آخر تحديث:13:50(بيروت)
الأربعاء 29/05/2019
share

وليد الخشاب: الصوفية تشبه الأناركية

أحمد شوقي علي | الأربعاء 29/05/2019
شارك المقال :
وليد الخشاب: الصوفية تشبه الأناركية أهمية الصوفية اليوم، كما يرى الخشاب، هي "التعزية"
الصوفية تشبه الأناركية. يقول الباحث وليد الخشاب، أستاذ ومنسق الدراسات العربية في جامعة يورك الكندية، إنهما يتفقان من حيث سهولة تعريفهما سلبًا، كأن تقول إن الصوفية والأناركية ليستا كذا، لكن التشابه بينهما، ربما يتجاوز -بحسب ما يطرحه الباحث المصري- حدود التحري عن تعريف شامل للحركتين.

ذهب الخشاب، خلال محاضرة ألقاها في مقر دار المرايا للنشر بالقاهرة، تحت عنوان "الصوفية المادية: ممارسة الشعوذة أم سياسة الأمل؟"، إلى أن الصوفية تنحو لتجاوز الوساطة التي تفرضها الدولة بين الإنسان والدائرة الإلهية، وبين الإنسان ورغبته، ولهذا فهي تتفق من حيث مبدأ رفض الوساطة، مع السياسات اللاسلطوية. ويقول إنه، في السياق الروحاني، لو افترضنا أن تحقيق سعادة المتعبد الروحانية والعاطفية يكمن في التواصل مباشرة مع الدائرة الإلهية، فإن توسط الدولة بين العبد وربه بواسطة الشريعة هو توسط يعطل هذه الرغبة ويكرس سلطة الدولة، بينما يؤسس المفهوم الفكري للصوفية، لسياسة جذرية مستقلة عن الدولة، بمعنى أن الصوفية تطرح نفسها كبديل لتسلط الأخيرة، أو كمجال على هامشها.

كذلك فإن الصوفية تسعى إلى خلق مناخ ديموقراطي، يعتمد في أساسه، على المبدأ الذي طرحه ابن عربي من أن كل إنسان يحمل في نفسه شيئًا من روح الله، وهو ما يتجلى، مثلاً، في "المَوالد" التي تتيح مساحة لتواجد الجماعات التي تنتمي للمهمشين: غير المسلم، اللص التائب، المثليون، الراقصات، النساء بشكل عام، وهي مساحات تتجلى فيها فكرة الضيافة وفكرة المساواة "كل ابن آدم به قبس من روح الله". ويستدل المدير المشارك لجماعة الدراسات العربية الكندية، على ذلك، بما سجله شخصيًا خلال زيارته لمولد السلطان الفرغل في صعيد مصر العام 2004، حيث شاهد "شبابًا لا يلتزمون بتقاليد الذكورة وسيدات لا يلتزمن بتقاليد الحشمة، وهم وهن لم يتعرضوان للمضايقة، إنما كان لهم مكانهم في خلفية الساحة الرئيسية للمولد".

ويشير الخشاب إلى أن الاعتراضات التي سجلها ابن القيم لاحقًا على تلك النقطة في فلسفة ابن عربي، تعود إلى رفض ما تبتغيه من نظام ديموقراطي يساوي بين "الإمام" و"الرعية" -لا يرفع أياً منهما على الآخر- ويتعارض مع نظام "الخلافة"، وهو الأمر الذي ظل أساساً للعداء بين التيارات الدينية السلفية المتتابعة، والصوفية. ويتساءل الخشاب: "لماذا ينتفض البعض من فكرة القرب والحب بين الإنسان وربه"، ويجيب لأن ذلك الحب قائم على تفادي الوساطة، وساطة الدولة والقانون والشريعة وتحوير مسارها، تخفيف وطأتها".

وعلى الرغم مما تسعى إليه تلك الفلسفة من تعميق لمبدأ الاستقلالية، الذي يصب في اتجاه بناء قاعدة من المواطنين المتمتعين بالفكر النقدي، مما يفتح آفاقًا احتمالية لعمل جماعي ديموقراطي محافظ أو جذري، فإن ثمة تراثاً حداثياً متأثراً بعقلانية الغرب في القرنين 18 و19، حسبما يصفه الخشاب، يدعم تأفف المثقفين التنويريين من كل ما هو صوفي، باعتباره مرتبطًا بمنظومات الشعوذة بل والتخلف، وإن كان بعضهم -من الطبقات العليا، أو بعد صعود طبقي- يحتفي بالصوفية كوسيلة لملء فراغ المعنى الذي يتركه فشل مشروعات الحداثة أو فشل السياسة. لكن الباحث المصري يرى أن ذلك الخطاب التنويري القاصر، ربما يختصر الصوفية في ما قد تمثله من "بنية جماعية تنمّي الجهل والخرافات الضارة"، ويتغاضى في الوقت نفسه عما تتيحه تلك الممارسات التي ينتقدها من مساحة لممارسة قدر من التحرر الترويح عن النفس في مواجهة الضغوط الحياتية، مثلاً.

ويرى الخشاب، أن "النقد العقلاني التنويري للصوفية، لا سيما في ما يخص الاحتفالات الجماعية والمعتقدات الشعبية في الشفاعة والمعجزات، له مشروعيته. لكن هناك طريقًا وسطًا بين نقد الشعوذة وبين تقبل ممارسات غير عقلانية طالما أنها تصب في مساحات الترويح عن النفس، لا سيما بالنسبة للطبقات الشعبية ولشرائح الطبقة الوسطى التي تشاركها هذه المساحات. أضف إلى ذلك أن فكرة "سياسات الأمل" تستوعب تمامًا توظيف التفاؤل الصوفي في الموالد وفي مخاطبة ساكني الأضرحة، كوسيلة للشحن العاطفي الإيجابي لا كأداة تغييبية تكرس للجهل".

إن أهمية الصوفية اليوم، كما يرى الخشاب، هي "التعزية"، حيث إنه في فترات الهزائم أو في لحظات الضيق التي يشعر بها الفرد، نحتاج التعزية، ولهذا تطورت الصوفية من دعوات وعاظ أو تبرك بنسّاك، إلى طرق منظمة تضم أعداداً كبيرة من البشر. ويقول إنه "في الموالد والحضرات تتجلى سياسة الفرح وسياسة الأمل التي تنحو إليخا الصوفية. يتمسك الصوفيون دائما بالأمل رغم أحلك الظروف التي يمر بها الإنسان كشخص أو التي يمر بها مجتمع ما. أما سياسة الفرح فتتحقق مثلاً في المَولد، لأن ذلك التجمع يشبه كرنفالاً تُعلق فيه القوانين وتتوقف سيطرة المؤسسات على الفضاء العام لأيام معدودات، فبذلك تتحقق مساحة للحرية، بمعنى أن يشعر الناس أنهم يتولون بأنفسهم مسؤولية تنظيم حياتهم بشكل مستقل عن مؤسسات الدولة، وهو ما يرمز إليه -مثلاً- وقوف الشرطة على حدود مكان المولد وعدم تجولهم بين الناس أثناء انعقاده".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها