آخر تحديث:10:42(بيروت)
الأحد 05/05/2019
share

بثينة العيسى لـ"المدن": لا أختزل نفسي في هويتي ككاتبة

جودي الأسمر | الأحد 05/05/2019
شارك المقال :
بثينة العيسى لـ"المدن": لا أختزل نفسي في هويتي ككاتبة بثينة العيسى: "المعنى كائن ملتبس، مراوغ، متبدل"
زارت الروائية الكويتية بثينة العيسى مدينة طرابلس اللبنانية، بدعوة من "نادي قاف للكتاب"، وشكّلت روايتها "كل الأشياء" محور لقاء عقده النادي. تلته ورشة أقامتها الضيفة حول "الكتابة الابداعية"، وهي واحدة من عدّة خدمات تقدّمها منصّة "تكوين" التي أسستها بثينة العيسى لدعم الانتاج الأدبي في العالم العربي وإعداد قارئ يعرف "ماذا يقرأ، كيف يقرأ، ولماذا يقرأ". فالكاتبة تعارض حصر الفرد في قالب وظيفيّ واحد، وتقول "الكتابة هي جزء من هويتي، ولكن لا أختزل نفسي في هويتي ككاتبة".

بثينة العيسى التي بدأت الكتابة في سنّ مبكرة، نشرت روايتها الأولى "ارتطام" في عمر لم يناهز الثانية والعشرين، وانطلق معها انتاج روائي مكثف: "سعار، عروس المطر، تحت أقدام الأمهات، قيس وليلى والذئب، عائشة تنزل الى العالم السفلي، كبرت ونسيت أن أنسى، خرائط التيه"، التقيناها في حوار حول رواية "كل الأشياء"، القائمة على حكاية النضال الخاسر والآمال المجهضة لـ"جاسم العظيمي" الذي تقدّمه كلّ الأشياء كـ"إيكاروس" كويتي معاصر، أوهم نفسه ببلوغ الشمس. يتنقل جاسم بين معارضة السلطة، ومنفاه الطوعي في لندن بعد شهور من السجن، ومسؤوليته العاطفية الملتبسة حيال "دانا" التي قضت في حادث غامض. بين جلدتي الرواية تسقط الشعارات، وتتوالد دوامات التيه في محاولة وصول لامتناهية الى معنى الوطن، والكتابة، والحب، ضمن صراع لعله أزليًّا بين جيلين تشكلّ مواقفهما الاخلاقية قطبيّ الرواية.

تقول بثينة العيسى بعفوية ما لا يُقال من دون تفكّر. تنتفي المسافة الزمنية بين سؤالك وإجابتها، التي تعطيها بسرعة وطلاقة لافتتان، تلامسان ردّ الفعل الفطري. وهي تنتمي إلى ثلّة ممّن أدركوا أن المعرفة هي قلق السؤال. تنفي امتلاكها إجابة على كلّ علامة استفهام. ليس تبرؤًا بل تواضعًا. قد تمنح عبارة "ما بِعرَف"، المشفوعة بضحكاتها الّتي تتسربل طراوة ودماثة في الجو، هدنة بضع ثوانٍ للمتحدثة ريثما تلتقط طرف أنفاسها وطرف الحديث. لا تردّ بثينة العيسى خائبًا من يطرق باب فِكرها، سواء قولًا أو كتابةً. إن لَم ترفد القارئ بأبعاد تشفي تساؤلاته، تتداعى في رواياتها أسئلة احترفت الروائية استبطانها وتشذيبها وصوغها ضمن إشكاليات المنظومة الثقافية في الكويت وفي العالم.
هنا حوار معها.


- بين سذاجة "أطفال السياسة" المعارضين الذين "يرتدون حفاضات البامبرز"، وبين تيار يعتقد أنها ديموقراطية عرجاء، ستلد أسوأ الديكتاتوريات، وبين الالتزام في إصلاح المؤسسات الحكومية، ثلاثة مواقف مختلفة شقت طريقها الى صفحات الرواية، وكلّ واحد يعتقد أنه سينقذ الوطن، أيّ منها صوت الكاتبة؟
جميعها صوتي. أنا أتعاطف جدّا مع جاسم. حكايته تمثّل ما عاشه شباب وبيوت في الكويت عام 2012. استمرت حالة الغليان لمدة شهور، أو سنة بأبعد تقدير، ثمّ انتصرت الحكومة. الحكومات العربية أذكى من المعارضة. أنا مؤمنة بمطالب جاسم، وبمشروعية هذه المطالب، ومؤمنة أن المستقبل هو الديمقراطية الناجزة ومحاربة الفساد. وأيضًا، أصادق على صحّة كلام الوالد عبد المحسن العظيمي الذي يؤيد أجهزة الدولة ويحرّض ضدّ "أطفال السياسة". كلامه ضد مبادئي لكنه الاكثر واقعية. لن أنزل الى ميدان التظاهرات ولن أحارب هذا التيار. أنا سأتصرف كما فعلت دانا التي اكتشفنا أنها في النهاية مردم* سعى للإصلاح الإداري وجرت تصفيتها.
لذلك، أجنح لتحديد مجال تدخلي، وأؤمن أنه المساحة التي أستطيع إصلاحها، حتى لا أرهق نفسي بمشاكل بحجم الديناصور. وهذا برأيي معنى المسؤولية. في مكتبة "تكوين"، مثلًا، لدينا موقف واضح من بعض القضايا العامة في الكويت، إنما في انسجام مع مجالنا. نسعى من خلال "ماراثون القراءة الخيري" لتحويل المبالغ المجموعة لتعليم أطفال معسرين في الكويت. فالحصول على التعليم مشكلة بمقدوري المساهمة في حلها، ألتفّ وأجمع المال للتخفيف من بعض هذا الألم. لكن لا أحاول الضلوع في مشكلة قوانين عنصرية تحرم البعض من التعليم.

- في الرواية، ثمة تخبط عاشه "جاسم" حول المغزى من الكتابة. يعتبر أنه لا معنى للكتابة ولكن لا مناص منها. في سياق آخر، كتبتِ أن "الكتابة هي المكافأة على الكتابة". إزاء هذا التباين، ما غاية الكتابة في نظرك؟
حين قلت أن الكتابة هي المكافأة عن الكتابة، كنت أتحدث عن المكافأة والعائد الذاتيين. شخصيًا، تكفيني بهجة الكتابة وتغنيني عمّا عداها. هناك مبالغة في تقدير البعد الاجتماعي والبعد السياسي للنص الأدبي، حتى لو تضمن النص الأدبي معالجة سياسية. النص الأدبي لا يقدم حلولًا سياسية أو اجتماعية. ليس التغيير وظيفة النص الأدبي وإن طالبناه بهذا الشيء سيفقد فنيته. لكن هذا لا يعني أن الأدب غير مؤثر. الأدب يؤثر من خلال عملية تراكمية، يمتلك فيها القارىء القدرة على النظر الى العالم بشكل مختلف أو ربما بشكل أوسع. الأدب في اعتقادي هو أحد التمارين التي يحتاجها القارىء لاكتساب القدرة على تحرّك منظوره ضمن المنظومات الفكرية، فينمي حينئذ قدرته على "الفعل الثقافي".
أما جاسم، الذي تعاطى الكتابة الصحفية، حين فقد الايمان بجدوى الكتابة لم يكتب. هو صام عن الكتابة تمامًا. أما أنا، فأحتاج أن أكتب لأشعر أنني على ما يرام وأستطيع أن أعتني بأطفالي وأن أمارس حياتي بتوازن. دون ذلك، سيكون الثمن باهظًا جدًا نفسيًا وصحيًا وسأتكبده. جاسم يكتب بهدف تغيير رأيك. أما أنا فأؤمن أن الكتابة هي أثر الفراشة. أنا وأبطالي لا نتطابق. أكتب الشخصية كما تحتاج هذه الشخصية أن تكون. وهذا لا يعني أنّ افكار الشخصية هي أفكاري.

- تقولين أننا في زمن البحث عن المعنى، ما "المعنى" الأكثر وضوحًا والذي لا يحتمل لبسَا؟
سؤال صعب. حملته معي الى المهرجان الأدبي الأخير في ذكرى تأسيس "تكوين" الثالثة، فاتخذ عنوان "رحلة المعنى". أنت لا تستطيع أن تضع المعنى وتحصره في زاوية وتقول "هذا هو المعنى". المعنى كائن ملتبس، مراوغ، متبدل، ومرتبط بالمرحلة الفكرية والنضج النفسي والموروث الثقافي، وتراكم الثقافة المكتسبة من خلال القراءة وغيرها. المعنى كائن حيّ. فأنا لا أستطيع الاشارة الى معنى بشكل كونيّ وشمولي، لا أستطيع إطلاق تعريف على أي معنى في حياتي سواء معنى أنا صنعته أو تعثرت به صدفة. وأعتقد أن جمال المعنى هو في كونه دائم التبدل.

- في حيّز ما في الرواية، يقول جاسم إن الصدفة هي "حقيقة العالم الوحيدة"، وثمّة تردّد لثنائية الخفة/الثقل. هل نعزو هذه المفاهيم الى تأثر برواية كونديرا "كائن لا تحتمل خفته"؟
أمر ممكن. أنا من عشاق كونديرا، قرأت "كائن لا تحتمل خفته" منذ حوالي عشرين عامًا وأظن أنها من الروايات التي تركت تأثيرها لدي. أعتقد أن الإيمان بالصدفة هو كإيمان الملحد بعدم وجود إله. لأن الصدفة هي الفكرة الآمنة. أنا لا أستطيع أن أنظر الى تركيبة العلاقات التي تشكلت أمامي باعتبارها تجسد حكمة ما. لأنني أرفض أن يكون لكل هذا الألم وهذه المعاناة شخصٌ آخر سيستفيد وليس أنا. 
جاسم كان متواطىئا مع نفسه "أنا لا أريد أن أسمي هذا الشيء باسمه حتى لا يترتب عليّ مسؤولية أخلاقية تجاهه". من هذا الباب، يقرّر جاسم أن الشيء الوحيد المنطقي في هذا العالم هو الصدفة، حتى يخفف على نفسه عبء صنع العلاقات. في بداية الرواية مثلًا، يقنع نفسه أن لا علاقة بين كتابته وموت والده، لا علاقة بين سجنه والكتابة، لا علاقة بموت دانة وسجنه. هو يحاول أن يفكك شبكة العلاقات التي صاغت هذا العالم باعتبارها مجموعة من المصادفات حتى لا يكون شخصًا مسؤولًا. نحن نتكلم هنا عن شاب خليجي يمتلك قوة كامنة تجعله يواجه حكومته، ولكنه عاجز عن النظر الى عيني امرأة يحبها ويصارحها بمشاعره. نحن نمارس هذا التملص حين لا نسمي الأشياء بأسمائها. 


- في "كل الأشياء"، يتخذ البحر مساحة واسعة. حتى نخال أنه احدى شخصيات الرواية. فبحر الكويت هو قناة تهريب الحشيش، وملعب الطفولة، ويحمل "رائحة المرأة التي تتهيأ للحب". ما رمزية البحر بالنسبة إليك؟
 لا أستطيع أن أتخيل الكويت من دون بحر. البحر رئة الكويت. هو المكان الذي تتحول فيه الكويت من صحراء إسمنتية خانقة إلى أفق. علاقتنا بالبحر، علاقة قديمة تاريخيًا، وأساسية في نمطنا المعيشي اليومي. لا أقدر أن أعيش في الكويت يومًا واحدًا لو كانت بلا بحر. لكنه لا يرمز الى أي شيء. البحر هو البحر. وأنا أحب "هذا" البحر.


- بالرغم من البعد السياسي الوازن الذي تتضمنه الحبكة، لم تذكري أحداثًا تاريخية أو سياسية، إلا في ما ندر. هل لأنك كتبتِ رواية الكويت الصالحة لكل زمن؟
أنا أخشى التورط في التاريخ. بعض الروائيين يكتبون بهدف توثيق مرحلة. وأنا أعتقد بأنّ هذه وظيفة المؤرخ. الرواية يجب أن تكتب بشروط فنية معينة. أتداخل مع محطات تاريخية بحسب متطلبات الحكاية، وليس لذاتها. أسأل نفسي "ما الذي تحتاجه الحكاية؟ ما التاريخ الذي استطيع استنهاضه واستجلابه الى النص من دون أن يتضرر النص والى أي حد؟".
في "كل الاشياء"، ذكرت مرحلة "دواوين الاثنين"، حين كان عبد المحسن العظيمي في شبابه ينزل الى ساحة الارادة ويطالب بالديمقراطية. واستعدت في مشهد "المباركية"، أول اصطدام مع السلطة عام 1938، حين سُجن خمسة معارضين وقُتل أحدهم وسحل وصلب، لأبين أن هذا الشعب يطالب بالمشاركة الحكومية منذ الثلاثينيات من القرن الماضي. بالنسبة لدويلة صغيرة في الصحراء تعيش من تجارة اللؤلؤ، الوعي لفكرة المشاركة في الحكم والنضال لأجلها، كان موقفًا متقدمًا جدا مقارنة بالمنطقة. حاولت أن أتداخل مع هذا التاريخ وأن أستنهض بهذه الذاكرة، لأنني لا أريد للجيل القادم ولأطفالي أن يتورطوا بالالزهايمر الجماعي. نحن نحتاج قراءة الواقع وفهم سياقاته لنستطيع التفاعل معه. إنما الشرط الفني يأتي أولًا.

- ماذا تلخصين بـ "كل الأشياء"؟
لا أستطيع تحديد مضامين "كل الأشياء". من حق القارىء أن يشتبك بعلاقة تأويلية مع النص. لنأخذ مثلًا تعاطينا مع مصطلحات مرتبطة باحتلال فلسطين. حين نشر هاشتاغ #احكيها_فلسطيني، طلب النشطاء تسمية المحتل بـ"الكيان الصهيوني" بدل "إسرائيل"، و"جدار الضم والتهجير" بدل "الجدار الفاصل"، ولنقس على ذلك.

أعتقد أن الفرد الملتزم يخوض معركة تسمية الأشياء ليعرّي التسمية المغلوطة ويصححّها، لأنه يريد أن يوضّح الموقف الذي يترتب على تبني هذه التسمية أو نبذها. هو يعي ويقبل بأن تسمية الأشياء باسمها ستفضي الى مسؤولية أخلاقية واضحة. الأمر ينسحب على علاقة جاسم بدانة، أهي حبيبة أم صديقة؟ إن اسماها "حبيبة"، ستقع على عاتقه واجبات عليه أن يفيها. لكنه ظلّ يراوغ طوال الرواية. أفترض أن السؤال الأخلاقي "بِمَ نسمي هذا الشيء؟" هو لعبة الرواية الجوهرية.  
 
(*)تسمية محلية لطير كويتي يضلّ طريقه بسهولة، ويشتهر بصراخه المرتفع الذي يسهّل اصطياده حين يدخل البيوت. يطلق الكويتيون لقب "المردم" على الشخص الذي يرتكب حماقات تورّطه بالمشاكل.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها