آخر تحديث:16:09(بيروت)
الأربعاء 26/06/2019
share

نبيلة عبيد.. كشف المستور

وجدي الكومي | الأربعاء 26/06/2019
شارك المقال :
نبيلة عبيد.. كشف المستور
القصة الأكثر إثارة في حياتها، هي قصة زواجها من مستشار حسني مبارك السياسي أسامة الباز. أما الشائعة الأقوى التي أنكرتها كثيراً في حواراتها التلفزيونية، فهي أنها كانت مبعوثة صفوت الشريف لتهديد سعاد حسني كي تقلع عن كتابة مذكراتها وفضح رموز نظام مبارك، وهي الشائعة التي عانقتها شائعة زواجها بحبيب العادلي، التي أطلقتها عليها مريم فخر الدين، لكن يبقى الرجل الحقيقي الذي أدى دوراً في حياتها وأنقذها من الفشل الفني، هو إحسان عبد القدوس.

إنها نبيلة أحمد محمد أحمد عبيد، كما هو اسمها في بطاقتها الشخصية، أما بطاقتها السينمائية، فحملت ألقاباً عديدة. فكانت أولاً نبيلة نور، الاسم الذي أطلقه عليه حلمي رفلة بعد اكتشاف عاطف سالم لها أول الستينيات، ثم صارت نبيلة عبيد، وظهر أولاً على أفيش فيلمها "السيرك" ثم كليوباترا، الذي شاع بين أفراد الوسط الفني ثم بلبلة، وهو الاسم الذي أطلقه عليها إحسان عبد القدوس، ثم نجمة مصر الأولى، الذي اختاره لها التلفزيون العربي الأميركي خلال تكريمها في الثمانينيات، وروجت له غالبية الصحف العربية، فتمسكت هي به، ثم اُختصر إلى نجمة مصر في تيتر فيلم "الراقصة والسياسي". أما لقبها العالمي الآخر، فكان ملكة مصر، وهو الذي أطلقته عليها صحيفة اللوموند بعد عرض فيلم "الآخر"، فيما لقبتها صحيفة فرنسية أخرى بـ"صوفيا لورين الشرق" و"جوان كولينز المصرية" في حين لقبتها الصحافة السويسرية بلقب "الوحش".

الستينيات.. مولد نجمة سمراء
حينما داعب حلم العمل في السينما، ابنة حي شبرا الخيمة القاهري، تلميذة الثانوي، التي كانت تمر كل يوم أمام سينما شبرا بالاس، حيث تسكن على بعد أمتار منها، ويخفق قلبها برؤية أفيشات الأفلام، ومرأى سعاد حسني، كان قلبها ذاك الذي يخفق قد تمنى أمنية، وهي تقف أمام السمراء الفاتنة المسماة بالسندريلا. وكانت أمنيتها قد صعدت فوراً إلى السماء، وفي أسابيع قليلة وضعتها الأقدار أمام المخرج السينمائي الكبير الراحل عاطف سالم.

ألا تنبع الأماني في الأساس من القلوب.. وتتحقق بخفقاتها..؟
هكذا تكتب الستينيات بمزاجها الثوري.. بنبض الناس المحب لجمال عبد الناصر وكل ما يرمز إليه من كونه زعيماً مصرياً خالصاً، تكتب الستينيات شهادة ميلاد لفتاة عادية، فتظهر في دور صامت في فيلم "مفيش تفاهم" العام 1960. دور من دون كلمة واحدة في فيلم لعاطف سالم، الذي كان يكبرها بعقدين – هو مواليد العشرينيات وهي مواليد الأربعينيات- وكان يبحث عن وجه يحمل قدراً كبيراً من البراءة والغموض وعينين سوداوين واسعتين مكحولتين، وشعر أسود طويل، وجسد غض لين ممشوق القوام، خرج لتوه من الطفولة إلى أنوثة المراهقة المثيرة لتؤدي دوراً صغيراً في فيلم "مفيش تفاهم" بطولة سعاد حسني وحسن يوسف، وكان الفيلم قد بدأ تصويره بالفعل، والدور لتلميذة تؤدي التمرينات الصباحية وهي ترتدي زي الباليرينا الأسود في شرفة شقتها المطلة على نافذة بطل الفيلم، الذي يراها فيصبح شغوفاً بها، هذا الدور كان طلقة البداية في مشوار نبيلة عبيد.

تتزوج نبيلة عبيد من عاطف سالم، وتعيش معه خمس سنوات، لكنه لا يكون هو الرجل الذي يكتب شهادة ميلادها، فعلياً، يكون نيازي مصطفى هو صاحب هذه الهدية السماوية، إذ يعد المكتشف الحقيقي لها، حينما يمنحها دوراً لم تكن تحلم به، ألا وهو "رابعة العدوية".


نهاية الخمسينيات، ومطلع الستينيات، السينما المصرية مؤممة، وحائرة، والإذاعة رائدة وتقود، السينما تنظر إلى الإذاعة وتغار من نجاحها، مسلسل إذاعي كبير قدمته سميحة أيوب في الخمسينيات عن رابعة العدوية، تغني فيه أم كلثوم، يجذب انتباه منتجي السينما الذين يضربون كفا بكف، ويبحثون عن قصة غير مألوفة يقدمونها في دور السينما، ويلفت انتباهم نجاح المسلسل الإذاعي، فتغير السينما، والسينمائيون، ويحاولون استثمار هذا النجاح. فيبدأ حلمي رفلة إنتاج فيلمين عن رابعة العدوية، أحدهما يخرجه عباس كامل، ويلعب بطولته رشدي أباظة وعايدة هلال، وكان شريط السينما بالأبيض والأسود، والغناء لسعاد محمد، إلا أنه لم يحقق النجاح الجماهيري المتوقع حسبما يكشف الناقد الفني الكبير نادر عدلي في كتيبه الذي يصدر ضمن مطبوعات مهرجان القاهرة السينمائي العام 2007.

يلفت نادر عدلي إلى أن شريط السينما الأول الذي عنوانه "شهيدة الحب الإلهي" لم يثن حلمي رفلة عن استكمال مشروع الفيلم الثاني، مدفوعاً بعناصر إضافية، هي أن أم كلثوم ستغني أغانيه، وأن وجود نيازي مصطفى كسيناريست ومخرج سيضيف له، ومستقوياً بنجوم كبار مثل فريد شوقي وعماد حمدي وحسين رياض وزوزو نبيل، ومراهناً على أن شريط الفيلم سيكون بالألوان وهو ما سيبهر رواد السينما لكن بقيت المشكلة: من الممثلة التي ستلعب شخصية رابعة العدوية؟


تحدث نقاد فنيون عن اعتذار نجمات كبار عن أداء هذه الشخصية، فذكر محمود معروف في مقالة له إن مريم فخر الدين، وفاتن حمامة اعتذرتا عن الدور، وأن نيازي مصطفى رشح زوجته كوكا للدور، لكنهم اعتذروا لها. ثم أرسل مكتب حلمي رفلة لنبيلة عبيد، وأعدّوا لها اختباراً، فأعدها عاطف سالم، وأرسلها للتدريب على الإلقاء، والأداء، فنجحت في الدور.

نجحت نبيلة عبيد في الدور، وأصبحت نجمة صاعدة، زلزل الفيلم دور السينما، وهو ما توقعه لها حلمي رفلة، الذي تحسب لهذا النجاح، ووقع معها عقد احتكار 3 أفلام، وكان الفيلم الثاني هو المماليك، أمام عمر الشريف وأخرجه عاطف سالم، الذي كان قد تزوجها قبل هذا الفيلم.

الطلاق من عاطف سالم.. الهجرة إلى لبنان
يأتي العام 1967 ليمثل نقطة محورية وانتكاسة فنية لنبيلة تستمر حتى منتصف السبعينيات، ففي هذا العام تقع النكسة، ومعها تنفصل عن عاطف سالم زوجياً، وتنفصل عنه فنياً بهجرتها إلى لبنان مع الذين هاجروا، تأثراً بانهيار صناعة السينما في مصر وتراجعها، خلال الفترة المعروفة بفترة القطاع العام، التي هيمنت فيها مؤسسة السينما على الإنتاج. استمرت تلك الفترة عشر سنوات منذ العام 1963، حتى العام 1973، إذ تتخبط الدولة وتحتار في ما يتعلق بالإنتاج السينمائي، وهو ما يؤثر على الصناعة التي تترنح، وتفقد بريقها. يقول سمير فريد في دراسته عن أهم المحطات والمراحل في تاريخ السينما، إن الاستوديوهات والمعامل ودور العرض لم تؤمم، لكنها لم تعد في أيدي أصحابها. أما السبب الثاني وراء اضطراب صناعة السينما في مصر فهو تمويل شركات التوزيع في لبنان للأفلام المصرية، مما جعل هؤلاء الممولين يفكرون في صناعة أفلام في لبنان وسوريا لحسابهم، جاء ذلك بعد إنتاج فيلم سوري بعنوان "عقد اللولو" من بطولة دريد لحام، حقق إيرادات كبيرة حسبما يشير نادر عدلي في كتيبه، أغرت هذه الإيرادات رجال الأعمال في دخول حقل الإنتاج للسينما في لبنان وسوريا، فشهدت البلدان نشاطاً إنتاجياً لم تشهداه قبل هذه الفترة، ولا بعدها، منذ العام 1964 حتى 1977، حيث تم إنتاج ما يقرب من 100 فيلم.

أغرى اضطراب صناعة السينما في مصر وانتعاشها في لبنان وسوريا الفنانين المصريين للسفر، والعمل هناك، فسافرت نبيلة عبيد بتشجيع من نيازي مصطفى وحلمي رفلة، مرتكبة خطأ عمرها، وسقطة ستكلفها الكثير. إذ شاركت هناك في أفلام المغامرات العاطفية والكوميديا الخفيفة، وهوت النجمة من حالق، وهي من كانت البطلة الأولى في "رابعة العدوية"، لتؤدي هناك بطولة 7 أفلام أخرجها لها 7 مخرجين مصريين، بينهم فيلم من إنتاج نيجيري.

حينما تعود نبيلة عبيد، مدفوعة بطلب عبد الحميد جودة السحار، خلال فترة تولي يوسف السباعي وزارة الثقافة، للعودة من أجل مصر، فوجئت بفداحة ما ارتكبته في حق نفسها، وبات المخرجين يمنحونها أدواراً ثانوية، لمصلحة فنانات مثل نجلاء فتحي وميرفت أمين اللتين تنتميان إلى الجيل اللاحق عليها، وإن كُن اشتهرن لأنهن بقين في مصر وقدمن فيها أفلاماً جيدة.

إذا لم يأتِ الجبل إلى محمد.. فليأتِ محمد إلى الجبل
محطمة، غير مطلوبة، وغير مرغوبة، تؤدي أدواراً هامشية بصبغة تجارية شعبية، التي تصبغ أفلام السبعينيات، وتظهر فيها بوجوه باهتة وبلا طعم، وأغلبها أمام النجم الراحل محمد عوض، مثل "الأصدقاء الثلاثة" وجنون المراهقات 1972، وشلة المحتالين ورحلة العجايب 1974، لكنها بعد ذلك تظهر في أفلام جيدة تنبئ بقرب صحوتها، وهي أفلام "بديعة مصابني 1976" وفيلم "الكروان له شفايف 1977" والفيلمين يخرجهما حسن الإمام، وفيلمها الثالث الذي مثّل لقاءها الأول والأخير أمام عادل إمام "حرامي الحب".

تبحث نبيلة عبيد عمن ينتشلها، ويعيد لها مجدها المنسي، وحسبما يشير رفيق الصبان في مقال له عنها عام 2005، عزمت في لحظة تحد خارق، أن تنتشل نفسها بنفسها، بعدما لم تجد اليد التي تنتشلها، وهكذا تذهب إلى الجبل، كما يقول المثل: إذا لم يأت الجبل إلى محمد.. فليأت محمد إلى الجبل" فيرشدها رمسيس نجيب أن تلجأ إلى إحسان عبد القدوس، وتشتري قصصه، ينقذها إحسان من سقوطها، وتراهن هي على قلمه، فتنتج بكل ما جمعته من أموال فيلمها "وسقطت في بحر العسل" بعدما لم تجد من ينتج لها، ولم تجد من يمنحها الدور الذي تتمناه، تلجأ إلى إحسان وهو في أوج شهرته، لتطلب منه قصة تناسب تكوينها الجسدي والنفسي، وتلجأ إلى أكبر مخرج مصري، وهو صلاح أبو سيف، لتطلب منه أن يخرج هذه القصة، وتلجأ إلى صديقتها الكبرى، الشهيرة الجميلة نادية لطفي، وتطلب منها أن تقاسمها البطولة، في الفيلم الذي وضعت عليه كل رهانها، فينجح الرهان، وتقطع نبيلة عبيد المرحلة الصعبة التي تفصل بينها وبين الأدوار الفنية، ومن خلال الكنز الذي عثرت عليه، وهو عالم إحسان عبد القدوس، تواصل النجاح، فتمثل "ما زال التحقيق جاريا" و"العذراء والشعر الأبيض" و"انتحار صاحب العمارة" و"اعطني هذا الدواء" و"أيام في الحلال".


يقفز حسين كمال بنجوميتها إلى القمة في هذه الأفلام، وتستثمر نبيلة عبيد قصص إحسان للنهاية، فتلعب في فترة الثمانينيات أوج ازدهارها الفني بطولة 3 أفلام متتالية عن قصص إحسان، هي "الراقصة والطبال" العام 1984، والعذراء والشعر الأبيض" و"أرجوك اعطني هذا الدواء" و"أيام في الحلال" وتعود إليه في مطلع التسعينيات بفيلم عن قصته بعنوان "الراقصة والسياسي".

وتظل الثمانينيات فترة ازدهارها الحقيقية، ففيها تتعاون مع مخرجين كبار هم أشرف فهمي وعاطف الطيب، وحسين كمال، وعلى عبد الخالق، فيخرجون لها الأفلام التي بقيت علامات في مشوارها، وهي " الشيطان يعظ" و"أبناء وقتلة" و"شادر السمك" و"التخشيبة" و"حارة برجوان".

قبل انتهاء عقد التسعينيات، وقبل أفول نجمها، يردها يوسف شاهين إلى المجد بقوة، بمنحها دور "مارغريت" في فيلمه الآخر، وللمرة الأخيرة، تعانق نبيلة عبيد المجد، حينما يعيد يوسف شاهين إمكاناتها كفنانة كبرت، وتصلح في أدوار الأم المتسلطة، في هذا الدور، ترى نبيلة عبيد المهرجانات الدولية، وتتحدث عنها الصحف الفرنسية، وتمتدحها، وتمنحها قبلة حياة، تضخ الإدرينالين في شرايينها، لعقدين كاملين، تظل فيهما تتحدث عن نفسها بوصفها نجمة مصر الأولى، التي لا تضاهيها نجمة، وتهاجم سينما الشباب، هنيدي والسقا، وتصف أفلامهما بأنها تليق بسينما المولات والمراكز التجارية. تأفل النجمة، وتصبح بطلة للشائعات في عهد الإخوان، حينما يتحدث أحد رؤساء الأندية الرياضية عن اقتران عصام سلطان السياسي الإخواني بشخصية شهيرة اسمها "بلبلة" فتخرج نبيلة عبيد في تكذيب لإحدى المجلات الفنية قائلة: هو مفيش غير بٌلبلة في مصر غيري، أو حين تخرج لتكذب بعد الثورة شائعة اقترانها من حبيب العادلي، أو شائعة أنها كانت مرسال صفوت الشريف لسعاد حسني لتهديدها، إلا أنها تتمسك بكبريائها فتصرح منذ أسابيع للصحافة المصرية بأنها لن تعود للجمهور، إلا بعمل جيد يحفظ اسمها وتاريخها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها