آخر تحديث:13:53(بيروت)
الأربعاء 19/06/2019
share

أوليفييه غوجون: في حماقة أن تكون صحافياً

روجيه عوطة | الأربعاء 19/06/2019
شارك المقال :
أوليفييه غوجون: في حماقة أن تكون صحافياً الصحافيون هم بروليتاريا العصر
يقول اوليفييه غوجون إن المرء، ولكي يكون صحافياً في الراهن من أيامنا، عليه أن يكون أحمق، قبل يضيف أنه هو بالذات كذلك. تقريباً، قوله هذا هو لازمة كتابه الذي عنونه، وبطريقة ساخرة: "الصحافيون، هؤلاء الحمقى" (دار ماكس ميلو)، والذي يقدم فيه بانوراما واسعة لوضع الصحافة، أو بالأحرى لثقافة هذه المهنة على العموم في فرنسا، خالصاً إلى أنها تشهد تحولاً كبيراً، يسمّيه أزمة، وأول من يتأثر به هم شغيلتها بالطبع.

يصح وصف حالة هؤلاء بأنها، وفي الجانب المظلم منها، مزرية. وقد يكون المثال الذي يلخصها هو حالة "صوفي"، التي تعمل في إحدى كبريات الصحف، والتي تبلغ من العمر أكثر من ستين عاماً، لكنها تتقاضى 600 يورو شهرياً. ورغم هذا، لا تتحدث عن ذلك، على اعتقاد بأنه "غلطتها" وحدها، أي أنه كناية خطأ في الخيار.

لكن حالة صوفي ليست مجرد أمر عابر، بل إنها فعلياً تشير إلى الظروف التي يعيشها زملاؤها، لا سيما بعد رواج نسق معين لعملهم، وهو نسق المقاول الذاتي، الذي يعمل بلا ضمانة لغَده، لا بطاقة صحافة، ولا عقد عمل، ولا إفادة، إنما يمارس مهنته كمخاطرة دائمة قبل أن يحصل على ثمنها البخس للغاية. بالتالي، لا مبالغة في الإشارة الى أن الصحافيين هم بروليتاريا العصر، الذين يقاسون الأمرّين، ومع ذلك، يستمرون في عملهم لأنهم يزاولونه بشغف. لكن، للشغف حدود أيضاً!

على أن حالة بروليتاريا الإعلام هؤلاء، لا تتوقف على الظروف الاقتصادية لعملهم، بل أن هذه الظروف تتواصل في ظروف اجتماعية إذا صح التعبير، وفي مقدمتها عدم ثقة المواطنين فيهم، بحيث أن أكثر من 50% منهم في فرنسا لا يؤمنون بدور الصحافة، أي بأساس من أسس الديموقراطية. ومرد ذلك، بحسب غوجون، أن الصحافة، وفي أحداث كثيرة، بدت منحازة ضدهم، لا سيما أن الغالب منها صار تابعاً لعدد قليل جداً من الأثرياء. ولأن شغيلتها يكابدون، فبالتأكيد سيجعلهم هذا في وقت من الأوقات غير مهتمين بالمعلومات والتحليلات التي يعمدون إلى نشرها. فهُم، وقبل المتلقين، سيساورهم الشك حيال ما يفعلونه.

وما يفعله الصحافيون غدا في الواقع محكوماً بقواعد، يمضي غوجون إلى تعدادها بعد ملاحظته لها في سياق مهنته، وربما، القاعدة الأولية هي دفعهم إلى "إنتاج محتوى"، تكون سمته المحورية، وأياً كان موضوعه، مسلياً، لأنه عليه أولاً وأخيراً ان يكون حمّال الإعلانات. من هنا، يتكهن غوجون بأن الصحافة الآتية، أو الراهنة، هي صحافة بلا صحافيين، إذ سيتحولون من وضع المقالات إلى تأليف "خبريات"، الأبرز بينها هو الذي يجذب انتباه الجمهور بأي طريقة. وهذا ما يجعل "المحتوى" إياه لا يفتش عن معلومة كاملة، ولا عن تحليلها، ولا عن قولها، إنما عن عرضها الذي يستلزم أن تتنافس مع غيرها على أن تكون "لايت" أكثر فأكثر.

لا شك أن غوجون وضع كتاباً مفيداً عن الصحافة في فرنسا، لا سيما في شقه التوثيقي لتحولها منذ مطلع الألفية الثالثة، ولا سيما أيضاً في جهة رصده لبرتلة شغّيلتها، اي رصده تحويلهم إلى بروليتاريا. على أن هذا الكتاب، الذي ينتهي الى أن الصحافة ماتت، وهو موت لصحافة ما، كان من المتاح ان يستدل أيضاً على علامات مستقبلها، الذي يمكن أن يكون خلاقاً، وهذا، ليس على طريقة عبَدة "المحتوى"، ولا على طريقة عبَدة "الوسيط"، بل بالاستناد إلى موقع جديد للصحافة، لا يتعرض فيه الشغوفون بها لتلك البرتَلة فيصبحون "حمقى"، فتتقهقر عندها إلى أدنى مستوى من مستوياتهم، لتصير مجرد جهاز للّغو.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها