آخر تحديث:17:43(بيروت)
الثلاثاء 18/06/2019
share

أبعد من محمد مرسي

محمد حجيري | الثلاثاء 18/06/2019
شارك المقال :
أبعد من محمد مرسي محمد مرسي
مع رحيل الرئيس المصري (السابق) والإخواني محمد مرسي خلال جلسة محاكمته لسبب تافه، وهو "التخابر مع حماس (المنظمة الاخوانية في الأراضي الفلسطينية)"!، يأخذنا الخبر التلفزيوني الى ذاكرة "يساريتنا" السالفة والحديث عن السجون و"ظلامها" بتعبير نجيب الريس... لقد نمت هذه الذاكرة الطرية والساذجة على وقع نظرية "النضال" في السجن، وانطلاق الثورة من وراء القضبان، والأصابع التي تلوي الحديد بحثاً عن الحرية، وطيف نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، و"أشعار" سهى بشارة في معتقل الخيام، ومدونات "دفاتر السجن" لأنطونيو غرامشي، الذي كتب آلاف الصفحات من سجنه متحدّثاً فيها وبنكهة كتب اليوميّات المعتادة. نمت هذه الذاكرة على أنّ مقاومة الظلام والأفكار الظلامية والاستبداد، تتحقق حتى من داخل سجن المستبدِّ عينه. فالسجن بوصفه معادلةً لنهاية المناضل، ستنكسر داخل صفحات هذا الكتاب، الفعل المقاوِم من داخل حجرةٍ مظلمة سينبلج ليكون فجراً مُعاشاً لقرونٍ طويلةٍ مقبلة من الحياة البشريّة والفكريّة على حدٍّ سواء...

نحن معشر وفتيان الفرق الكشفية، وعشاق ثقافة "حمامة السلام" و"غصن الزيتون" وعبارات "الوطن الحر" و"الشعب السعيد"، لم نكن نهتم كثيراً لأفكار ميشيل فوكو الذي يقول عن السجن أنه لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون.. وإنما ينبغي الانتباه أيضاً الى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية (...) صادرة عن أناس عاشوا داخل تلك المؤسسات وقاموا بتسييرها. أدخل فوكو بُعداً جديداً على مسألة العقاب، عبر تحليل مكانة السجون في المنظومات الاجتماعية الإنسانية. ولسبب تافه وإيديولوجي، كنا نغض النظر عن السجون الشيوعية الكبرى، كمعتقلات الغولاك الستالينية، ونُمعن في البحث عن الأدبيات الناتجة عن السجون الإسرائيلية والعالم ثالثية وأشعارها، كأننا نعيش في وهم أن هذه الأدبيات والأشعار والأغاني، ربما تزيد من "رصانتنا" اليسارية و"إيماننا" السياسي الفارغ وخلاصنا الصوفي.

 لقد نمت ذاكرتنا على خبر مرير، يفيد بأن الشيوعي اللبناني، فرج الله الحلو، اعتقل في "دمشق العروبة" وذُوّب في الأسيد (مياه النار). كلمة أسيد كانت كافية لإثارة البلبلة والرعب، لكن التعاطي مع مقتل فرج الله الحلو، كان كلاماً في الفضاء، في القصائد، وفي كليشيهات النضالات السرية. وكان موت الشيوعي المصري، شهدي عطية الشافعي، تحت التعذيب أيضاً، في الإطار نفسه، وقيل إن الشافعي رفض أن يقول إنه امرأة، وتمسك بكونه إنسانًا ورجلًا وشيوعيًا، ولم يصدر صرخات أو تأوهات أثناء الضرب، فتلقى قدرًا كبيرًا من التعذيب، حتى سقط قتيلًا. وقيل إن عبد الناصر لم يكن على "دراية" بالتعذيب، وقُتل الشافعي العام 1960 اثناء زيارته ليوغوسلافيا الشيوعية، ومن بعدها أوقف التعذيب... أيضاً التعاطي مع مقتل الشافعي كان نوعاً من الشعر الباهت... وبرغم تذويب الحلو، وموت الشافعي تحت التعذيب، تعاطى بعض اليسار العربي (الشيوعي) بشكل فصامي مع الأنظمة العربية الرسمية. أحياناً تناوُل هذه القضايا يأتي تبعاً لأهواء وأوامر موسكو ومركز القرار، ومرات كثيرة كان اليسار يُهمل معتقليه لأنه يريد محاربة الامبريالية العالمية والصهيونية وعملاء الداخل... مثلاً، لم ننتبه كثيراً إلى أن السياسي رياض الترك في السجن البعثي (17 عاماً) إلا عندما أُفرج عنه، وانتبهنا إليه لأننا كنا في مكان آخر، حين بدأنا مرحلة البحث عن الخلاص من الهيمنة السورية على لبنان.

عشنا في مرحلة الثمانينات طويلاً على وقع أغاني السجون (سميح شقير، والشيخ إمام، وأسماء أخرى)، وأدبه من كتابات صنع الله ابراهيم، ونوال السعداوي، وعبد الرحمن منيف، إلى أشعار نجيب سرور، وسِير الأسرى في معتقل الخيام (جنوبي لبنان)، وأسطورة مصرع او انتحار الجندي سليمان خاطر في السجن المصري... كنا نقرأ كتابات وكتابات، لكننا لم نمتلك نظرة حقوقية للسجناء. نبالغ في الحديث النضالي عن كل شيء، نبالغ في الحديث عن أسطورة سليمان خاطر لأن الأحزاب الموالية لنظام الأسد، كانت ضد اتفاق كامب - ديفيد بين مصر وإسرائيل، لم نكن نعلم الكثير عن السجن السوري مثلاً، أو نعلم و"نطنّش"، ولا نجرؤ على التطرق إليه في العلن. حتى إن بعض جهابذة اليسار راحوا بعيداً في "التطنيش"، فساعدوا في إلقاء القبض على معارضي "البعث" السوري في لبنان، خدمةً لنظام حافظ الأسد.

كان حديثنا عن السجون نفاقياً وإيديولوجياً وعاطفياً، وله وظيفة سياسية بامتياز. بقدر ما تشبثنا بعبارات إيديولوجية ثورية بائسة، حاولنا مسرحة "نضال" المعتقل في سجنه أو معتقله، والبحث عن ميديا لترويج هذا النضال. على أن المعتقل السابق بيننا (وغالباً ما يكون قد اعتقل في جنوب لبنان أو اسرائيل)، يمارس نزوعاً استعراضياً. فما إن نعرف انه اعتُقل لأشهر أو أسابيع، سريعاً ما نضفي عليه صفة "القداسة" و"التقديس"، ولا أحد يمكنه الوقوف في وجهه. لكن لاحقاً، ولسبب إيديولوجي، اذ ما اختلفت الأحزاب اليسارية مع الأسير المحرر، سرعان ما تخوّنه وتشتمه وتنسى نضاله وسنوات اعتقاله. وبعد "الربيع العربي"، صار السجن وأدبه، في جانب منه، موضة شخصية، أو هو الرصيد لبعض الشخصيات التي تستعملها لغايات في غير محلها، خصوصاً في الجانب الإبداعي والشِّعري. فحتى لو كتب السجين (السابق) شِعراً تافهاً ونثراً ركيكاً، يؤخذ كل ما يفعله على محمل الجد والرصانة، وينال جائزة معتبرة...

ومع وفاة محمد مرسي، لا يبدو أن النظرة الايديولوجية السابقة الى السجن والسجناء تغيرت كثيراً، وبقيت الأحزاب اليسارية والإيديولوجية على الوقع نفسه، وربما أسوأ (يطنش حنا غريب ورهطه عن السجن السوري ويمعن في البيانات عن السودان). ولا يبدو أن الأنظمة العربية تغيرت كثيراً أيضاً، وإن سقط معظمها مع موجة الربيع العربي. فالطيف الستاليني (بشكله الركيك) ما زال كما كان. البيانات التي تدافع عن المساجين خاضعة للإيديولوجيا وليس للحقوق، تابعة للولاء السياسي وليس للمبدأ العام. قضية مرسي ينبغي التطرق إليها بقوة، وإن كنا نختلف مع سياسة "الإخوان" وتوجهاتهم.

كان مرسي بائساً في وصوله "الديموقراطي" إلى السلطة. لكن بؤس عبدالفتاح السيسي يتجاوزه بكثير، وهذا جزء من بؤس المشهد عام في العالم العربي. باختصار، قضية مرسي هي إشارة لنظام يمعن في البؤس والهيمنة. فالنظام المصري الجديد، أبرز إنجازاته بناء السجون بدلاً من المدارس (بحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية مصرية، فقد صدرت خلال الفترة من يوليو/تموز 2013، وحتى يوليو/تموز 2017، قرارات بإنشاء 21 سجناً جديداً، ليصل عدد السجون في البلاد إلى 66 سجناً).

ومحمد مرسي ليس الإخواني الأول الذي يموت في سجن السيسي. فقبل أسابيع، توفي المهندس محمد العصار (القيادي الإخواني) جراء الإهمال الطبي، إثر تعرضه لأزمة قلبية داخل محبسه، وتأخُّر إدارة السجن في نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج، ليرتفع عدد ضحايا التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون المصرية إلى 828 قتيلاً، منذ انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013. وسبق العصار من قيادات جماعة الإخوان، كل من المرشد العام السابق مهدي عاكف في سبتمبر/أيلول 2017، وعبد العظيم الشرقاوي في أغسطس/آب 2017، وفريد إسماعيل ومحمد الفلاحجي، في مايو/أيار 2015، وطارق الغندور وأبو بكر القاضي في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، وصفوت خليل في سبتمبر/أيلول 2013. وينتهج قطاع مصلحة السجون في وزارة الداخلية، سياسة واضحة إزاء ملف "الإهمال الطبي" المتعمد داخل السجون. وسبق لمنظمة "هيومن رايتس مونيتور" أن اتهمت الأجهزة الأمنية المصرية بـ"الإمعان في قتل المعارضين والمعتقلين، من خلال احتجازهم في ظروف غير إنسانية، ومنع الدواء عن المرضى منهم"، مؤكدة أن "النظام المصري لا يريد اتخاذ موقف جاد لمحاولة تحسين أوضاع السجون، وأماكن الاحتجاز، غير اللائقة آدمياً، رغم اكتظاظها بالمعتقلين، وانتقال العدوى بسرعة في ما بينهم".

كانت رئاسة محمد مرسي، بروفا أولى لإجهاض الثورة المصرية التي أدت الى سقوط حسني مبارك. وكان انقلاب عبد الفتاح السيسي الاجهاض الفعلي للثورة. لم يكن سجن محمد مرسي وغيره من الإخوان، بعد الانقلاب، إلا وسيلة لهيمنة سلطة جديدة على الحكم في مصر، وذريعة لإجهاض طموحات الثورة، وهذا نمط من أنماط معظم الأنظمة العربية التي تجعل من العسكريتاريا واستعمال السجن، طريقة للحكم، وليس لإصلاح المجتمع.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"