آخر تحديث:09:19(بيروت)
الأحد 16/06/2019
share

ما تبقى من نساطرة أبوظبي..

محمود الزيباوي | الأحد 16/06/2019
شارك المقال :
  • ما تبقى من نساطرة أبوظبي..
    صلبان مزخرفة في الموقع
  • نقوش من كنيسة الموقع
    نقوش من كنيسة الموقع
  • جزيرة صير بني ياس.
    جزيرة صير بني ياس.
  • الموقع الأثري المسيحي.
    الموقع الأثري المسيحي.
يوم الخميس الفائت، افتتحت الإمارات العربية في جزيرة صير بني ياسK أول موقع مسيحي أثري اكتُشف فيها، وذلك بعد انتهاء عمليات الحفاظ عليه وتجهيزه من قبل دائرة الثقافة والسياحة لاستقبال الوفود السياحية والزوار.  


تقع جزيرة صير بني ياس على بعد 250 كيلومتراً جنوب غربي أبوظبي، وهي أكبر الجزر الطبيعية في الإمارات العربية المتحدة، وتُعتبر واحدة من المواقع الثمانية التي تشكل جزر الصحراء في منطقة الظفرة، وتُعرف بواجهتها الطبيعية البرية واسطبلاتها الكبيرة وأنشطتها السياحية. تحمل هذه الجزيرة اسم القبيلة التي استوطنتها منذ قرون، وقد ذكرها باسمها في نهاية القرن السادس عشر، تاجر مجوهرات رحال من مدينة البندقية يُدعى كاسبارو بالبي، وقال انها موقع يصيد الغواصون فيه اللؤلؤ، كما ذكرها في القرن التاسع عشر ضباط البحرية البريطانية في سجلاتهم أثناء مسحهم لمياه الخليج. أكتُشف الموقع الأثري في هذا الجزيرة في العام 1992، واتّضح أنه دير قديم يضمّ كنيسة.

يتكوّن هذا الدير من مجموعة من الصوامع والمطابخ والمخازن والحظائر تتوزع حول فناء مركزي تتوسّطه كنيسة زيّنت جدرانها بالزخارف الجصية، ويلفّ هذه الأبنية سوار خارجي كبير. تجاور هذا الدير مجموعة من المباني الصغيرة تقع على بعد بضع مئات من الأمتار، إلى الشمال والشمال الغربي، إضافة إلى خزان للمياه موصول بقناة. عثر المنقّبون في هذا الموقع على مجموعة من الأواني الطقوسية، وعدد من الأواني الزجاجية والمصابيح الزيتية التي كانت تستخدم لإنارة الكنيسة وصوامع الرهبان وغيرها من الغرف. إضافة إلى هذه اللقى الأثرية، عُثر على عدد كبير من عظام الأسماك والمخلوقات البحرية، وتبيّن أن سكّان الدير اعتمدوا بشكل أساسي على البحر في غذائهم، إلى جانب تربية المواشي. لا تحمل أطلال الموقع أي كتابة تسمح بتأريخه بشكل دقيق، غير أن الأواني الفخارية والزجاجية التي عُثر عليها في انحائه تدلّ على استمرارية الحياة فيه في العصر الإسلامي حتى نهاية القرن الثامن، وتُسقط المقولة الشائعة التي تؤكّد بأن المسيحية اندثرت مبكراً في جزيرة العرب مع حلول الإسلام فيها.

أظهرت السلطة الحاكمة اهتماماً بالغاً بهذا الموقع الأثري منذ اكتشافه، وعمدت الى الحفاظ عليه وتجهيزه بعناية منذ الانتهاء من أعمال التنقيب الأولى، وقامت ببناء منصة للزوار فوق الكنيسة في عام 2010. بعد بضع سنوات، استكملت إدارة البيئة التاريخية في دائرة الثقافة والسياحة وضع مخطط شامل لإدارة الجزيرة بأكملها، وشمل هذا المخطط موقع الدير الأثري بشكل أساسي. وفي العام الفائت، شرعت في تصميم وتنفيذ وسائل جديدة لحماية الموقع وتأمين الحفاظ عليه من المخاطر البيئية الحالية. وشملت هذه الحلول إقامة طريق وصول جديدة ذات تربة مستقرة، وسياج لمنع دخول الحيوانات البرية وصد الرمال. تحوّل الموقع الأثري إلى موقع سياحي، وبات للزوار منصّة تتميّز بتصميم علمي متقن يعنى بتأمين الحماية الشاملة من آثار المطر والحرارة والرياح والرمال وتعشيش الطيور، وقوامها مسار مرتفع تتخلله منصّات تحمل شروحات تقدّم للزائر صورة متكاملة عن الموقع بأدقّ تفاصيله. وزُود هذا المسار بإضاءة صناعية لاستقبال الجولات المسائية.

في الواقع يعود دير صير بني ياس، كما تعود كل المواقع الأثرية المسيحية التي اكتشفت في الخليج العربي في العقود الأخيرة، إلى طائفة مسيحية غابت عن حفلة التدشين، وهي طائفة الكنيسة السريانية الشرقية التي تُعرف بالنسطورية، نسبة إلى بطريرك إنطاكية نسطور الذي "أدين" وعُزل عن كرسيه العام 431. استقلّ أتباع نسطور عمّا يُعرف بـ"الكنيسة الجامعة" عقائدياً وإدارياً، وشكّلوا خارج العالم البيزنطي كنيسة حية نمت في ظلّ الساسانيين، وتحوّلت في زمن العباسيين إلى ما يُشبه "كنيسة الدولة". أقرّت السلطة العباسية بتقدّم هذه الكنيسة على الكنائس الأخرى، واعترفت بجاثليقهم، أي بطريركهم، زعيما لسائر النصارى على اختلاف مللهم، وأكّدت تفرّده بالتقدّم على سائر أسياد هذه الطوائف. انصهرت الكنيسة النسطورية في دار الخلافة بشكل كبير، وانتقل بطاركتها إلى بغداد، عاصمة الخلافة، ثم انتقلوا إلى سمراء حين تحوّلت إلى هذه المدينة الجديدة إلى عاصمة للخلافة. وتبدّلت أحوال هذه الجماعة في العقود التالية وتقلّبت بحسب الأوضاع السياسية وتحوّلاتها الصاخبة.

لعب المسيحيون النساطرة دوراً كبيراً في الحقول العلمية والفكرية المختلفة في زمن العباسيين، وعرّفوا بسلالات الأطباء التي اعتمدها الخلفاء، كما عرُفوا بنتاج المفكرين الذين عملوا في ميدان التأليف والنقل والتعريب. كما تجاوزوا هذه الحقول، ودخلوا في الحكم من خلال "الكتّاب" الذين احتلوا واجهة العمل الإداري وكان لهم نشاط ثاقب في الشأن السياسي والاجتماعي، ويبدو هذا الأمر "غريبا" في دولة إسلامية تتبنى الشرع وتسير بموجبه. كما هو معروف، يُجمع الفقهاء بشكل عام على رفض تولي أهل الذمة المناصب الإدارية في الدولة، ويستند هذا المنع على مجموعة من الآيات القرآنية، ومنها: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" (المائدة، 51). "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين " (المائدة، 57). غير ان أصحاب السلطة والحكم تخطّوا أحيانا هذا "المنع"، وأحاطوا أنفسهم بكتاب من غير المسلمين، وكان للنساطرة دور كبير في هذا الميدان، فبرزت منهم سلالات من الكتاب تردّد أخبارها في المصادر الإسلامية العربية كما في المصادر المسيحية السريانية والعربية.

في "عيون الأخبار"، يخبرنا ابن قتيبة أن الخليفة عمر بن الخطاب قال لِحامي البصرة أبو موسى الأشعري: "ادع لي كاتبك ليقرأ لنا صحفاً جاءت من الشام"، فأجابه: "إنه لا يدخل المسجد"، ولما سأله الخليفة عن السبب، أخبره أنّ الكاتب نصراني، فرفع عمر بن الخطاب يده وضرب فخذه، وذكّره بالآية الشهيرة: "يا أيّها الّذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنّصارى أولياء". فقال أبو موسى: "له دينه ولي كتابته"، فأجابه عمر: "لا أكرمهم إذ أهانهم اللّه ولا أعزّهم إذ أذلّهم اللّه ولا أدنيهم إذ أقصاهم اللّه".

اتبع العديد من الخلفاء طريق أبي موسى الأشعري، وتقرّبوا من الكتاب النساطرة، فكان لهؤلاء دينهم، وكانت كتاباتهم للخلفاء. تعثرت هذه المسيرة بشكل كبير في عهد المتوكل حيث أُبعد أهل الذمة عن الدواوين وأعمال السلطان، وفُرضت عليهم سلسلة من القرارات التعسّفية الخاصة بلباسهم وزيّهم. رغم ذلك، عاد الكتاب السريان إلى موقعهم، واستعادوا دورهم وإن بدرجة أقل.

تبدلت أحوال النصارى بين عهد وآخر، لا سيّما بعد منتصف القرن التاسع، غير أن السريان استمرّوا في البقاء والعطاء بفضل أعلامهم من الأطباء والعلماء بوجه خاص. بعد سقوط بغداد، دخلت الكنيسة النسطورية في زمن التقلبات الصعبة، وتضعضعت بشكل كبير في القرون التالية، وباتت أضعف الكنائس الشرقية وأفقرها. في القرن الخامس عشر، اتحد فريق منها بكنيسة روما الكاثوليكية، وأطلق بابا روما على هذا الفريق اسم "الكلدان". وفي مرحلة لاحقة، عُرف أتباع الكنيسة الذين رفضوا هذا الاتحاد بـ"الأشوريين"، وشاعت هذه التسمية في الزمن الحديث.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها