آخر تحديث:08:04(بيروت)
الأحد 23/06/2019
share

"لسّة عم تسجّل".. الكاميرا سلاحاً استكشافياً

محمد صبحي | الأحد 23/06/2019
شارك المقال :
  • "لسّة عم تسجّل".. الكاميرا سلاحاً استكشافياً
    في مواجهة الهمجية، تصبح السينما آخر معقل لإقامة نوع من "التحالف الإنساني"
  • مخرجا فيلم لسه عم يسجل
    مخرجا فيلم لسه عم يسجل
لو كان بول فريليو لا يزال حيّاً بيننا، لرافق كتابه البارز "الحرب والسينما" بنسخة من فيلم "لسّة عم تسجّل"*، كتطبيق بصري شديد الفعالية والارتباط بنظريته حول طرق الرؤية العسكرية وتغلغلها في ثقافة الحروب الأهلية، حيث الشوارع مواقع تصوير دائمة لكاميرات الجيش أو مراسلي الحروب الجوّالين وراء العنف والدم المجاني. فالفيلم، من إخراج السورييَن سعيد البطل وغياث أيوب؛ يعرض المقتلة المستمرة منذ سنوات في بلدهما، مستبطناً في الوقت ذاته إمكانات الوسيط السينمائي، ليطرح أسئلة بديهية وبسيطة ومهمة عن سياقات إنتاج الصور وحاجة السينما إلى أن تكون في وسط الأشياء. والنتيجة؟ واحد من أهم الأفلام التي ظهرت منذ بداية الثورة السورية، متجذّر تماماً في الوقت الحاضر، والحرب السورية التي يبدو أن لا نهاية لها، ويفعل ذلك من خلال التقاط معناه من السينما نفسها، وبالتالي يقدّم مساهمة كبيرة في التفكير في إمكانات الوسيط السينمائي اليوم.

يبدأ الفيلم بدرسٍ سينمائي، نرى فيه سعيد أثناء تحليله صور أحد الأفلام الهوليوودية خلال محاضرة لتدريب صناع الفيديو المحتملين في الغوطة الشرقية، مشيداً بالسينما الأميركية، أثناء تأكيده قدرة هوليوود على احترام مركزية المنظور، والتقيّد الدقيق بالقواعد البصرية، وما إلى ذلك؛ ويختتم بتذكير تلاميذه كيف أنه، في وقت التصوير، يجب احترام النسب الواقعية للجسد البشري كما حدّدها ليوناردو دافنشي، بما يعني أنه لا يمكن قطع أجزاء الجسم (بحذفها خارج الصورة) إلا إذا كان ذلك متوافقاً من الناحية الهندسية ولا يضرّ بتناسق فضاء الصورة.

هذا المفتتح أساسي لفهم بقية الفيلم، الذي سينتهك كل تلك القواعد، بالنظر إلى أن إعادة التصوير، في ساحة حرب، ليست أذكى الأفكار ولا أكثرها عملية. هذا يعني أيضاً أنه، في ظل ظروف معينة، من غير المهم، لمن يصوّر، الخروج على قوانين السيمترية والتركيز البؤري، أو قد يكون من المقبول أحياناً إلقاء الكاميرا في الهواء لالتقاط ما لا تستطيع العين رؤيته محدداً وواضحاً، وما إلى ذلك. ما يهمّ هو الصورة، ولكن ليس في شكلها الما بعد إنتاجي المنقَّح المجرَّد كما تفعل هوليوود، بل في جدارتها وواقعيتها لتكون لقطة ذاتية، في انتعاشتها كما لو كانت عودة إلى الحياة، في أهميتها لتصبح ملائمة لجملة مثل "صناعة الأفلام بالنسبة لي مسألة حياة أو موت"، يقولها سينمائي شاب في مدينة محاصرة بقوات جيش لا يعرف رحمة ولا أخلاقاً.

يقول سعيد أيضاً في بداية الفيلم: "الصورة هي خط الدفاع الأخير ضد الزمن". وهنا يبدو المخرج الشاب كمن يستعيد إلى حد ما صراعاً كومولياً (نسبة إلى السينمائي والمنظّر الفرنسي جان لوي كومولي) بين القوى التي تميل إلى إرضاء الرغبة في الترفيه وأولئك الذين يسائلون نظرتهم الذاتية. لكن المخاطرة هنا لا تتعلق بالميل لصالح الترفيه على حساب موقف سينمائي، بل بإخبار الحرب عبر عيشها، حيث يكمن الناتج النهائي للتنازع بين هاتين القوتين، كما يتضح من التسلسل النهائي الصاعق في الفيلم، بين أيدي الواقع وحده.


يخوض المخرجان المعركة مع أصدقائهم من الثائرين ضد نظام الأسد، متسلحين بالكاميرا، على خطى مخرجين-مناضلين سابقين في أماكن أخرى من العالم، رغم أن ثمة مثالاً قريباً للغاية من فيلمنا، هو فيلم "الرقيب الخالد" (2014، زياد كلثوم)، في اعتماده على الكاميرا سلاحاً نضالياً ينقذه من فخّ البروباغندا المضادة. لا ينجرف الفيلم إلى إملاء خطاب فوقي منحاز للثورة السورية، ولا يرفد صوره (المعبّرة والباذخة) بتعليقات صوتية أو نصوص ومكتوبة. خبرة الحرب تنتقل إلى الشاشة، بكل ما فيها من صور إطلاق نار وقنابل ومتفجرات وأطراف مقطوعة وإصرار على الحياة وأسئلة معلّقة حول مصير المستقبل والغائب (نعرف لاحقاً، في التترات الختامية، المصير المؤسف الذي سيلاقيه بعض مَن عملوا وظهروا في الفيلم). كنتيجة لـ 450 ساعة من التصوير بين عامي 2011 و 2015 من قبل ثمانية مصورين (بمن فيهم المخرجان، والمصوّر سليمان النائب الذي قُتل أثناء التصوير)، يتعدّى المشروع التوثيقي هدفه الأولي كوسيلة إبلاغ وإعلام ضمن تنسيقية الثورة السورية تساهم في نشر الصور والمعلومات حول النزاع على شبكة الإنترنت؛ ليخرج "لسة عم تسجّل" كبورتريه لجيل سوري يحاول الحديث عن صراع دمّر دولة بأكملها، وفي الوقت ذاته سرداً ذاتياً بقدر جماعيته وحميميته وجيليته يقدّم ذاكرة وشهادة للتاريخ والمستقبل.


يصبح هاجس التصوير "سينما"، عندما يدرك سعيد البطل وغياث أيوب أنفسهما مخاطر حملهما للكاميرا وموقفهما من فعل التصوير. فإذا كانت الصور التي أُنتجت في البداية تبدو وكأنها تستجيب لمنطق إثباتي وتراكمي لمعلومات الحرب (المضادة)، فإنها، بعد ذلك، تأخذ نبرة قلقة واستكشافية. تتحوّل الكاميرا، من مجرد مولِّد وثائق، لتصبح أداة سينمائية، تُسائل الانتماءات الأيديولوجية والعسكرية وتجرّد الأجساد الموجودة أمام عدستها. هكذا، في مواجهة الهمجية، تصبح السينما آخر معقل لإقامة نوع من "التحالف الإنساني"، يوحّد القناص الذي يستجيب لنداء والدته بالبندقية الموجهة إلى العدو، والعدّاء الذي لا يتخلّى عن ممارسة رياضته تحت تهديد طائرات الميغ ويأمل أن يصبح شهيداً للرياضة، وجندي الجيش الحرّ الذي يبدأ مناقشة عبر اللاسلكي مع جندي موال للأسد، أو سيدة عابرة تستوقفها الكاميرا فتودعها سؤالاً معلّقاً وحائراً.

إلى جانب هذا، هناك الإضافة البصرية، وما يطالها من انعكاسات، التي تعلي كثيراً من قيمة الفيلم وفعاليته: في أحد المشاهد، يجد أحد طلاب التصوير صعوبة في تعيين التكبير اليدوي للكاميرا ويتم شرح كيفية القيام بذلك، ثم عندما يموت صديق له، يختار عن قصد عدم أخذ اللقطة المكبّرة لوجهه (وبالتالي رفض التناسق الكلاسيكي). أو عندما يكون الجميع نائمين، ويقوم مشغّل الكاميرا بتحريكها آلياً لأكثر من 360 درجة، ليُظهر كيف تكمل أجسام البعض بعضها الآخر، دون قطع، في إلغاء (وتجاوز) لفكرة المنظور الغربي حول الدورة الكاملة للكاميرا. ثم، بالعودة إلى مسألة اقتطاع أجزاء من الجسم خارج الصورة وتناسق المنظور، التي يأتي ذكرها مبكراً في الفيلم، يأتي انعكاسها المأسوي في الحالة السورية، حينما نتابع طفلاً يحكي ما وجده- عقب غارة خلّفت دماراً وموتاً- من جسم أحد الضحايا، دون أن يتمكن من فهم الجزء الذي كان عليه، قبل أن يأتي شخص ما رأى فيها كتلة لحمية عديمة الشكل ألقاها أخيراً في سلة المهملات.

أيضاً، واحدة من الميزات المهمة للفيلم، نزعه الدراماتيكية عن الحرب، بحيث تصبح مرئية غير قابلة للتمثيل. الأمثلة الأبرز على ذلك، يمكن إيجادها في المكالمة الهاتفية التي يجريها قنّاص مع والدته بينما تستهدف عدسته/عدسة الكاميرا عدواً في المدى، ويلقيان النكات حول بشار الأسد. أو ربما يمكن العثور عليها في تسلسل آخر (ممنتج هذه المرة) تتجاور فيه المتناقضات، بين مدينة صاخبة ذات حياة ليلية فائرة وبين مدينة أخرى محاصرة تنام وتصحو على أصوات القصف. رغم أن الفيلم يتخلّى عن هذا النهج قليلاً في أحد المشاهد المطوّلة التي نتابع فيها حواراً هادئاً بين جندي في الجيش الحرّ وجندي أسدي، يظهر كمحاولة غير مجدية للفظ الحرب، تنتهي إلى منحها بُعداً برامجياً إذاعياً / تلفزيونياً.  لكن الحرب قريبة، دائماً، على بعد خمسة وعشرين متراً أو خمسين، كما يقول أحدهم. يكفي أن تلتفت للحظة، لتعثر عليها في التفاتتك التالية، كقوة مدمرة لا تكلّ. لا يوجد شيء يمكنك فعله، لأن الحرب تقتل فجأة، دون فرصة للهرب، كما يتضح في النهاية المروعة، التي تحيل فوراً إلى نهاية فيلم "حالة الأشياء" (1983، فيم فيندرز).

"لسّة عم تسجل" فيلم زاخر وكبير سيحفظ مكانته اللائقة كوثيقة مهمة على قوة السينما وبلاغتها المتجددة في التفكير والتساؤل والاستكشاف.


(*) عرض أخيرا في بيروت

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها