آخر تحديث:17:48(بيروت)
الإثنين 03/06/2019
share

بوب كوفمان... الأستاذ الخفيّ لـ"جيل البِيت"

المدن - ثقافة | الإثنين 03/06/2019
شارك المقال :
بوب كوفمان... الأستاذ الخفيّ لـ"جيل البِيت" بوب كوفمان وزوجته ايلين
يصدر قريباً عن منشورات الجمل كتاب "عُزلةٌ مُكتظَّةٌ بالوَحْدة" لبوب كوفمان، ترجمة وتقديم الشاعر العراقي محمَّد مظلوم... هنا مُقتطف من المقدمة ننشره بالاتفاق مع الناشر.

حين تعرَّفتُ على اسم بوب كوفمان للمرة الأولى واطلعت على نماذج من شعره، رحت أتساءل كيف أُغفل هذا الشاعر لدى أغلب من أعرف اهتمامهم بالشعر الأميركي، والمهتمِّين بشعر "جيل البيت" تحديداً؟ ووجدتُ نفسي أمام اكتشاف يستحقُّ الجهد والمغامرة، لذا قرَّرتُ خوضَ تلك المغامرة، وبدأتُ بجمع أعماله بصبر وعناء، فهي شبه مجهولة، وأغلبها طبع قبل أكثر من نصف قرن ولم تُعَد طباعته، بل أنَّ بعضاً من أعماله نشر ضمن منشورات محدودة ضمن كراسات صغيرة ومحدودة وبدأت بالعمل عليها على مهل.


بيد أن أكثر ما زاد من استغرابي عدم وجود دراسة وافية ونصوص تمثل هذا الشاعر في ثقافتنا العربية، وتحديداً ما يتعلق باهتمام سركون بولص الاستثنائي "بجيل البيت" وتعريفه المبكر بشعراء هذا الجيل، وإقامته في معقلهم سان فرانسيسكو، لذا استفسرتُ من الصديق الشاعر خالد المعالي عن الأمر، بحكم معرفته بمشاريع سركون ونشره لها، بما فيها تلك التي تركها مسودات، وإذا ما كان يعرفُ شيئاً عن أي اهتمام لسركون بكوفمان، فإجاب: لعلَّه كان أحد مشاريعه المؤجَّلة التي بقيت برأسه، وما أكثرها. فقد كان "صاحب ألف مشروع" كما رأى المعالي، لكنه أشار إلى مجموع حوارات سركون الذي كان يعدُّه للنشر، وقد وجدتُ فيها بالفعل، إشارتين تنطويان على مغزى عميق عن هذا الشاعر.

إذ يقول سركون في أحد حواراته في سياق حديثه عن "جيل البيت": "وهناك شاعر، يعتبر أهمَّ منهم جميعاً هو بوب كوفمان شاعر زنجي، غيّر وجه الشعر الأميركي، وهو شاعر ثوري بالمعنى الحقيقي للكلمة، لا سياسياً فقط، بل لغوياً، أي أنه ثوّر اللغة الانكليزية عن طريق تطعيمها بمفردات زنجية ولهجة رجل الشارع". وفي حوار لاحق يقول سركون: "بوب كوفمان شاعر أسود من أحسن من أثَّروا في كل الجيل، لكنَّه كان لا يبالي بالشهرة ويكره المعجبين، بل قرَّر أن يصمت نهائياً وألاّ يتكلم بعد موت جون كينيدي. كنتُ أجالسه، من غير أن ينبسَ بكلمة، يكتفي بالنظر إليَّ وحسب، كأنّما يتكلّم بالنظر". ومع هاتين الإشارتين عن أهمية تجربة كوفمان الأساسية والمؤثرة في شعر "جيل البيت"، فإن عدم ترجمة سركون بولص لأي شيء من شعره، رغم غزارة ما ترجمه لشعراء أميركيين ومن مختلف الثقافات الأوربية والآسيوية، يبقى من الأسرار الخاصة بسركون نفسه!

لكن في ما يخص تجربتي الشخصية مع قصائد هذا الشاعر، يمكنني أن أتحدَّثَ عن جوانب محددة ربما كانت من الأسباب التي أدت إلى العزوف العام عن ترجمة أعمال كوفمان وأعني تلك الصعوبة الممزوجة بالمتعة في ولوج عالم هذا الشاعر النادر، وهي صعوبة تعود إلى أسباب عديدة أولها: إنك حين تترجم هذا الشاعر بالذات فإنَّك لن تترجمَ نصوصه لغوياً فقط، وإنما عليك أن تترجم تلك العوالم الخفيَّة وشفرات اللغة السريَّة الداخلية المستمدَّة من خصوصية تجربته وطبيعة حياته. فبأية طريقة يمكنك أن تترجمَ قصيدة لشاعر يكتب تحت تأثير المخدرات فيستخدم بلاغات الهلوسة وعوالم الغيبوبة وأجواء موسيقى الجاز في أشعاره؟

وكيف لك أن تترجم شاعراً يمزج بين لغة الشارع الفجَّة وأسرار التوراة الغامضة، وتاريخ الهنود الحمر المنسي، وميراث الكاريبي وعذابات الزنوج وعوالم الأساطير؟ وهو الذي كتب قصائده أصلاً من دون أية نيّةٍ لنشرها أو حتَّى جمعها ولم يشرف بنفسه على أي من دواوينه الثلاثة التي صدرت؟

ثم كيف يتسنى لك أن تترجم شاعراً سياسياً وسريالياً في الوقت نفسه، شاعر السجون والمعتقلات، والحانات والبحار معاً، بما يعني: الحرية والاضطهاد معاً والذي التزم نذراً بالصمت لأكثر من عشر سنوات منذ اغتيال كينيدي حتى نهاية الحرب في فيتنام؟

وثمة أمر آخر ربما أكثر أهمية فقد كان كوفمان سباقاً في استخدام الكلمات والعبارات الخاصة التي اتسمت بمعنى ودلالة خاصتين في أدب "البيت" مثل: « dig» و«cool» و«cats» و«square» والعشرات من مثل هذه الكلمات التي استخدمها كذلك كل من غينسبيرغ وكيرواك وسواهما في أشعارهم وأعمالهم الأدبية، وهي مستوحاة من ملاهي الجاز التي كان أغلب نجومها من موسيقيين ومغنين من السود رجالاً ونساء، مثل شارلي باركر وراي تشارلز وبيلي هوليداي وبيسي سميث وسواهم. وقد استمع شعراء "البيت" إلى موسيقى الجاز تحت وطأة نوع من "النشوة الصوفية" واستخدموا إلى جانبها الماريجوانا وسواها من المخدرات الأخرى، في محاولة للوصول إلى "نيرفانا" خاصة لاستكشاف حالات متغيرة من الوعي، وشحن الكلمات نفسها ببلاغة أخرى وجديدة، ومن هنا جمعهم بين الفلسفات الشرقية "البوذية" و"الزن" على سبيل المثال، وبين حياة العبث والرفض للثقافة الأميركية السائدة.

فكلمة «cat» مثلاً، تعني في التداول الداخلي لهذه العوالم التي استمدَّ منها كوفمان لغته: "الفتى" و"عازف الجاز" لكن أين تكون "قطَّة" فعلاً؟ وأين تكون شاباً عادياً؟ وأين تكون عازفاً للجاز في سياق هو بالأساس سياق مراوغ وموارب؟ وكذلك الأمر مع أسماء "المخدَّرات" وأنواعها بلغة الشارع، كالحلوى والمربَّيات والكعك والشاي الخ... وكذلك أسماء الأمكنة والأعلام والمدن، فهو كثيراً ما يؤكد على دلالاتها اللغوية ويرجحها على عَلَميَّتها، مثل: سان فرانسيسكو وهوليداي وتيمبل وآرت. فهذه أسماء أشخاص إن ترجمتها ترجمة تفسيرية أخرجتها من معرَّفها الشائع، وإن تركتها على علميَّتها ستبدو مبهمة في ثقافتنا، لكن إضاءة حياة كوفمان هنا، ومعرفة طريقته الشعرية البلاغية في المواربة، والجناس، والنحت المركب، والانحراف المقصود، والتنويه لبعضها عبر هذا التقديم، من شأنها أن تعطي بصيص ضوء داخل نفق لا ينتهي، وستجعل فكَّ الرموز الشعرية ممكنة إلى حدٍّ ما، لذا لم أذهب بعيداً نحو الترجمة التفسيرية، إلا حيث بدا لي أن الأمر يستدعي ذلك بشكل ملحٍّ. وحاولت مقاربته من البلاغة العربية.

إضافة إلى هذا، يستخدم كوفمان تعابير ستبدو دلالتها مربكة حتى للقارئ الأميركي المعاصر فهو يستخدم على سبيل المثال كلمة «hipsters» التي سرعان ما التبست بمفردة أخرى من الجذر اللغوي ذاته، ومن الثقافة المضاد نفسها، واستقرَّت في الذهن والثقافة المعاصرة للدلالة على Hippies الهيبيين. لكن كوفمان يستخدمها في قصائد تعود للخمسينيات أي قبل أن تتشكَّل الهيبية وتترسَّخَ بوصفها حركة اجتماعية شبابية رافضة للثقافة الأميركية، ولذا فإنه يستقيها من عالم آخر مختلف عالم الثقافة الزنجية المرتبطة بموسيقى الجاز، كما في قصائد "أصوات الساحل الغربي" و"هوليوود" و"جاز البيغل شوب". وفوق هذا كلّه فإنّ شعره، في معظم قصائد هذا الديوان بما فيها القصائد السياسية وقصائد الحب، مربكٌ، فهو يتقصَّدُ خلق الفوضى، وجرَّ القارئ من دهاليز إلى متاهات في الصياغات وفي لا منطق العبارة من الناحية البنائية، وهو مشاكسٌ في قصيدته كما في حياته، ويتعمَّد تضليل من يلاحقه في القصيدة (كما في نيسان الثاني) مثلما ظلَّ يراوغ متعقِّبيه من الشرطة! أو حتى من يحاول أن يطلبه من الأصدقاء في حانات شارع جرانت والحي الصيني، فكثيراً ما بعمد إلى استخدام العامية ولغة الزنوج في نوع من التورية والمواربة المحسوبة، ويشتقَّ أفعالاً من أسماء لا أفعال لها، وينحت كلمة من كلمتين او ثلاث، ويستخدم اسماء العلم بمعاني مزدوجة، إضافة إلى ولعه بالجناس الصوتي. واللفظي، والمعنى المزدوج، وهذا كلُّه يرتبط بخصوصية داخل اللغة نفسها ويصعُب نقلها في الترجمة ومع هذا حاولتُ التلميح أحياناً إلى المعنى الآخر المضمر، ومجاراة ذلك أحياناً وبقدر ما تتيحه اللغة العربية. على سبيل المثال لا الحصر، لأن الأمثلة أكثر من أن تحصى، استبدلت كلمة "الرمزية" بـ"السيمائية" عن قصد لإظهار الجناس الساخر، ذلك أن كوفمان كان يريد خلق جناس تهكمي بين معاداة السامية ومعاداة الرمزية: «symbolic – Anti» أو حين يكتب: Musketeer ومعناها: جندي مسلح ببندقية، بتحريف إملائي مقصود: على هذا النحو: mescateleer فإنه يجمع بين:(Mezcal) و:(Tequila) أي شرابين من الخمر والكحول، أو حين يكتب: (Cincophrenic) جامعاً بين مرَضين نفسيين هما: schysophrenia وInsomnia: الأرق والسكيزوفرينيا(الشيزوفرينيا) والأمثلة أكثر مما يمكن حصرها هنا.

وأنني إذا أبدأ مع "عزلة مكتظَّة بالوحدة"، أول ديوان للشاعر فإنها لبداية صعبة حقاً، حيث حشَّد كوفمان في هذا الديوان كل طاقاته الغريبة وشحنها بتجريبية عالية من سريالية، وسياسية وشفاهية وسخرية فائقة السواد. صعبة إلى حد أنها كانت ممتعةً بالنسبة إلي للغاية! وآمل أن تكون كذلك للقارئ وهو يتعرَّف للمرة الأولى على هذا الشاعر الاستثنائي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها