آخر تحديث:12:46(بيروت)
الخميس 20/06/2019
share

أسعد عرابي لـ"المدن": اكتشفتُ باكراً مؤامرة تدمير دمشق

راشد عيسى | الخميس 20/06/2019
شارك المقال :
  • أسعد عرابي لـ"المدن": اكتشفتُ باكراً مؤامرة تدمير دمشق
    أسعد عرابي
  • أسعد عرابي
    أسعد عرابي
  • أسعد عرابي
    أسعد عرابي
  • أسعد عرابي
    أسعد عرابي
  • أسعد عرابي
    أسعد عرابي
تحتضن "غاليري صفير"(*) في حيّ سان جيرمان في باريس، عشرين لوحة من أعمال الفنان التشكيلي السوري اللبناني أسعد عرابي (1941). 
لوحة عرابي، على ما يقول بيان المعرض، "غير معنيّة بإنذارات الساعة وقيامة المدن أو الإحباطات الشمولية"، لكنها "لا تستقيل من شهادة تعقّب وتحسس الزحف العدمي الوجودي والاستسلام العبثي لسيولته البركانية التي تنهش الجسد كلما تقدم به العمر".

يعتبر الفنان أن لوحاته الراهنة ما هي إلا استمرار لمعرضه السابق المعنون "الساكن مع المسكون"، وهو إذ يتطرّق إلى "الهجرة عن درع المدينة إلى اللامكان"، متحدثاً عن "القيامة الحضرية التي اتّسمت بالغربة والاغتراب والغروب"، مصوراً "الغوريلا التي تترصد الأطفال، والغربان التي تفقأ العيون في كل مكان بنزقها الشيطاني"، على ما يقول ناقد فرنسي، سيغيّب عن مفردات بيانه، حين يتحدث عن اقتلاع الساكن من المسكون، أي إشارة إلى "لاجئين"، الأمر الذي كان فاتحة حوار، هذا نصّه:

- نجد في بيان المعرض كلمات من قبيل "الهجرة عن درع المدينة"، "الغربة"، "الاغتراب"، "الغروب"، لكن لا إشارة الى موضوع "اللاجئين"!

* في كتابي "خمسون سنة من ذاكرة اللوحة" أحكي عن الترحال كقدَر شخصي، هذا ما كانت لوحتي تعكسه. كنت، وكما يقول ابن بطوطة، "أسعى جهدي ما استطعت ألا أسلك طريقاً كنت قد طرقته سابقاً". تحولات اللوحة عندي سابقة على مشهد النزوح والقيامة الشامية، وتاريخي الشخصي يكشف أنني اقتُلعت مرات عديدة من ذاكرة السكن.

والدي كان سائقاً لأتوبيس رحلات إلى الشرق البعيد. هو رحالة دائم، ولقد ورثت عنه قدَر الترحال، والتحمّل الدائم لهجرة المكان الطفولي أو الأصيل. ما بين صيدا ودمشق وباريس على الأقل. أنا مثلّت فرنسا أكثر من مرة كمصوّر، ومستحيل ألا أحس بأنني فرنسي. ثقافتي فرنسية، ومكان عائلتي فرنسي. لا سبب لدينا لكي نكون مغتربين. الاغتراب ليس موضوعي، موضوعي هو التوليف بين ثقافتين، العربية والفرنسية، أكثر من أن يكون موضوعي هو الدراما اللبنانية أو السورية. لأن اللوحة تعتمد على المعاش، وما أعيشه هو هذا التلوّن في الأمكنة.

معرضي السابق "الساكن والمسكون" كان يلامس جرح القيامة السورية أكثر. كان يحكي عن المحنة السورية، عن الإنسان الذي يقتلع من مدينة ويهاجر إلى اللامكان. وما زال المشهد موجوداً في المعرض الراهن.

تجربة القيامة الشامية وصلتني، لكنها وصلتني مع أشياء أخرى، لأنني أنا مجموع هذه الأشياء. هاجس الإبداع والثقافة هو هاجس يومي، مثل المأساة اليومية.

بيكاسو لم يحضر مذبحة غرنيكا، لكن التزامه الإبداعي حدّد موقفه سلفاً بمعاداة القتَلة، وبالتالي جاءت لوحة الغرنيكا (مثل كل لوحاتي) معادية للقتل والتهجير القسري وقتل وخطف النساء والأطفال.

لقد مسَّتني الحرب اللبنانية، من قبل، فكنت معادياً للقتل وتدمير المدن الممنهج منذ السيتنيات. لطالما تحدثت عن أني شاهد على تدمير دمشق عبر مشروع ايكوشار المشبوه، وكان مشروع تخرجي عن جريمة تدمير دمشق. اكتشفت مبكراً مؤامرة تدمير دمشق. معاداة تدمير المدن العربية يكاد يكون الأيديولوجية الثابتة لدي، ولا أقبل أي تسوية أو "تطنيش" حتى لو كنت غائباً عن المدينة.

- مع ذلك، يلاحَظ أنه ليست هناك تسمية للأشياء بأسمائها؟

* استغراقي الثقافي لا يخفّف من بركان انتمائي والتزامي. اللوحة عندي هي لوحة اعتراض أكثر منها لوحة قبول.

أنا أسمّي بالحجم الذي أراه، لأنني غير ملتزم سياسياً. (سيرجي) رحمانينوف (1873 -1943) لم يصدر مرة بياناً سياسياً ضد البلشفية، كل ما فعله، كي لا يشوّه إنتاجه، أنه ترك موسكو وسافر إلى أوروبا. يجب على الفنان أن يحافظ على شموليته، لكن عدم الانتماء السياسي، لا يعني عدم الالتزام. لا بدّ من غياب العصبية السياسية. الفنان هو دائماً الأكثر تجنباً للعصبية، العرقية أو الدينية، خصوصاً أن مآسينا نحن لا علاقة لها بهذه العصبيات. بل لها علاقة بتعديل الخرائط، باستعمار جديد اسمه الصهيونية.

تقول لي لماذا لا أسمّي الأشياء بأسمائها؟ أنا مثلاً ضد التطبيع بكل أشكاله الفردية والرسمية، لأنني متعصب للسلام الذي لا تريده إسرائيل رغم ادعاءاتها. لكنني لست بعثياً، ولا ماركسياً، ولا أنتمي لأي فصيل سياسي جاهز آخر. أنا أنتمي بالأحرى لعصر النهضة العربية الذي تلألأت فيه أم كلثوم وانتهى بهزيمة عبدالناصر.

إذن أنا أصوّر أم كلثوم والسنباطي كرمز نهضوي، باحثاً عن العلاقة المشبوبة بين بحار الشعر، أو بالأحرى القصيد الصوفي والمقامات السبعة، ومقابلاتها اللونية.

- لكن من السهل وغير المكلف أن تسمّي الصهيونية باسمها، وأن تتحدث عن رفض التطبيع...

* أنا أريد أن أسألك، هل المقابلة فنية أم سياسية؟

- فنية بالطبع.

* أنا كنت أتحدث عن بيكاسو قبل قليل، فهو نموذج لكيف يكون المرء ضد الفاشية. أنا صوتي هو اللوحة. لا أريد الادّعاء بالنضالية. أنا حرفيّ، وإذا وضعتني في أي مكان في مجال الثقافة سأقوم بدوري. 

لا تستطيع أن تطلب من أسعد عرابي ما لا تستطيع أن تطلبه من بيكاسو. أنا لست سياسياً. أنا متخصص في تفاصيل تاريخ الفن العربي، لا سيما منمنماته التراثية. لكن دعني أقول إن هناك سهولة أكبر، أسميها كاريكاتيرية، في اتخاذ مواقف سياسية. لأني جاهل في السياسة وليس في الفن.

أنا سعيت مثلاً، لأن يكون هناك معرض بين الداخل والخارج. وفشل المشروع.

اللوحة بالنسبة إليّ مشروع فكري، لا تقني ولا تسويقي. كيف أجد طريقة شفائية، بالبُعد الروحاني، دون أن أبشّر بدِين. هذه الرسالة مهمة جداً بالنسبة إلي. أحياناً، عنف الأحداث التي نعيشها يشوّش على البعد الصوفي الذي يحتاج عزلة وضجيجاً أقل. تجد اللون عندي له صوت، أزيز، وفي الوقت نفسه له بُعد صوفي مطرب ومؤنسن. شفائي هو في التعرّف لساعات طويلة على الموسيقى الصوفية وفن المنمنمات، والعلاقة بين اللون والمقام. موضوع لوحاتي الأساسي هو اللقاء بين الموسيقى الصوفية وفن المنمنمات.

لوحتي غير مفهومة أحياناً بسبب طموحها الكبير. إنها تنأى عن الإغراء البصري، والمحسنات البديعية، رغم ثبوتية موهبتي في الرسم. أنا ضد موهبتي في الرسم. هذا الإلغاء، المحو، هو عملية اعتراضية على موهبتي، على كل ما أعرفه وما هو محفوظ لديّ. لأني لا أبحث عن تصفيق أو نجومية. هذا هو انشغالي ولا يعني أنني أتهرّب من التزامي.

(*) المعرض مستمر حتى 22 حزيران/يونيو 2019.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها