحد ملوك مصر قبل الطوفان الذين كانوا يسكنون في مدينة أمسوس"، ويُدعى سويرد. رأى هذا الملك "في منامه كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الناس قد هربوا على وجوههم، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فغمّه ذلك، ولم يذكره لأحد، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم، ثم رأى بعد ذلك بأيام كأنّ الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صور طيور بيض، وكأنها تختطف الناس، وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم، وكأن الكواكب المنيرة مظلمة مكسوفة، فانتبه مرعوباً مذعوراً، ودخل إلى هيكل الشمس، وتضرّع ومرّغ خدّيه على التراب وبكى، فلما أصبح، جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر، وكانوا مائة وثلاثين كاهنا، فخلا بهم وحدّثهم ما رآه أوّلاً وآخراً، فأوّلوه بأمر عظيم يحدث في العالم".

أيقن سويرد أن الطوفان القادم، فشرع في بناء الأهرام، "وملأها طلسمات وعجائب وأموالاً وأصناماً"، ودوّن على جدرانها وسقوفها "كل العلوم الغامضة التي يدّعيها أهل مصر وأجساد ملوكهم"، "وصوّر فيها صور الكواكب كلها"، وسجّل فيها "أسماء العقاقير ومنافعها ومضارها، وعلم الطلسمات وعلم الحساب والهندسة، وجميع علومهم مفسّرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم". "وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبرة وما أشبه ذلك". وُضعت أجساد الكهنة "في توابيت من صوّان أسود، ومع كل كاهن مصحف فيه عجائب صناعاته وأعماله وسيرته، وما عمل في وقته، وما كان، وما يكون من أوّل الزمان إلى آخره". وأقيمت حولها من كل جانب "أصنام تعمل بأيديها جميع الصنائع على مراتبها وأقدارها".

أتمّ سويرد هذا البناء، "وذكر القبط في كتبهم أنّه نقش كتابة تفسيرها بالعربية: "أنا سوريد الملك، بنيت هذه الأهرام في وقت كذا وكذا، وأتممت بناءها في ست سنين، فمن أتى بعدي، وزعم أنه ملك مثلي، فليهدمها في ستمائة سنة، وقد علم أن الهدم أيسر من البنيان، وإني كسوتها عند فراغها بالديباج، فليكسها بالحصر، فنظروا فوجدوا أنه لا يقوم بهدمها شيء من الأزمان الطوال".

روى المقريزي هذه القصة التي تربط أهرام الجيزة بهذا الملك، ثم انتقل بحديثه إلى أهرام هضبة دهشور الصخرية، وقال إن بانيها يُدعى شدات بن عديم، وأن بعض الناس تزعم "أن شدات هذا هو شدّاد بن عاد، "وإنما غلطوا باسم شدات بن عديم، فقالوا شدّاد بن عاد، لكثرة ما يجري على ألسنتهم شدّاد بن عاد، وقلة ما يجري على ألسنتهم شدات بن عديم"، "والله أعلم".

بعد هذه الجولة في التاريخ القديم، انتقل المقريزي إلى العصر الإسلامي، ورصد فصولاً تشهد لصمود الأهرام في وجه كل من حاول عبثاً المسّ بها، ثم نقل طائفة من الأشعار التي قيلت في الهرمين، منها قول عمارة اليمني:

خليليّ ما تحت السماء بنية/ تماثل في إتقانها هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه وكلّ ما/ على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
تنزه طرفي في بديع بنائها/ ولم يتنزه في المراد بها فكري

استعاد المقريزي هذه الأبيات، وقال ان صاحبها " أخذ هذا من قول بعض الحكماء: كل شيء يُخشى عليه من الدهر، إلا الأهرام، فإنه يُخشى على الدهر منها".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها