آخر تحديث:19:16(بيروت)
الخميس 06/06/2019
share

ممانعة الممانعة

رشا الأطرش | الخميس 06/06/2019
شارك المقال :
ممانعة الممانعة عرض عسكري لـ"حزب الله" في "يوم القدس" في الضاحية قبل أيام (مصطفى جمال الدين)
لدى قراءة مقالة الصديق سامر فرنجية، مُساجلاً مقالتي السابقة بعنوان "شعبوية في الأميركية"، قد يبدو أنه عالج سِجاله هذا بأدوات صادق جلال العظم، وبالتحديد الأدوات التفنيدية في مقالته الطويلة "الاستشراق والاستشراق معكوساً" (1981) حيث اشتبك العظم مع كتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد.


وسواء صَدَق الظن هذا، أم لا، فالمؤكد أن نَصّ فرنجية يُذكِّر بأدوات العظم تلك. إذ أن واحدة من الأفكار الرئيسية التي يطرحها فرنجية تتمثل في أن خطاباً مُقابلاً أو مُجابِهاً لخطاب الممانعة في لبنان، أمسى "ممانعة مقلوبة". وبما أن "الأميركية"، بإشكالياتها الداخلية الثقافية والإدارية الراهنة، حظيت بنقاش وفير في "المدن" خلال الأسابيع القليلة الماضية، تتبدّى لي هنا فرصة أخرى لاستمرارية النقاش حول تفكيك الخطاب الشعبوي المُمانع ككل، في لبنان، واستكشاف خيارات صياغة خطاب مقابل، لمحاولة مدّ رقعة منطِقه بحيث يكتسب أرضية يتجذّر فيها وينمو وربما يتحول ويتفرّع.

وبالعودة إلى ردّ صادق العظم على إدوارد سعيد، يحضر في هذا السياق ما سمّاه العظم "ميتافيزيقيا الاستشراق" التي "تفسر الفوارق بين ثقافة وأخرى وبين شعب وآخر.. بردّها إلى طبائع ثابتة وليس إلى صيرورات تاريخية متبدلة". فاعتبر العظم أن سعيد، إذ كان محقاً إلى حد كبير في مأخذه على بعض المستشرقين لأنهم رأوا أبناء الشرق، العرب والمسلمين، بمنظار الطبائع الثابتة هذه، فإن سعيد وقع في الفخ عينه خلال تعامله مع نظرياتهم، وأرجَع سيطرة الإطار الابستمولوجي والاستشراقي التقليدي على عقول مستشرقين وأرواحهم، فأعمتهم عن حقيقة المجتمعات الإسلامية وشوّهت نهائياً نظرتهم إلى الشرق عموماً، باعتبارهم لصيقين بالغيبيات والدين. لكن يجب الاعتراف، على ما يقول العظم، بأن الغَيب "أكثر حضوراً وقرباً بكثير بالنسبة لسكان دمشق والقاهرة مما هو بالنسبة لسكان باريس ولندن في الوقت الحاضر".. و"فكرة النظام الطبيعي العام الذي يجري وفقاً لقوانين ثابتة هي أكثر رسوخاً بكثير في عقول طلبة جامعتي موسكو ونيويورك مما هي في عقول طلبة جامعتي الأزهر وطهران".

لكن، بحسب العظم، فعندما يقول مستشرق لمعاصريه في أوروبا إن الغيب أكثر حضوراً عند المسلم الشرقي مما هو عند الإنسان الأوروبي، فإنه لا ينطق كذباً من ناحية، ولا يكتشف حقيقة علمية كبيرة متجردة من ناحية ثانية، "بل يخاطب أرباب مجتمعه الصناعي المتقدم قائلاً: إذا أردتم أن تتعاملوا مع الشرق بنجاح وبأقل قدر ممكن من الخسارة، عليكم أخذ هذه الحقيقة الشرقية بعين الاعتبار". ويذهب العظم إلى أن هذه التأكيدات حول الشرق والإسلام هي ذات "طبيعة إجرائية ووظيفة عملية مباشرة" خدمةً للمؤسسة الاستشراقية الغربية في لحظتها الحديثة والتوسعية، وفي الوقت نفسه زائفة علمياً، بالضبط لأنها تركن إلى أسطورة الطبائع الثابتة للإنسان الغربي والإنسان الشرقي، ويجب تفكيكها انطلاقاً من هذين المُعطَيَين، بدلاً من "الحجاب الابستمولوجي" الذي تحدث عنه سعيد.

انطلاقاً مما سبق، لعل التفكير في ما هو ممكن لصياغة خطاب يقابل خطاب الممانعة السائد منذ سنوات في لبنان، يتفرّع في فرعين: آنيّ، وبعيد المدى.

فلحظة المواجهة لم تنقضِ تماماً، أو بالأحرى يجب ألا تنقضي، على الأقل في الخطاب والحفر الثقافي، والكلام هنا عن عموم البلد وسجالاته السياسية والثقافية والاقتصادية، وآخرها النزاعات حول الموازنة مثلاً. كما أن معسكر الممانعة لا يبدو يائساً من مشروع هيمنته الثقافية ولا مكتفياً بـ"منطق السيطرة الأكثر ضمانة للحكّام الجدد". فمنذ أن قرر "حزب الله"، بعد خروج القوات السورية من لبنان، الدخول في مؤسسات النظام اللبناني والتمثّل فيها مباشرة، أولاً في الانتخابات البلدية ثم في النيابية والتشكيلات الحكومية، بات خطابه مشروع هيمنة أيضاً، وربما اليوم أكثر من أي وقت مضى. في الماضي القريب، تمحور الخطاب حول قدسية المقاومة والسلاح بالمطلق وتحريم نقدهما أو حتى مناقشتهما، ولو على حساب الداخل اللبناني، بل ولو بات واضحاً أنهما شمّاعة لتبرير منطق القوة في ممارسة "التفاوض" على الحياة السياسية التشاركية اللبنانية. ومؤخراً عوَّم الحزب مثلاً، ومن ضمن عناوين أخرى، مقاومة "الإرهاب" في سوريا، وأن انخراطه في الحرب السورية حماية للبنان، وأنه ليس مسؤولاً عن جزء معتبَر من موجات النزوح السوري إلى لبنان، بل هو "الإرهاب" وربما السوريون أنفسهم الذي لا شيء يمنعهم من العودة إلى المناطق "الآمنة" في بلادهم.

هنا، يمكن النظر أيضاً إلى خطاب الحزب الممانع، باعتباره كولونيالياً يمد أذرعه العسكرية من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، وباعتباره منطوق مؤسسة لا تختلف عن تلك الاستشراقية التي ركنت إلى الطبائع الثابتة، على أساس أن لـ"الإرهاب" وجهاً طائفياً واحداً، وكذا للمقاومة.

ودعّم الحزب خطابه هذا، بخطاب مواز لحلفائه، وتحديداً "التيار الوطني الحر" الذي أمّن له الغطاء المسيحي بعد "تفاهم مار مخايل" وقطف الثمار في السلطة والصلاحيات وفي الهامش الذي أعطي له لقضم مساحات منافسيه وخصومه من المسيحيين والمسلمين. فصعد أيضاً خطاب الشوفينية اللبنانية والمسيحية الخائفة والمهددة في حقوقها، كرافد هجين للممانعة التي لطالما صغّرت من شأن "الكيان اللبناني" لصالح القضايا الكبرى التي تتجاوزه.

وهناك أيضاً اليسار بتلاوينه، والذي يفذلك نصرته لمعسكر الممانعة بخطاب خاص به أيضاً، قوامه نصرة "المظلومين"، حتى بعد انتفاء مظلوميتهم بالواقع والملموس، وتأييد السلاح خارج الدولة طالما أن الدولة ضعيفة ومشكوك في "وطنية" البعض من مكوناتها (ولو أن السلاح والضعف يغذيان بعضهما البعض في دائرة مفرغة)، مع حفظ حقه في عدم تبني الإيديولوجيا الدينية لـ"حزب الله"، بل وربما إحراجها في مواضيع جندرية وحقوقية، وفي التنصل أحياناً من الدفاع عن الحلفاء، معوّضاً عن ذلك بالتصدي، بلسان المثقف بدلاً من السياسي أو المقاتل، للتغريب والقيم البورجوازية.

هكذا، تبدو تلك التي اعتُبرت "ممانعة مقلوبة"، أقرب إلى الخطاب المقابل والتفكير في وظيفته الآنية والراهنة، على طريقة ما قاله صادق العظم عن الغَيب والدين والنظام الطبيعي العام في مقارنة بين شرق وغرب، ومن منظوره في رؤية الوظيفة الإجرائية لبعض المستشرقين. وبذلك تصبح ضروريةً ممانعةُ الممانعة، وهذه ليست صورة معكوسة عنها. فهي القول لمجابهي خطاب الممانعة وكذلك لمناصريه، أن هذا هو ما أنتم في صدده، وهذا ما لا يجب نسيانه باعتباره صنو ما تدافعون عنه، سواء كان الجامعة الأميركية (حين تُحارب بالمغالطات، وحوربت من قبل بالعبوات الناسفة وخطف الأساتذة)، أو ما يعادلها في الحياة العامة اللبنانية. أما في الخطاب المقابل بعيد المدى، فثمة ما يُدبّج على مهل، وطبعاً بوعي اتجاه أسطورة الطبائع الثابتة وجوهرانية أي شيء، سواء كان شرقياً أو غربياً، لبنانياً أو غير لبناني.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

حريّات الحرب الخميس 08/08/2019
سوريا في الغاليري الخميس 01/08/2019
"لبنان القوي" لا يفاوض الخميس 25/07/2019
المزيد