آخر تحديث:14:43(بيروت)
الإثنين 17/06/2019
share

جريمة الجاموس وعصافير الأربعينات اللبنانية

محمد أبي سمرا | الإثنين 17/06/2019
شارك المقال :
جريمة الجاموس وعصافير الأربعينات اللبنانية دوار الكفاءات
يروي خليل خالد الفغالي، الحوادث والأخبار، على مثال قدامى الرواة الحكَّائين، أصحاب الذاكرة الحادة، الشغوفين برواية حوادث كانوا شهودًا عليها وكانت لهم أدوار فيها، أو تناهت إليهم أخبارها بالمشافهة والسماع.


فن الحكاية
فهو المولود في 27 حزيران 1934 في ضيعة المريجة بساحل المتن الجنوبي، يمتلك سليقة وأسلوبًا حكائيين يستغرقان بلذة في تصوير الوقائع والحوادث، أماكن حدوثها وزمنها، الأشخاص المشاركين فيها وأحوالهم وأدوارهم، تصويرًا حيًا في لغة مادية وأداء يقترب من المشاهد المسرحية. وإذ تبدو الحادثة في روايته كأنها تقع هنا والآن، فإنها لا تغادر قط زمنها ومسرحها القديمين، بل إن اللغة، لغة زمن حدوثها، تكسبها قوة تأريخية. هذا الرواي - الحكَّاء ليس أقل من مؤرخ شفوي لحوادث أغفلها التأريخ الكتابي أو المكتوب، فاندثرت كأنها لم تكن، فيعيد الراوي، بفنّه الحكائي، بعثها حيّة، مدفوعًا بشغفه بالرواية والخبر.


ويتمتع خليل خالد الفغالي بحافظة وذاكرة يقلّ نظيرهما. كأنه عاش ليحفظ ويتذكر ويروي، ليس ما عاشه وشهده فحسب، بل أيضًا تلك الحكايات القديمة السابقة على حياته، وتناهت اليه بالسماع على طريقة أخبار الأعيان والقصص الشعبي العامي المجهولة المصادر. وهي أخبار وحكايات وقصص يتشارك رواة كثيرون في تراويها وتلوينها، فيما هم يتناقلونها جيلًا بعد جيل.

ولا ريب في أن عيشه منفردًا وقوة ذاكرته وشغفه بفن الحكاية صرفته الى تخمير رواياته وأخباره عن قرى ساحل المتن الجنوبي، منذ تسميته "ساحل النصارى" (أيام متصرفية جبل لبنان) وحتى خلوّه تمامًا من سكانه النصارى في منتصف ثمانينات القرن العشرين.

جريمة عائلية
في طفولته، أربعينات القرن العشرين، بدأ الراوي (خليل الفغالي) تعلّمه في مدرسة الشياح. ما بين المريجة والشياح كانت الطريق لا تزال ترابية، فيسير عليها التلامذة فجرًا من بيوتهم للوصول إلى مدرستهم. كانوا يمرون قرب منزل آل الجاموس الذين طغى على المحلة اسم عائلتهم لاحقًا، ربما بسبب جريمة قتل عائلية وقعت العام 1946، فأودت بيوسف الجاموس الذي ظل وجهه وهيئته في مشهده واقفًا أمام بيته، منطبعين في ذاكرة الراوي الطفل في طريقه يوميًا  الى مدرسته.

ظل يوسف الجاموس عازبًا، ويساكن أخاه بطرس وزوجته منزلًا هو إرثهم العائلي المشترك. والراوي يتذكر الجاموس يرتدي زيًا عربيًا تقليديًا. مع عدد من شبان المحلة، منهم بطرس نصور وميشال كريم الأسمر، تواطأت زوجة أخيه على قتله للفوز مع زوجها وحدهما بالمنزل وأملاك العائلة الواسعة. في ليلة صيفية قتلوه خنقًا أثناء نومه على كنبة أمام البيت. بعد منتصف تلك الليلة الصيفية من العام 1946، تعاون بعضهم على إدخال منديل في فمه وأخذوا يدكّونه في بلعومه بالمربصون (عصا كانت تستعمل لتحريك الثياب أثناء غسلها وغليها في الدست)، فيما أمسك آخرون بخصيتيه وعملوا على نزعهما ففاضت روحه.

في الصباح قام كوميسير التحري المير فريد شهاب شخصيًا - قبل أن يصير مديرًا عاما للأمن العام - بالتحقيق في الجريمة، فوصل الى بيت الجاموس مع المستنطق وأحد مفتشي جهاز التحري، ابرهيم داغر، لمعاينة جثة القتيل واستجواب بعض الشهود من الجيران. أثناء التحقيقات انكشف مرتكبو الجريمة. فسائق سيارة تاكسي من طراز "فورد أبو دعسة"، وهو من ضيعة الحدث، كان في تلك الساعة المتأخرة من الليل، يوصل شخصا من حارة حريك الى بيته. ما أن أوقف السائق سيارته قرب بيت الراكب، حتى بانت له في مدى ضوء السيارة الكاشف، امرأة تقف متربّصة عند زاوية بيت قريب من بيت الجاموس. تعرّف السائق الى المرأة، فاذا هي زوجة بطرس نصور التي راحت تهرول هاربة مع عدد من الرجال في اتجاهات مختلفة.

ضجت المريجة وحارة حريك والغبيري بخبر الجريمة، فحُكم على بعض الفاعلين بالإعدام. لكن رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري، تدخل وخفّض الحكم الى السجن المؤبد. وبعد 11 سنة، أي في العام 1957، أصدر الرئيس كميل شمعون عفوًا خاصًا خرج بموجبه المحكومون جميعًا في القضية من السجن.

المعلّم الفلسطيني والسنترال
لم يستطع والد خليل خالد الفغالي (المفتش العام في وزارة التربية)، ولا المدارس استطاعت كبح ميل ابنه الفطري إلى اللهو والمشاكسة، وافتتانه بالقوة البدنية وبنادق الصيد والمسدسات، ونفوره من التعليم وأنظمته المدرسية. نقّله والده بين مدارس كثيرة، لكن جهوده ذهبت سدىً، فاقتنى الفتى بندقية صيد في الثانية عشرة من عمره، وأخذ يسرح في بساتين المريجة ويصيد العصافير. وفي الرابعة عشرة اشترى مسدسًا وحمله متباهيًا به بين فتيان الضيعة وشبانها. أخيرًا أبعده والده إلى مدرسة في الشويفات، تدرّس اللغة الإنكليزية بدل الفرنسية، ثم كلّف مدرسًا خاصًا لتعليمه اللغة الجديدة في البيت. كان مدرّسه هذا شابًا فلسطينيًا يدعى إيليا الفار، وهو من نازحي نكبة 1948 الفلسطينية الكثيرين إلى المريجة. هؤلاء، لاسيما المسيحيون، كانوا متعلمين في معظمهم، ويجيدون الإنكليزية، فأشاعوها في البيئة المحلية التي كانت الفرنسية لغة التعليم في مدارسها. لكن هؤلاء الفلسطينيين سرعان ما هاجروا، بعدما حرمتهم فلسطينيتهم من الحصول على أعمال مناسبة، فيما تمكن أصحاب المهن والحرف الفلسطينيون، كالنجارين والحدادين والخياطين والعمال الزراعيين، من العمل وتحصيل معيشتهم. أما اسكندر الفار، شقيق مدرّس الفغالي الفتى، فبدّل اسم عائلته إلى حبيب، ليتمكن من العمل في صيدلية في المنطقة.


علاقات والد الراوي بكبار الموظفين في الإدارة العامة، مكّنته من اسصتدار قرار تعيين ابنه المشاكس موظفًا ليليًا في سنترال الهاتف في برج البراجنة، قبل تجاوزه الخامسة عشرة. وكان مبنى السنترال مطلع العام 1949 مسقوفًا بالقرميد في جانب من ساحة المريجة.

صيد العصافير
بعد حادثة هجوم مسلحين من "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، على مبنى السنترال ومخفر الدرك في الغبيري سنة 1949، في محاولتهم الانقلابية الفاشلة والهزيلة على الحكم والنظام في لبنان، سرعان ما طُرد الراوي الفغالي من عمله في السنترال، فانصرف إلى عمل متقطع أقرب إلى الهواية ويقدم عليه البطالون من الفتيان: الإتجار ببنادق الصيد. فراح يتردد إلى دكان "قردحجي" أو "حرتقجي" في لغة تلك الأيام الدارجة، أي صاحب حرفة إصلاح أدوات معدنية. كان الرجل بارعًا في إصلاح قطع السلاح، وتجميع بنادق الصيد، وكانت دكانه في محلة الأشرفية قرب حاووز الدحديلة. أما الراوي فكان يشتري منه بندقية الصيد بسعر 30 ليرة لبنانية، ويبيعها من شبان المريجة وبرج البراجنة، فيربح ما بين 5 و7 ليرات في البندقية. فصيد العصافير والطيور كان في تلك الأيام هواية ومهنة ثانوية متقطعة لكثيرين من فتيان قرى ساحل المتن الجنوبي الزارعية، وشبانها، ولرجالها أحيانا، إلى جانب أعمالهم الحرفية والزراعية الأخرى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها