آخر تحديث:11:09(بيروت)
الإثنين 10/06/2019
share

أمير العراء

روجيه عوطة | الإثنين 10/06/2019
شارك المقال :
أمير العراء جاء الساروت إلى العراء من العراء، برياضته، بجسده، بحركته
كان عبدالباسط الساروت ساحراً، ومرد هذا السحر، الذي يتصف به المحاربون، أنه، ومنذ العام ٢٠١١، منذ وقوع الثورة التي اسقطت كل شيء، أقام في العراء، ومع الوقت، علم كيف يحوله إلى مكانه، ويغدو أميره. في آخر طلة له مع رفاقه من حماه، أبدى ذلك السحر مكتملاً بوجه بهي، ثم عاد وأبداه من جديد في آخر أنشودة له، التي طبعتها نبرته، نبرة العزم بعد الفقد، ليكون قصدها الإمداد به لكل الأحرار في السودان، وفي الجزائر، وأينما كان. فمن سمات المحاربين أيضاً، أنه، وفي صراعه من أجل الحرية، يشعر بصراع امثاله، الذين يصنعون تواريخهم، وبهذا الشعور، يوآزرهم فيه.

جاء الساروت إلى العراء من العراء، برياضته، بجسده، بحركته، وانطلق في خوضه، مرة بصوته، ومرة بسلاحه، وبصوته وسلاحه في كل المرات. وضع الساروت كل وجوده في خدمة هذا الخوض، أي في اقباله على وجود مختلف، لا محل فيه لنظام بشار الأسد، لنظام المجزرة، فالثورة، في أساسها، هي وضع الوجود على المحك من أجل معاودة خلقه. الساروت مضى في هذا المذهب حتى عقبه، وهو، على حال كثرة من الثوار السوريين، تعداه، وانتقل إلى جانبه الآخر، حيث يلتقي بهم، وحيث يستقبلونه: حمزة الخطيب يمسكه بيده، ابو فرات يشد على كتفه، مي سكاف تبتسم له، وباسل شحادة يصوره، وغياث مطر يقدم له وردته، والحجي مارع يطلق الرصاص احتفالاً به... الجميع هنا يرحب به بين شعبه الثوري، بين هذا الشعب المقبل.

اذا كانت "كل ثورة تثوّر مفهوم الثورة" على قول فيلسوف، فمحاربوها هم وحدهم المنوطين بهذا التثوير، وتجربة الساروت دليل طويل على ذلك. إذ إن الثورة بالانطلاق منها هي الحياة بنفسها، هي الحياة، التي لا يتوقف اليوم طردها، فترجع عبرها، ليتخللها اندفاع، وتخبط، وشكيمة، وانجراح، وتعثر، وسقوط، ومواظبة، وهمة، وصراخ، وتنظيم، وحماسة، ورفض، ومستحيل، لتجيء عارية من أي ضبط، من أي تمثيل مسبق عنها، من أي نمذجة، من أي فرض عليها، ليصنعها محاربوها بالتوازي مع عيشها. بهذا المعنى، ثورة الساروت، وعندما لا تلتزم بأمر التشكل في خطاب أو في وجهة أو في لغة أو في منظر، تكون عين السياسة. "قبل الوجود، هناك السياسة"، يقول فيلسوف آخر، وثورة الساروت، لأنها وضع لهذا الوجود على المحك لخلق غيره، لا يمكن أن لا تكون سياسية، لا يمكن أن تكون سوى مثلما كانت.

لم ينزل أمير العراء روحه عن كفه، رفعها عليه وحيداً مع شعبه الذي قتله نظام بشار حافظ الأسد، ونفاه العالم  "القذر والمتوحش" (رزان)، والغبي. بقي محارباً في تلك الأرض التي خرجت على الأبد، في تلك الأرض، التي تعرف عليها من خلال القتال، والتي احبها بفعله. فهو، وعلى تصريح منه، كلما حارب في مدينة وقرية وحي وشارع، يصير متمسكا أكثر فأكثر بكل هذه المطارح. المحاربون، وبقتالهم، لا يصنعون التاريخ سوى لأنهم يصنعون الجغرافيا، لأنهم يرسمون خرائط للأرض، لا من أجل اعتقالها، بل، وعلى العكس تماما، من أجل الدفاع عنها وتحريرها. صناعة وجود، وصناعة جغرافيا، وصناعة تاريخ، هذه هي حياة المحاربين، وهذه هي الثورة الساروتية.

ولكن، هل يموت محارب لنظام الأبد؟ طبعاً لا، وهنا، الجواب ليس ضربا من الإنشاء، لكنه، يستند إلى كون ثورة ذلك المحارب لا تزول بالمطلق، وهذا، لأنها تحضر في كل حدث من قبيلها، وعندها، ثمة من سيخوضها على نحوه، ثمة محاربون سيولدون على هذا النحو. فعبد الباسط الساروت لا يموت بل إنه يعبر، وكما كان محاربا في الأرض، كذلك، سيكون في الغياب. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"