آخر تحديث:11:40(بيروت)
الأحد 02/06/2019
share

رحيل ميشيل سير... فيلسوف الجيل الجديد

المدن - ثقافة | الأحد 02/06/2019
شارك المقال :
رحيل ميشيل سير... فيلسوف الجيل الجديد ميشيل سير
توفي الفيلسوف ميشال سير في فرنسا، السبت، عن عمر يناهز 88 عامًا، بحسب ما أفادت دار "لو بومييه" للنشر. وقالت ناشرة كتبه صوفي بانكار: "توفي بهدوء محاطًا بعائلة" مساء السبت. وكان سير كاتبًا ومؤرخًا للعلوم شغوفًا خصوصًا بالبيئة والتربية. وإهتم بكل أشكال المعرفة من علمية وأدبية، متوقعًا التغيرات الكبيرة المرتبطة بتكنولوجيا الاتصالات الجديدة. 


وسير، ذلك الذي يرى نفسه "كمفتاح عمومي" بحسب المطلعين على فلسفته، لم يقترب يوماً ما من التاريخ السياسي. هو الضبط معاصر لميشيل فوكو، جاك دريدا وبيير بورديو، يهتم على وجه العموم بالبيولوجيا الجزيئية لجاك مونو مثلما ينشغل بالمادية التاريخية، وما بعد الحداثة أو البنيوية. قدم مساهمته في "فلسفة التاريخ" التي تقترب من النظرة الهيغلية للتاريخ أكثر من "نهاية السرديات الكبرى" التي شخصها رفاقه الما بعد حداثيين، وبحسب الكاتب احمد عثمان، رسم تعددية المناظر وأبعدنا عن السلّم الزمني.

وتاريخ ميشيل سير مبني على ثلاثة عصور تجيب على ثلاثة أسئلة تقليدية تتناولها الفلسفة: من أين قدمنا؟ من نحن؟ إلى أين نمضي؟ يرى سير أن العصر الأول يسيطر عليه داروين، من خلال "نظرية التطور" التي ينظر إليها كقانون للتاريخ الساعي إلى بناء "العوامل النوعية الخاصة بنا". العصر الثاني، وهو "عصر التاريخ المحلي"، المختزل إلى النوع البشري وقوته في "التدمير الذاتي"، وحيث أبطاله (من جنكيز خان إلى هتلر) هم من قتلة الجماهير الغفيرة. هذا العصر يسيطر عليه نابليون بونابرت كشخصية سياسية لغزوية كما هي شخصية تمثل قوة منح الموت. أخيراً، يبدأ العصر الثالث بعد قنبلة هيروشيما. ونحن في هذا العصر الجديد. وفي هذا الزمن أصبحت التقنية وسيلة للتحكم في الطبيعة، وخطورة هذا التحكم حسب سير أنه مقتصر على فئة أو منطقة دون أخرى أو أنه محلى، بل سيكون ذا بعد كوني وعالمي وشامل. فلا خيار أمامنا إلا إعادة النظر في علاقتنا بالأشياء التي أصبحت تسودها علاقة التملك والتحكم عن طريق إيجاد السبل الكفيلة للخروج من هذا الإشكال العويص.


قدّم سير العديد من الأعمال الفلسفية وفي مجال تاريخ العلوم. وأمام التغيرات الكبيرة التي شهدها العالم خلال عقود قليلة من الزمن يرى ميشيل سير أن نموذجا جديدا للذهنية الإنسانية، بصدد الظهور، ويطلق عليه تسمية "الجيل الجديد"، أو "الأصبع ـ الإبهام ـ الصغير"، كما جاء في عنوان أحد كتبه. والعالم يعيش اليوم خطوة حاسمة جديدة تتمثّل في الانتقال إلى التكنولوجيات الجديدة، التي تعلن ولادة جيل جديد يعبّر عنه بامتياز: "جيل الإنترنت والهاتف المحمول ـ الموبايل". إن "العالم الجديد" الذي ترتسم ملامحه اليوم هو، وكما يراه ميشيل سير، مغاير كثيرا لذلك الذي عرفه الأجداد أو الاسلاف، من حيث إنه يشكل قطيعة ثالثة بعد تلك التي رافقت الكتابة، والأخرى المرتبطة باختراع المطبعة من قبل غوتنبرغ. وتتزامن القطيعة الجديدة مع عدد من العناصر المستجدّة، وهي: ازدياد عدد السكان، التطوّر العمراني الهائل، التقهقر الكبير للزراعة في النشاطات البشرية، زيادة المعدّل الوسطي لعمر الإنسان، وتقدّم الطب.

ويوضح سير أن الجيل الجديد يترعرع وسط عالم مضطرب ويعرف تبدّلات عميقة، كتلك التي كانت قد رافقت نهاية العصور القديمة أو نهاية الإمبراطورية الرومانية أو نهاية عصر النهضة، لافتا إلى أن فترات التحوّل هي في الوقت نفسه، فترات أزمة مثل تلك التي تعيشها المجتمعات الغربية اليوم. ويحدد سير بدايات "القطيعة" الحالية في سنوات 1965 ـ 1975، وذلك مع العزوف في الغرب عن الزراعة والابتعاد عن الطبيعة. ويشير إلى أنه في عام 1900 كان 70 بالمئة من الفرنسيين يعملون في الأرض، ولم يعد يعمل فيها اليوم سوى 1 بالمئة. وغدت الأرياف مكانا للعطلة وليس مجالا للعمل. والجيل الجديد يعيش عامّة في المدن ولا تشكل الأرياف بالنسبة إليه سوى منتجعات سياحية، وبالتالي لا يحمل هموم حماية البيئة وسخونة المناخ كمصادر تهديد مباشرة لحياته.

ولا يتردد سير في القول ان الشباب لم يعودوا يتحدثون لغة الجيل السابق؛ وإن لغة الجيل الجديد، أكثر ثراءً. ويلاحظ أن الأكاديمية الفرنسية كانت تصدر كل 40 سنة قاموسا. وكان الفارق بين كل طبعة وأخرى في القرن الماضي، العشرين، هو ما بين 4000 إلى 5000 كلمة مضافة. أمّا الفارق اليوم بين آخر طبعة والطبعة التي ستصدر بعدها، فهو حوالي 30000 كلمة. ما يعني أن الأجيال القادمة ستبتعد كثيرا (لغويا)، عن الجيل الحالي، بمقدار ابتعاد هذا الأخير عن اللغة الفرنسية القديمة التي تعود إلى قرون سابقة عديدة.

وسير من مواليد 1 ايلول/ سبتمبر 1930، يحمل شهادة التأهيل العليا (اغريغاسيون) في الفلسفة، وكذا شهادة الدكتوراه في الأدب. خدم، لفترة محددة، في البحرية الفرنسية. ثمّ تحوّل نهائيا إلى الكتابة وكذا تدريس تاريخ العلوم في جامعة السوربون وفي ستانفورد. وهو عضو في الأكاديمية الفرنسية. تتوزع كتاباته حول: الفلسفة، تاريخ العلوم، الاتصالات، التقنية، الرياضيات، الفيزياء، الأدب، الموسيقى. حاز وسام الشرف الفرنسي 1985، وتحصل على العديد من الجوائز والأوسمة في فرنسا وخارجها نظير إسهاماته المعرفية والفكرية. من بين أعماله: "نظام ليبنتر ونماذجه الرياضية" (1968) "أوغست كونت: دروس في الفلسفة الإيجابية" (1975)، "هرمس" (1977)، "العقد الطبيعي" (1991)، "المناظر الطبيعية للعلوم" (2000)، "اختلافات في الجسد" (2002)، "العلوم والرجل المعاصر" (2003)، "روايات صغيرة لمساء يوم الأحد" (2006)، "قصص عن الإنسانية" (2006)، "الإصبع الصغيرة" (2012).

ميشال سير – على رغم حضور الاوروبي- ليس معروفاً لدى القارئ العربي بالشكل الكافي.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها