آخر تحديث:12:58(بيروت)
الخميس 30/05/2019
share

"الفعالية الثقافية السورية في لبنان": جزيرة مُحاصَرة

حسن الساحلي | الخميس 30/05/2019
شارك المقال :
"الفعالية الثقافية السورية في لبنان": جزيرة مُحاصَرة من الندوات في معهد عصام فارس
لا شك أن اللقاء الذي احتضنه معهد عصام فارس (بالتعاون مع معهد الأصفري وبمبادرة من حسان عباس) تحت عنوان "الفعالية الثقافية السورية في لبنان"، كان إيجابياً من نواحٍ عديدة، ويمهد للقاءات أخرى تسعى إلى فهم الحضور السوري بصفته فاعلاً ومؤثراً في الحياة اللبنانية وليس مشكلة أو عبئاً كما تريد وسائل الإعلام إخبارنا. 

أتى اللقاء في وقت انتهاء مرحلة من الحضور الثقافي السوري في لبنان، إثر هجرة نسبة كبيرة من الفنانين السوريين إلى أوروبا، وبدء مرحلة جديدة أكثر مأسسة وصعوبة من النواحي القانونية والسياسية. ثلاث مؤسسات حضرت الجلسة، تشترك في تشكيل الوسط الثقافي السوري في لبنان، هي: "بدايات"، "العمل للأمل"، و"إتجاهات". بعض هذه المؤسسات يؤثر بشكل مباشر في المجال اللبناني، كما هو الحال مع "بدايات" التي تدعم الفنانين اللبنانيين أيضاً، وبعضها الآخر ينحصر دعمها في السوريين لكنها تعتبر مؤثرة أيضاً في المجال الثقافي اللبناني.

طبعاً هذه الصيغة من الحضور المؤسساتي لم تكن موجودة في مرحلة سابقة من الوجود الثقافي السوري في لبنان، حين كان الفعل الثقافي لا يزال مرتبطاً بآليات "تقليدية" للإنتاج وأقرب إلى "المهنة الثقافية" إذا صحّت العبارة. وقد ظهر الإختلاف بين المرحلتين خلال الجلسة الثانية بشكل خاص، والتي استضافت أسماء مثل الشاعر يوسف بزي والروائي حسن داوود، وكانت مرتبطة بفترة لم يكن الكلام فيها عن المؤسسات حاضراً كما اليوم، كما أنها مرحلة مندمجة بدرجة أكبر بكثير من المرحلة الحالية وعابرة للهويات (ربما حالة أدونيس تقول الكثير في هذا الخصوص) وكانت بيروت فيها مدينة جاذبة للمثقفين العرب.

غلبت أنماط الأدب والكتابة والشعر على المرحلة السابقة من الحضور السوري في لبنان، بعكس المرحلة الحالية التي أصبحت فيها الأنماط أكثر تنوعاً. تحضر بشكل خاص السينما الوثائقية اليوم، بالإضافة إلى الرسم والفنون الأدائية (مسرح ورقص .. ) والتجهيزات البصرية والفنون المعاصرة. أضاء الدكتور حسان عباس (مدير الجلسة) على أبرز التحولات التي طرأت على شرائح المنتجين الثقافيين السوريين بعد العام 2011، وقد لخصها في ثلاثة: غلبة الشرائح العمرية الشابة اليوم، على عكس المرحلة السابقة التي كانت فيها الأعمار أكبر والفنانون أكثر خبرة، تكاثر أعداد الإناث في جميع الأنماط بعد غياب شبه كلي في السابق، وانكفاء المثقفين السياسيين والهجرة السياسية السورية التي كانت سائدة في المراحل السابقة (ربيع دمشق على سبيل المثال).

من التحولات الأخرى التي طرأت على المجال الثقافي السوري في لبنان، غياب الكتابة عنه والتي كانت تضطلع بها سابقاً الملاحق الثقافية التابعة للصحف اللبنانية (المستقبل، النهار، السفير) التي عرّفت الجمهور على ما يحصل في سوريا، عبر مستكتبين سوريين ولبنانيين. بالإضافة إلى ضعف التلقي اللبناني للمنتج السوري (ذُكرت ملاحظة مفادها غياب اللبنانيين تقريباً عن الفعاليات السورية الثقافية)، بعكس مرحلة سابقة كان فيها الشعراء السوريون في الصدارة. كما أن المشاركة بين اللبنانيين والسوريين في الأحداث الثقافية أصبح متراجعاً إلى حد كبير. ووفق الروائي حسن داوود، أجريت مسابقة قصصية مؤخراً في الجامعة الأميركية، شاركت فيها عشرات القصص السورية والعربية من دون أي قصة لبنانية.

لكن يبقى التحول الأكبر الذي طرأ على وضع الفنان السوري في لبنان، هو ما سماه عدد من المتكلمين "البيئة القانونية" التي كبّلت السوري في المجال العام، وجعلت التنقل حتى داخل لبنان مهمة صعبة. وضع متكلمون هذه المشكلة كأولوية يجب معالجتها خلال المرحلة المقبلة لاستمرار العمل الثقافي، بما أن الحال وصلت إلى حد عدم مغادرة بعض الفنانين السوريين منازلهم بعد الساعة الثامنة خوفاً من إجراءات بحقهم أو مضايقات. وربما القصة التي أخبرها عبدلله الكفري (مدير مؤسسة "إتجاهات") عن وفاة موسيقي سوري منذ أشهر قليلة، تلخص حال الفانين السوريين بشكل عام. فقد تطلب نقل جثته من لبنان إلى سوريا أكثر من 20 يوماً من الإجراءات والمعاملات والرسوم، بلغت قيمتها أكثر من 30 ألف دولار، وحتى بعد إنهاء جميع العقبات القانونية وتدخل جهات عديدة من أجل إخراجه من لبنان، قرر الأمن العام إيقاف الجثمان عند الحدود، بسبب غرامة 200$ غير مدفوعة!

ومن المفيد التساؤل هنا عن غياب أي تحركات عملية للمثقفين اللبنانيين تجاه ما يحصل مع السوريين، خصوصاً منع التجول العنصري الذي لم يحصل حتى في جنوب أفريقيا، كما قال محمد علي الأتاسي. وقد حددت بسمة الحسيني، أساليب عديدة يمكن عن طريقها للبنانيين التأثير في ما يحصل، ومنها رفع الصوت تجاه عدم توقيع الدولة اللبنانية على بنود تتعلق بحقوق الإنسان ويمكن أن تساعد السوريين (على الأقل الموجودين قانونياً على الأراضي اللبنانية) على التنقل بشكل أفضل وتخليصهم من الظروف اللا-إنسانية التي تطاولهم وتؤثر بشكل كبير في الوسط الثقافي حالياً. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها