آخر تحديث:13:27(بيروت)
الثلاثاء 07/05/2019
share

دايفيد بايس: صُور ما بعد الحقيقة

جوزيف الحاج | الثلاثاء 07/05/2019
شارك المقال :
دايفيد بايس: صُور ما بعد الحقيقة بيكاسو: "نعلم جميعاً أن الفن ليس حقيقة. الفن كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة"
في كتابه "صور متحولة"، الصادر مؤخراً، تناول الأميركي دايفيد بايس (DAVID PACE) الصورة المتداولة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، التي كانت الصحافة تتلقاها بتقنية "بيلينوغراف" عبر أسلاك الهاتف لنشرها بسرعة. استخدمت هذه الوسيلة بكثرة أثناء الحرب العالمية الثانية بسبب تهافت القراء على الصور قبل النصوص. أما اختراعها فيعود إلى بداية القرن الماضي. جمع هذه الصور الأميركي ستيفين ويرتز (STEPEN WIRTZ). 

تميزت الصور آنذاك برداءة شديدة أفقدتها أغلب تفاصيلها، إذ كانت تقنية إرسالها وتلقيها لا تزال بعيدة عن الإكتمال. غابت غالبية تفاصيلها بفعل سوء الأحوال المناخية أو التشويش المقصود على الإتصالات. ارتكزت هذه التقنية على تشكل الصورة المتلقاة سلكياً من خطوط أو نقاط سوداء وبيضاء، تشبه الـ"PIXELS" التي تكوّن الصورة الرقمية اليوم.

وزعت وكالات الأنباء المصوّرة، هذه الصور على الصحافة، بعمليات تنقيح، لتوضيح التفاصيل، أو إخفاء أخرى مشوّشة، أو إضافة عناصر جديدة لم تكن موجودة في الأصل. دفع هذا التلاعب بايس إلى التساؤل حول التقنيات المتبعة في تحضير الصور للنشر، وتقاطع الفن والأخلاق ودور البروباغندا وتأثير ذلك على الحقيقة.

لا تحمل هذه الصور، ذات التباينات اللونية الفاترة، أسماء مصوريها. تعرّضت لتعديلات، للتخفيف من الخطوط والنقاط الدخيلة، أو لتحسين أجزاء منها، كي لا يواجه المشاهد صعوبات في إدراكها بصرياً. لا قيمة تجارية لهذا النوع من الصور، لعدم إدراك أهميتها التاريخية وربما الجمالية، رغم ذلك أثارت إهتمام ويرتز مجمعها وبايس دارسها.

قال بايس الذي رصد ما هو أبعد من المرئي فيها: "انطلقتُ من اعتبارها قطعاً فنية. قمنا بربطها بعالم الفن لتبيان قيمتها كصور أصلية ونسخ وصلت عبر الهاتف، متحولة، ثم تعرضت لتعديلات أمعنت في تشويهها. اخترنا أجزاء من كل صورة تبعاً لأهمية مضمونها المرئي. لم نزد عليها شيئاً. فلسفتنا أن أي شيء يجعل من الصورة النهائية أفضل ويحولها إلى عمل فني هو أمر جيّد".

ما دفع بايس إلى خوض هذه التجربة هي مغريات التعاطي مع أرشيف ضخم من الصور التاريخية، والتحدي الكامن في إبداع أبعاد أخرى إنطلاقاً من هذه المادة.



صور الكتاب مثيرة للإهتمام تاريخياً وفنياً، اختار بايس لقطات واضحة ونقية، تُبرز للقارئ مكامن التعديلات التي أجريت عليها، والعيوب الناتجة عن ذلك، كما على أخطاء في مراحل التصوير، والإرسال والإلتقاط السلكيين، والتحضير للنشر. صور بمثابة قطع أثرية أضاءت على تاريخ تقنية متطورة في زمنها، وعلى تعديلات نفذتها مواهب بشرية ولو اعتبرت ارتكابات فاضحة.

تناول الكتاب مواقف مصورين ومنظرين كتبوا تاريخ الصورة، أمثال روبرت ج. فلاهيرتي، بوريس إيفنس، والتر روتمان، دزيجا فيرتوف، جان لوك جودار... محاولين تحديد العلاقة بين الواقع والتصوير الفوتوغرافي/السينمائي، وما هو أبعد منه.

سأل بايس: "هل يمكن للصورة أن تطابق الواقع؟ لا أعتقد أنها يمكن أن تكون حقيقة مطلقة ومشابهة للواقع". استشهد بقول لبيكاسو: "نعلم جميعاً أن الفن ليس حقيقة. الفن كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة - على الأقل الحقيقة التي قُدمت لنا لفهمها". أضاف: "لكل مصور وجهة نظر ينقلها في صورة. أين يقف، كيف يؤطّر موضوعه، متى يختار اللحظة المناسبة، أي فيلم يختار، ما هو أسلوبه في طباعة صورته...؟ - كل ذلك ينقل نواياه وطريقة تشكيله للواقع" .
برأيه، أضافت الصورة السلكية آنذاك تأويلاً آخر على تفسير الواقع، مثلما تنتشر اليوم برامج معالجة الصور السهلة الاستخدام، ويطيح الواقع الافتراضي بالحدود الفاصلة بين الواقع والخيال.

فماذا سيحصل للفن وللصورة الصحافية؟ ما التداعيات الأخلاقية والسياسية والجمالية لهذه الثورة الجديدة؟

يجيب بايس: "معرفتنا بكيفية بناء الواقع اليوم يجعلنا نرتاب من تمثيلاته. مع ذلك، يبقى هنالك "شيء ما موجود" من الواقع. يجب أن نكون على دراية تامة بكل ما يتعلق بمنتجي الصور. بعضها نسخ عن الحقيقة وأخرى تحريف لها. من الضروري أن نتثقف بصرياً بما يكفي لإدراك الأصل من المحرف. في وقت يتم فيه تعرّض "الحقيقة" للتأويل، يحاول السياسيون إعادة تعريف التاريخ. فما دور المصور في سيناريو "ما بعد الحقيقة" الجديد؟ دور المصور الوثائقي لم يتغير في زمننا. مهمتنا هي تمثيل العالم كما يبدو لنا، والتعرف على الأشخاص والأماكن التي نصورها بعمق".

عرض "الصور المتحولة" لمرحلة من التاريخ التقني للتصوير الفوتوغرافي، وتحذير من سيناريو "ما بعد الحقيقة" الذي نعيشه اليوم، كما فضح الممارسات في نشر الصور الصحفية السلكية خلال الحرب العالمية الثانية، بسردياتها المنحازة عن الحرب والشجاعة والنصر والعدالة. ممارسات تغيب شفافية السرد البصري.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جوزيف الحاج

جوزيف الحاج

أستاذ ومصور لبناني