آخر تحديث:13:37(بيروت)
الثلاثاء 07/05/2019
share

عيسى بُلّاطه... مقدسيّ آخر يموت في المنفى

المدن - ثقافة | الثلاثاء 07/05/2019
شارك المقال :
عيسى بُلّاطه... مقدسيّ آخر يموت في المنفى
لعله مُستعصٍ نعي الناقد والمترجم الفلسطيني عيسى بلاطة، الذي توفي في مستهل أيار/مايو الجاري، بعدما أمضى فترة في دار للمسنين في كندا، وكان في سنواته الأخيرة محطة لزيارات عدد من الباحثين عن المعرفة والتاريخ الثقافي في العالم العربي. 

ولعل أبلغ ما ينطبق على حياة الراحل، ما كتبه في الغلاف الخلفي لروايته الوحيدة "عائد إلى القدس" (دار الطليعة، والاتحاد، 1998)، على وقع المرارة التي شكلتها له - كمنفي عن القدس - "اتفاقية أوسلو" العام 1993، حيث نقرأ: "عائد الى القدس هي رواية أبناء القدس الذين عاصروا حربين، وخسروا عُمرَين، وفقدوا مدينتين، وتشردوا بين وطنين، وظلّت القدس قبلتهم ومبعث نوستالجيا قلوبهم ومحفزاً لإرادة العودة لدى جيل الإكسودس العربي".

وفي الرواية تحضر القدس بأزقة البلدة القديمة وحي القطمون الغربي، الذي أضحى بعد 1948 مكاناً مهدّماً ومهجوراً، لكنّها تستعاد من خلال ذاكرة فؤاد السرحان المقدسيّ الجذور، الذي يعيش في الشتات، مكاناً جميلاً بحاراته ومبانيه الأنيقة. وتحكي الرواية الضياع والتمزّق النفسيّ لدى المقدسيين في المهجر، رغم انتعاشهم الاقتصادي ونجاحهم الأكاديميّ. فجليل حداد المقدسي، يرفض اقتراح وداد هنداوي أن يعمل سائقاً في واشنطن بسبب تعلّقه بالقدس "وتعلمين أنّه لا يربطني ببلاد الإنكليز أي رابط، ولن يربطني شيء بأي بلاد أخرى خارج فلسطين، لأنّ جذور قلبي ما زالت ضاربة في روابي القدس".

وعيسى بلاطة، شقيق الفنان كمال بلاطة، ولد في القدس، تلقى علومه الابتدائية والثانوية في مدرسة دي لاسال، وانتقل إلى إنكلترا حيث دخل جامعة لندن وحصل على دكتوراه في الأدب العربي. علّم الأدب العربي في بعض ثانويات القدس ورام الله، وعمل موظفاً في حكومة فلسطين ثم في بنك باركليز، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة العام 1968 وعيّن أستاذاً للدراسات العربية والإسلامية في معهد هارتفورد بكونتيكت في الولايات المتحدة، بين 1968 و1975، وانتقل بعدها إلى جامعة ماكغيل في مونتريال بكندا حيث علّم الأدب العربي واللغة العربية في معهد الدراسات الإسلامية التابع لهذه الجامعة.

ترأس تحرير مجلة "العربية" بدءاً من 1978، وأصبح عضواً في لجنة تحرير "العالم العربي" في جامعة كامبريدج الأميركية منذ 1981. يقول في كتابه "صخر وحفنة من تراب" (2005)، كان أول ما كتبت، في بداية حياتي الأدبية، مقال عنوانه "فدوى طوقان ومشكلة الموت" نشرته لي مجلة "الأفق الجديد" في عدد أيلول 1961، وكانت مجلة أدبية طامحة تصدر في القدس. وبعد ذلك نشرت لي مجلة "أفكار" الصادرة في عمّان مقالاً بعنوان "الحنين في الشعر العربي الحديث" في عدد كانون الأول 1966، لكن أحداث النكسة، في حزيران 1967، وما تبعها من احتلال فلسطين، قلب الأمور رأساً على عقب، ورأيتني على أثرها أبتعد عن العالم العربي مع قرينتي وأطفالي، وأستقر في الولايات المتحدة، ثم في كندا، أستاذاً للأدب العربي، بعد نيل الدكتوراه من جامعة لندن العام 1969، وصارت كتاباتي الأدبية تنشر باللغة الإنكليزية على الأكثر، وذلك في سعي من ناحيتي لتعريف الغرب بالأدب العربي وثقافته. لكني واصلت علاقاتي ببعض المجالات العربية، وصدر لي فيها عدد من المقالات، وقد اخترت لهذا الكتاب بعضاً مما لم أفقده في تنقلب، ومما لا يزال فيه نفع للقارئ العربي، فعسى أن يكون هذا الكتاب حافظاً لهذه المقالات من الضياع، ومفيداً للمهتمين بالأدب العربي".

السياب
ركز عيسى بلاطة في كتبه الصادرة بالعربية والإنكليزية، وفي مقالاته، على الأدب العربي الحديث. وكانت رسالته للدكتوراه، عن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وظهرت لاحقاً في كتاب، ويعتبر من أبرز الكتب عن الشاعر العراقي الى جانب دراسة لإحسان عباس. ولكتاب السياب قصته: فقد طلب بلاطة من صديقه، الشاعر جبرا ابراهيم جبرا، الذي كان يعيش في بغداد، أن يمده بمعلومات عن الشاعر العراقي، ورد عليه في الرسالة الأولى المسجلة في الكتاب الذي ذكرته أنفاً: "… سرني أنك مزمع على إعداد رسالة للدكتوراه حول الصديق المرحوم بدر. لا شك أنه، لو كان حياً، لفرح بأن يعلم أن أديباً فلسطينياً يسبق إخوته العراقيين إلى تقييمه وتقديره علمياً"… واقترح عليه جبرا في الرسالة نفسها، أن يزور العراق للحصول على المعلومات اللازمة لإعداد أطروحته عن السياب. وبالفعل زار بلاطة العراق، وأجرى دراسة ميدانية واسعة عن السياب، زار أهله وتعرف عليهم، أخذ منهم ما احتاجه من معلومات، وتعرف على أماكن نشأته الأولى في جيكور، وأبي الخصيب والبصرة، وعلى حياته الدراسية في بغداد، وعمله في العراق، وزواجه وأولاده، وزياراته إلى لبنان، وإقاماته القصيرة في إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، ومرضه ووفاته في الكويت، وتمكن بذلك من إعداد أطروحة فريدة في تفاصيلها الموثقة، نال بها درجة الدكتوراه، وطبعها في كتاب... و"أصبحت المصدر الرئيس، ربما للدارسين والباحثين من طلاب الأدب العربي الحديث والمشتغلين به".

أخذ الباحث على عاتقه أيضاً تقديم الأدب العربي إلى القارئ الغربي، فأصدر بالإنكليزية كتاب "شعراء عرب معاصرون 1950-1975" الذي نشر في لندن العام 1976، تلته دراسة "نظرات نقدية على الأدب العربي الحديث" ونشرت في واشنطن العام 1980، و"الاتجاهات والقضايا في الفكر العربي المعاصر" العام 1990. كما كتب عملاً نقدياً فريداً بعنوان "نافذة على الحداثة: دراسات في أدب جبرا إبراهيم جبرا" العام 2002. وكان بُلّاطه تلميذ جبرا في "الكلّية العربية" في القدس، وامتدت هذه الصداقة ليكون بُلّاطه أبرز دارسي أعمال جبرا ومترجميها إلى الإنكليزية. إلى جانب مجموعته القصصية التي صدرت بالإنكليزية "جنتلمان متقاعد" العام 2003، وكتابه "إعجاز القرآن الكريم عبر التاريخ" 2006 حيث يقدم عرضاً تاريخياً لمسألة الاعجاز القرآني، وصولاً الى العصر الحالي، معتبراً أنه لا رأي يمكن الركون اليه في شكل نهائي ثابت بالنسبة الى عناصر وأسباب هذا الإعجاز. وبعد العرض التاريخي لمختلف الآراء والنظريات في هذا الموضوع، توقف ملياً عند درس أعمال عصرنا الحالي وبتقدير واضح لعائشة عبد الرحمن التي تناولت الإعجاز القراني. وشارك بلاطة في العديد من الكتب الجماعية، من بينها "وجهات النظر النقدية في الأدب العربي الحديث" (1980)، و"التقاليد والحداثة في الأدب العربي" (1997).



في الترجمات، أصدر بُلّاطه ترجمته الإنكليزية لكتاب "حياتي" لأحمد أمين (منشورات لايدن، 1978)، وقدم لها بدراسة موسعة ونشرها في هولندا نهاية السبعينيات، ثم ترجم أعمالاً لكل من جبرا إبراهيم جبرا، وهشام شرابي، وإميلي نصر الله، ومحمد برادة، وغادة السمان، ومحمود شقير وغيرهم. إلى جانب كتبه، نشر بُلّاطه ما يفوق الثمانين دراسة أدبية وقرابة الثلاثمئة من مراجعات الكتب في المجلات الرصينة، كما شارك ككاتب ومحرر في موسوعات أدبية مثل "موسوعة الأدب العالمي في القرن العشرين"، "موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث"، "موسوعة الأدب العربي"، "موسوعة الفلسطينيين" وغيرها.

وصايا
ترك بُلّاطه أيضاً للمترجم الشاب مجموعة نصائح مكثفة وبسيطة خلص إليها من باع طويل في الترجمة بين اللغتين العربية والإنكليزية وآدابهما، ونشرت في مدوّنة "الأدب العربي" بالإنكليزية بعنوان "عشر نصائح للمترجمين". يقول بلاطة إن العرب اليوم على "مفترق طرق فاصل في مواجهة الحضارة الحديثة، إذ عليهم أن يدخلوا عالم الحداثة مع المحافظة على العناصر الحية الناطقة من تراثهم العظيم وعلى إصالتهم وخصوصيتهم في الإبداع". ولكنه ينفي عليهم انبهارهم أمام الحداثة مما يشدهم إلى الانغلاق على أنفسهم. ويضيف "أن العرب في حاجة إلى جرأة في جميع مظاهر الحياة كجرأتهم التي ظهرت في شعرهم الحديث الذي حطموا فيه بعض القيم وحافظوا على بعض آخر وخلقوا شعراً جديداً فيه ملامح وجههم المتشوق للحداثة". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها