آخر تحديث:13:12(بيروت)
الأحد 30/06/2019
share

راقية إبراهيم "غريتا غاربو مصر".. أم عميلة لإسرائيل؟ (2-2)

أحمد شوقي علي | الأحد 30/06/2019
شارك المقال :
راقية إبراهيم "غريتا غاربو مصر".. أم عميلة لإسرائيل؟ (2-2) راقية ابراهيم مع مارلون براندو عام 1953
كانت راقية إبراهيم، إبان عام 1952، وربما قبل ذلك، تعاني من أمراض الكبد، ما دفعها للسفر إلى أوروبا للعلاج، ولما أعياها البحث هناك عن دواء لمرضها، سافرت الى أميركا، وفي مستشفى تدعى "برسبيتريان"، خضعت لتدخل جراحي خطير دفع طبيبها "العالمي" "هابيف" لأن يلتقط لها "76 صورة أشعة إكس، ليقف على سير المرض وتطوراته، بواقع صورة كل 3 دقائق"، لكن راقية التي كُتبت لها حياة جديدة بتعبير السينارست وليام باسيلي، عادت إلى مصر بشهية مفتوحة لرغيف "الخبز المصري" والعمل السينمائي، وخلال عام واحد من إجراء تلك العملية، أنجزت فيلمها الأخير "جنون الحب" (1954)، الذي أخرجه محمد كريم وشاركها بطولته كل من عماد حمدي وأنور وجدي، غير أن تلك الشهية القلقة -في ما يبدو- سرعان ما انسدت، وخلال عامين كانت راقية إبراهيم في طريقها إلى باريس، ومنها مجددًا إلى الولايات المتحدة الأميركية في هجرة لا رجعة فيها.

اعتنقت بطلة "زينب" الإسلام قبل أن تتزوج من مهندس الصوت المصري مصطفى والي، الذي سافر بصحبتها إلى باريس في العام 1956، لكنهما تطلقًا سريعًا، بحسب بديع سربيه، الذي ذكر في مجلة "الموعد" بتاريخ 3/5/1979، أنهما وقعا قسيمة طلاقهما في باريس فور وصولهما إلى هناك، وقبل أن تتجه للإقامة في الولايات المتحدة الأميركية.

راقية خارج الزمن
وبالإضافة إلى نية زوجها الهجرة إلى فرنسا، التي عاش فيها حتى رحيله، فإن ثمة إشارات متعددة قد تفسر خطوة الهجرة المفاجئة التي أقدمت عليها راقية إبراهيم، وفضلا عما أشرنا إليه في الحلقة السابقة من اتخاذها الفن وسيلة لتلبية حاجاتها الاجتماعية والمادية، فإن إحساسها بتجاوز الزمن لنجوميتها، كان له أثر بالغ في اتخاذها مثل ذلك القرار، ويرى المؤرخ الفني أشرف غريب، أن راقية إبراهيم "استشعرت أن الزمن القادم لن يكون زمانها. في تلك اللحظة كانت نجوميتها في تراجع، في المقابل كان هناك جيل آخر من الممثلات أكثر شبابًا وموهبة منها، وفي صدارتهن فاتن حمامة وهند رستم وشادية".
ويضيف غريب سببًا آخر إلى ما سبق، حيث يقول في حديثه لـ"المدن"، إن عام 1954 كان بداية الصدام الشديد بين الثورة واليهود المصريين، و"لم يكن خفيًا على الناس أنها أسلمت فقط للزواج من مصطفى والي، ولا يمكن أن نستبعد أيضًا أن موقفها الإيجابي من اللواء محمد نجيب كان عاملًا إضافيًا في التضييق عليها، ومن ثم اتخاذها قرار الهجرة".

في الحوار الذي أعقب عودتها من رحلتها العلاجية، وجه وليام باسيلي سؤلا لراقية حول رؤية الشعب الأميركي لحركة الضباط الأحرار في مصر، وكان واضحًا من المبالغة الشديدة في إجاباتها، أنها تراهن على نجيب وحده دون غيره من قادة مجلس الثورة، ومثل تلك المواقف كانت تشكل خطرًا حقيقيًا على أصحابها، في ظل صعود جمال عبد الناصر ورفاقه إلى صدارة التنظيم، وليس أدل على ذلك مما حدث للفنان محمود فوزي الذي خسر ثروته كلها بعد تأميمها من قبل النظام الناصري، بسبب محاباة الأول للواء محمد نجيب خلال الفترة التي ظهر فيها قائدًا للثورة.

لكن هل كانت تلك الأسباب، هي الدافع الرئيس وراء هجرة راقية إبراهيم، أم أن ما أثير من محاباتها للدعوات الصهيونية وانتمائها لإسرائيل هو السبب وراء هجرتها من مصر كي تنتقل خطوة أخرى في مسار مناصرتها للدعوة الصهيونية؟

عميلة إسرائيلية
رغم كل ما أثير عن حياة راقية إبراهيم الغامضة، إلا أنه ليس ثمة إشارة واحدة إلى سفرها إلى دولة الاحتلال، كما أن الثابت في كل ما نشر عنها خلال فترة إقامتها في مصر، يكاد يخلو من أي اتهامات مباشرة لها بالانتماء للكيان الصهيوني أو بالعمالة لصالحه، على العكس من ذلك أبرز الحوار الصحافي الذي أجراه معها وليام باسيلي في "الكواكب" في مارس من العام 1953، بعد عودتها من رحلتها العلاجية، اعتزازها بمصريتها، حيث تقول إن "أميركا بكل ما فيها من عظمة وثراء وعجائب لم تتمكن من إزالة وحشتي لوطني".
بدأ اتهام بطلة "الحل الأخير" بالعمالة، بعد سفرها إلى أميركا بفترة طويلة، وربما جاء ذلك متأثرا بالعدوان الثلاثي على مصر وبهزيمة 67 ثم حرب أكتوبر 1973، وبنبرة التخوين التي طالت كثيرين من المصريين اليهود، لكن أشرف غريب لا يستبعد أن يكون السبب في ذلك هو حال الغموض التي أثارتها راقية إبراهيم حول حياتها، والتي فتحت الباب لظهور كثير من التأويلات لاختفائها التام والمريب، يقول: "واقع الأمر أن راقية إبراهيم لديها ما يجعلنا نشك فعلا، في مسألة انتمائها للصهيونية، منها مثلا: أنها كانت تكن غيرة شديدة لقريناتها، الأمر الذي جعلها تبدو وكأنها تكن كراهية للمصريين، وهي فعلا كانت تكره فاتن حمامة، وهي غيرة كانت معلنة وسافرة، وثانيا، أنها كانت تثير غموضًا حول شخصيتها بشكل يثير الريبة، وكانت تمكث في بيتها طوال الوقت ولا تظهر إلا نادرًا في أي محافل فنية، وكانت إذا ظهرت فإنك تجدها عند السفير الأميركي في مصر، وأملك صورة شهيرة جدا لها معه؛ أو تظهر في حوار صحافي تجريه مع الدكتور طه حسين، وهناك أيضًا صورة توثق ذلك، أو تظهر في مجتمعات النخبة السياسية وتختفي من سهرات الوسط الفني، فضلا عن أنها لم تكن تمتلك أي علاقات حقيقية مع فنانين ذلك الوسط، باستثناء دائر محدودة".
ويضيف غريب: "من هم أصدقاؤها في الوسط الفني؟ أربعة: يوسف وهبي، وأنور وجدي، ومحمود المليجي، ومحمد كريم، وهؤلاء الأربعة تحديدًا هناك شبهات قوية جدًا حول عضويتهم في المحفل الماسوني.(لمعاينة معلومات أكثر حول هذا الموضوع يمكن للاطلاع على مقال نشرته "المدن" للزميل محمود زيباوي بعنوان "محفل الفنان المصري") عندما تضع كل تلك الملاحظات إلى جوار بعض ستجد أنه من الممكن جدًا أن يكون لها دور أخر لعبته غير الفن. لكن في النهاية ستجد أنها كلها استنتاجات دون وثائق قوية".
يحاول غريب خلال عمله على جمع مادة الكتاب الذي يشتغل عليه حول حياة راقية إبراهيم، أن يتتبع سيرتها  بعد خروجها من مصر: "لأن فترة وجودها فيها، يساعدني في رصدها –مع قدر من التحفظ- أرشيف الصحف المصرية، أو على الأقل سيتيح معلومات يمكن ضبطها تاريخيًا بمقارناتها بعضها ببعض، لكن فترة ما بعد خروجها من مصر، هي المشكلة الأكبر، ويضيف: "الشائع عن راقية إبراهيم أنها عملت ضمن الوفد الإسرائيلي في الأمم المتحدة، أو في المنظمة بشكل عام، لذلك لجأت أولا إلى الدبلوماسية المصرية، حيث اتصلت بالسفير محمود كارم، سفير مصر الأسبق في الاتحاد الأوروبي، واخترته لأنه عمل لفترة في الأمم المتحدة فضلًا عن أنه نجل الموسيقار الراحل كارم محمود، ما يعني أنه على علاقة بالحياة الفنية، أبوه على الأقل ذكر تلك الحكاية أمامه بشكل أو بآخر، وكان رده على اتصالي متحفظًا بشكل كبير، لكنه أكد أنه طوال فترة تردده على الأمم المتحدة بفرعيها في جنيف ونيويورك لم "يقابل أو يسمع أو يقرأ" عن وجود راقية إبراهيم في الأمم المتحدة على الإطلاق، لا في المنظمة ولا ضمن الوفد. ثم دلني على مجموعة أسماء يمكن الاستعانة بها لعلهم يفيدونني، لكني لم أستكمل السير في ذلك الاتجاه بعد، نتيجة لانشغالي بتفريعات أخرى مختلفة في سيرتها".


اغتيال سميرة موسى
في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 2009، نشرت صحيفة المصري اليوم، خبرًا يفيد بانتهاء الدكتور محمود علي فهمي، أستاذ النقد في معهد النقد الفني التابع لأكاديمية الفنون، من كتابة مسلسل للراديو عن عالمة الذرة المصرية سميرة موسى، وقال فهمي إنه سيذكر في المسلسل "حقائق لم تنشر من قبل"، منها أن العالمة المصرية "كانت صديقة لعدد من الفنانين منهم راقية إبراهيم التي أرشدت الموساد اليها، وكانت سبباً فى اغتيالها"، ومنها "تخلي راقية إبراهيم عن جنسيتها المصرية وحصولها على الجنسية الإسرائيلية، ثم عملها كعضو ضمن الوفد الإسرائيلي فى الأمم المتحدة"، الأمر الذي دفع الناقد الراحل سمير فريد لأن يكتب في عموده اليومي في الصحيفة ذاتها، بتاريخ 4/1/2010 تحت عنوان "ولكن يا دكتور من أين حصلت على هذه المعلومات عن راقية إبراهيم"؟ منتقدًا فهمي، ومسائلًا إياه عن مصدر معلوماته، ومشيرًا إلى أنها المرة الأولى التي يوجه فيها الاتهام إلى راقية إبراهيم باغتيال سميرة موسى، أي أنه قبل عام 2009 ولـ 57 عامًا على اغتيالها لم توجه أي اتهامات لراقية إبراهيم بتورطها في ذلك الحادث.
أرجع فريد هذه النوعية من الشائعات إلى أن راقية إبراهيم من يهود مصر، أو "مصرية يهودية، وأن الكثيرين من المصريين أصبحوا يشكون في مدى انتماء يهود مصر لمصريتهم بعد إنشاء إسرائيل، وهي من المشاكل التي سببتها إسرائيل لكل اليهود في كل مكان"، وذكر الناقد الراحل واقعة تخص إبراهيم، حينما كان "في زيارة لمتحف الفن الحديث في نيويورك عام 1997 لمشاهدة فيلم مصري من الأفلام "المفقودة" عن واحة سيناء، وعندما علمت أن مخرجه فيكتور ستولوف، وهو مصري يهودي لا يزال على قيد الحياة، طلبت لقاءه، وأجريت معه حواراً مطولاً نشرته آنذاك، وفي هذا اللقاء سألته عن راقية إبراهيم، فقال إنها كانت تعمل فى العلاقات العامة في هيئة الأمم المتحدة لإجادتها عدة لغات أجنبية وأحيلت إلى التقاعد، ولا يعرف كيفية الاتصال بها".

ولكن محمود علي فهمي، لم يكن الوحيد الذي أثار ذلك الاتهام "الطارئ"، حيث خرجت صحيفة "المصريون" يوم 24 مارس 2012، وهي صحيفة ذات توجهات يمينية تتبع حزب النور السلفي في مصر، أنشئت بعد ثورة يناير 2011، وقد ضمت صفحاتها حوارًا مع سيدة تدعى "ريتا ديفيد توماس"، تزعم أنها حفيدة راقية إبراهيم، قالت خلاله إنها وجدت، في العام 2010، مذكرات جدتها الشخصية التى كانت تخفيها وسط كتبها القديمة في شقتها في كاليفورنيا، وتعترف خلالها بتعاونها مع الموساد في تصفية سميرة موسى، كما تشرح بالتفصيل الدور الذي لعبته في تنفيذ تلك العملية، لكن أشرف غريب، يتوقف عند هذا الحوار، متهكمًا: "دعنا نفكر قليلًا، هل من المنطقي أن تترك جاسوسة إسرائيلية مذكرات تقول فيها إنها كانت جاسوسة، بل وتعترف بمساهمتها في اغتيال سميرة موسى، وتسرد وقائع خطة تلك العملية أيضًا! لا يوجد جاسوس واحد في العالم كله اعترف على نفسه أنه جاسوس، ولا يوجد منهم من ترك بعد وفاته ما يعترف فيه بوظيفته أو العمليات التي شارك بها، طيب وإذا كان ذلك كله متاحا في مذكراتها التي وجدتها حفيدتها في عام 2010، فلماذا لم تعترف بذلك في حياتها إذا كانت تريد ادعاء أنها بطلة إسرائيلية، ولماذا لم تذهب للعيش هناك مثلما فعلت بعض الفنانات من يهود مصر"؟


يتيح الغموض مع تقادم الزمن تربة خصبة للخيال، الذي قد يغذي عملًا فنيًا يتجاوز حد الشائعات إلى ما هو أكثر فنية أو أكثر تسلية، لكن السذاجة التي شابت الاتهامات الموجهة إلى راقية إبراهيم وتتابعها الزمني المريب في ظل ندرة المعلومات عنها، تقف حائلا دون تقديم عمل فني أو بحثي ذا قيمة، وهو الأمر نفسه الذي يعرقل باحثا مثل أشرف غريب عن الاستمرار في إنجاز مشروعه خوفًا من الانسياق وراء وهم الشائعات، لأن ما أحاطت "غريتا غاربو المصرية" حياتها به، جعل من الصعب، ليس معرفة موعد ميلادها فقط، وهي الإشكالية التي انطلقنا منها في رصدنا لمسيرتها، وإنما حتى الوقوف على حقيقة وفاتها من عدمه، فالحادثة التي ذكرها سمير فريد، توحي بأنها كانت على قيد الحياة حتى عام 1979، حين أحيلت للتقاعد في سنة الـ60، لكن مصادر كثيرة أكدت وفاتها بين عامي 1977 و1978، فيما أشار آخرون إلى أنها توفيت مطلع الألفية الجديدة، لذا لن يبدو غريبًا إن ظهر لاحقًا من يؤكد أنها لازالت على قيد الحياة، وتحتفل –في صحة جيدة- مع عائلتها وحفيدتها المزعومة بعيد ميلادها المائة!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها