آخر تحديث:12:26(بيروت)
الإثنين 27/05/2019
share

من هو الطيب تيزيني؟ ملاحظات منهجية وإجابة أولية

حسام الدين درويش | الإثنين 27/05/2019
شارك المقال :
من هو الطيب تيزيني؟ ملاحظات منهجية وإجابة أولية معظم المشيدين به، من مؤيدي الثورة السورية، اختزلوه في المواقف السياسية التي اتخذها بعد 2011
"من هو الطيب تيزيني؟". هذا السؤال ليس سؤالًا خطابيًّا، بحيث لا يكون بحاجةٍ إلى إجابةٍ، كما أنه ليس سؤالًا استهجانيًّا ساخرًا، قد يطرحه كارهٌ لتيزيني ومستخفٌّ أو جاهلٌ به. السؤال استفهاميٌّ، ويهدف، ليس فقط البحث عن إجابةٍ، وإنما أيضًا إلى إبراز بعض الملاحظات/ البديهيات المنهجية التي ينبغي أخذها في الحسبان، عند محاولة الإجابة عن مثل هذا السؤال، لتجنب عمليات الملأكة أو الشيطنة، التي يقع الكثيرون في فخاخها.

تتضمن الملاحظة المنهجية الأولى التشديد على وجود جوانب مختلفة في شخصية الطيب تيزيني: فثمةٌ تمايزٌ، أو ضرورةٌ للتمييز، بين تيزيني الإنسان أو الكائن الاجتماعي (بوصفه أبًا أو ابنًا أو أخًّا إلخ)، وتيزيني الأستاذ الجامعي، وتيزيني المفكر أو الفيلسوف والكاتب، وتيزيني صاحب المواقف والنشاطات السياسية؛ وربما كان هناك مجالٌ للحديث أيضًا عن تيزيني الأيديولوجي. وعلى الرغم من الارتباط والتأثير المتبادل، بين هذه الجوانب، فإن إدراك تمايزها النسبي، أو التمييز بينها، أمرٌ ضروريٌّ بالتأكيد. وتبلغ هذه الضرورة ذروتها، عند حضور حالات الملأكة والشيطنة، حيث ينبغي نسبنة هذه الحالات وإبراز أنها تتناول غالبًا جانبًا واحدًا فقط، وليس كل جوانب الشخص المعني. وغالبًا ما يكون هناك تباينٌ واختلافٌ بين جوانب الإنسان المختلفة. فعلى سبيل المثال، كان شوبنهاور فيلسوفًا مبدعًا، لكنه كان أستاذًا جامعيًّا فاشلًا، وماركس كان فيلسوفًا عظيمًا، لكنه لم يكن أبًّا مثاليًّا من وجهة نظر كثيرين، وفرنسيس بيكون كان فيلسوفًا مهمًّا، لكن سمعته الأخلاقية لم تكن جيدةً عمومًا،... إلخ.

تتضمن الملاحظة الثانية تشديدًا على ضرورة اتسام الإجابة عن السؤال المذكور بالسمة التاريخية، بحيث تُؤخذ في الحسبان التغيرات التي طرأت على مختلف جوانب هذا الشخص والظروف الموضوعية المحيطة به، والتفاعل بين هذه الجوانب، والتفاعل بينها وبين هذه الظروف. فليس نادرًا أن يشهد فكر المفكرين والشخصيات العامة عمومًا تغيراتٍ كثيرةً وكبيرةً، قد تصل درجة أن تكون جذريةً. ففكر كانط، قبل قراءة هيوم، ودخوله المرحلة النقدية، يختلف عن فكره بعد تلك القراءة وذاك الدخول، والفكر العربي قبل هزيمة 1967 يختلف اختلافًا جذريًّا عن فكر ما بعد تلك الهزيمة. وتبدو ضرورة أخذ البعد التاريخي في الحسبان كبيرةً، في حالة تيزيني، لأن حياته الفكرية امتدت أكثر من 60 عامًا، حصل خلالها كثيرٌ من التغيرات والتغييرات الكبيرة في فكره وفي الواقع المحيط به، من جهةٍ، ولأن منهجه وفكره عمومًا اتسما، دائمًا تقريبًا، بالسمة التاريخية، من جهةٍ اخرى.

تبدو ضرورة الانتباه إلى هاتين الملاحظتين المنهجيتين، في الإجابة عن السؤال المذكور، واضحةً و/أو كبيرةً؛ بسبب عمليات الاختزال التي مورست بحق تيزيني، خلال الأيام القليلة الماضية إثر إعلان وفاته. فمعظم المشيدين به، من مؤيدي الثورة السورية، اختزلوه في المواقف السياسية التي اتخذها بعد 2011، وعمموا أحكامهم على كل جوانب شخصيته، وعلى كل تاريخه الطويل، بلا (أدنى رغبةٍ في) إدراك التمايز بين هذه الجوانب والتغيرات أو التحولات الكثيرة التي حصلت في هذا الإطار. وتجاهل هاتين الملاحظتين، أو الجهل بأهميتهما، إضافة إلى غياب أو ضعف الحس النقدي والنقد الذاتي، هو السبب الأساس الذي أفضى ويفضي إلى عمليات الشيطنة والملأكة، في مثل هذه السياقات. وانطلاقًا من الملاحظتين السابقتين، يكون السؤال: كيف يمكننا فهم العلاقة بين مختلف جوانب شخصية طيب تيزيني عبر سيرورته التاريخية الطويلة؟


في الإجابة عن هذا السؤال، أقترح الانطلاق مما أسماه تيزيني، في حواره التلفزيوني مع البوطي، "جدلية التواصل تفاصلًا، والتفاصل تواصلًا". والفكرة الأساسية في هذه الجدلية هي نفي وجود قطيعةٍ معرفيةٍ أو تاريخيةٍ (تامةٍ)، في السيرورة التاريخية للاختلاف والتغير. ونعتقد أنه من الملائم محاولة فهم كل جوانب شخصية تيزيني، وكل سيرورته التاريخية الغنية، انطلاقًا من الجدلية المذكورة، بدون الزعم بأن حضور التواصل والتفاصل في هذه الجدلية كان متوازنًا دائمًا. فنحن نعتقد أن تيزيني كان يميل غالبًا إلى تأكيد الاستمرارية والتواصل، أكثر من ميله إلى الحديث عن القطيعة والتفاصل.

فعلى صعيد منهجيته، ومقارباته المعرفية/ الأيديولوجية، نلاحظ أنه كان دائمًا (تقريبًا) ضد مفهوم القطيعة المذكور، وضد كل توظيفاته الأيديولوجية. فقد رفض القول ﺑ"المعجزة اليونانية"، وبوجود قطيعةٍ بين الفلسفة اليونانية وما قبلها، وشدد على وجود تواصلٍ واستمراريةٍ ما، بين تلك الفلسفة والفلسفات والأساطير الشرقية التي كانت سائدة قبلها. وعلى خلاف الرؤية الأيديولوجية المنتشرة لدى الإسلاميين، انتقد تيزيني فكرة وجود قطيعةٍ تامةٍ بين العهد الإسلامي والعصر الجاهلي. وعلى نقيض القائلين بالمركزية الأوروبية، تبنى تيزيني رؤية الأفغاني القائلة بوجود تواصلٍ أو استمرارٍ قويٍّ، بين الفلسفة الإسلامية في العصر الوسيط والفلسفة الأوروبية الحديثة. وعلى العكس من التحديثيين العلمانويين الجذريين، كما كان حال صادق العظم في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لم يقل تيزيني بوجوب إحداث قطيعةٍ بين الحاضر/ الراهن العربي والتراث العربي/ الإسلامي، كما قال، مع ابن رشد، بإمكانية التواصل والانسجام والاتصال، بين العفل والنقل، بين الفلسفة والدين؛ في المقابل، لم يقبل تيزيني بأي عودةٍ ماضويةٍ إلى التراث، تتجاهل معطيات الحاضر وشروطه ومتطلباته وإيجابياته، كما كان يفعل الإسلام السياسي السلفي، من وجهة نظره، بل رأى ضرورة اتسام هذه العودة بالسمة التاريخية، لا بالنزعة الماضوية، وبالسمة النقديةً، التي تسمح لها بإظهار معقولية جزء من التراثٍ الذي يمكن البناء عليه، والاستمرار معه، واستبعاد جزءٍ آخر ينبغي قطع العلاقة به، والانفصال عنه.

وعلى صعيد الموقف السياسي من السلطة المستبدة في سورية، والعلاقة معها، نجد هنا أيضًا حضورًا قويًّا للجدلية المذكورة، بين التواصل والتفاصل. فمن حيث المبدأ، كان تيزيني حريصًا دائمًا (تقريبًا) على ان يحافظ على "شعرة معاوية" على الأقل مع هذه السلطة، وكان قريبًا منها غالبًا لدرجة أثارت شبهات و/أو امتعاض كثيرين من معارضي/معادي هذه السلطة، لكنه كان أيضًا، وفي كثيرٍ من الأحيان، منفصلًا عنها، ومنتقدًا لها، إلى درجة أثارت حفيظة رجالات هذه السلطة وشبيحتها. فعلى الرغم من قناعاته الشيوعية، قبِل تيزيني أن يترك "الحزب الشيوعي" وأن ينتسب إلى "حزب البعث"، عندما كان ذلك شرطًا لتعيينه أستاذًا في جامعة دمشق. وحاول تيزيني في السنوات التالية التوفيق بين الاتجاهين الشيوعي والقومي البعثي، وظهر ذلك في نشاطه في منشورات حزب البعث و"مؤسساته الثقافية". واستنكف تيزيني عن المشاركة في التوجهات الجذرية المناوئة للسلطة، والتي بلغت ذروتها بين العامين 1979-1982، ولم يكن استنكافه ناجمًا عن (مجرد) الخوف من السلطة المستبدة، وإنما كان ذلك نابعًا من قناعته الجزئية بالأيديولوجيا التقدمية لتلك السلطة ومن رفضه الأيديولوجي/ السياسي للإسلام السياسي السلفي، خصوصًا ذاك الذي لجأ إلى التكفير والعنف وحمل السلاح حينها.

وفي التسعينيات، ازدادت درجة انفصاله عن السلطة، وبدأ نقده لها يعلو تدريجيًّا. وازدادت حدة الانتقادات، في العقد التالي على توريث السلطة وانتقالها، من الأسد الأب إلى الأسد الابن. لكن هذا الصوت العالي كان متقاطعًا ومتصالحًا، جزئيًّا ونسبيًّا، مع صوت السلطة نفسها. فالحديث عن الفساد والإفساد والفاسدين المفسدين، لم يكن غريبًا على سلطة بشار الأسد التي رفعت حينها شعار "مكافحة الفساد"؛ كما أن نصوص تيزيني عن "ثلاثية الفساد" كانت تُنشَر في الصحف السورية الرسمية، وهذا يعني أن ثمة قبولًا رسميًّا ما لها. لكن التواصل أو التقاطع بين تيزيني والسلطة بدأ يتلاشى أو يضعف تدريجيًّا، وبدا ذلك، على سبيل المثال، في حديث تيزيني عن "قانون الاستبداد الرباعي" و"الدولة الأمنية" التي حولت الشعب/ المجتمع إلى ما سمّاه "الحطام العربي". ومع قيام الثورة السورية، بدا لتيزيني أن هذا الحطام قد أصبح حطامًا مفتوحًا على احتمالات عديدةٍ، بعضها إيجابيٌّ جدًّا، مما أنعش آماله التي كادت أن تتلاشى نهائيًّا. وعلى الرغم من ثورية موقف تيزيني وتأييده الكامل والصريح للثورة السورية، فإنه ظل يرفض المواجهة الصدامية الكاملة مع السلطة الأسدية ويأمل بأن تصلح هذه السلطة نفسها بنفسها، وتخضع لمطالب الشعب/ المحتجين أو الثائرين. وعلى هذا الأساس، سعى إلى تشكيل "مجلس حكماء"، وبلغت آماله (أو أوهامه؟) درجة المراهنة على إمكانية وجود حكماء في هذه السلطة. ومع خبو هذه الآمال وازدياد ضعفها لاحقًا، ازدادت مواقفه جذريةً وانفصالًا عن السلطة، وظهر ذلك، على سبيل المثال، في انتقاده الشديد لما أسماه محقًّا ﺑ "الأبدية الأسدية".

لا يتسع المجال هنا لمزيد من التفصيل في خصوص منظور القراءة/الإجابة المقترحة، لكنني أعتقد أنه يمكن لهذا المنظور أن يسهم إسهامًا كبيرًا في تقديم الإجابة عن سؤال "من هو الطيب تيزيني؟". وفي انتظار تكامل الجهود التي يمكن أن تقدم هذه الإجابة المتعددة الأبعاد والمنظورات، أرى ضرورة الحذر من اختزال تيزيني في رؤيةٍ أو جانبٍ أو مرحلةٍ ما. وفي الوقت الحالي، وإضافةً إلى الاتجاه الذي يختزل تيزيني في موقفه السياسي، بعد قيام الثورة السورية، ثمة اتجاهٌ يضع تيزيني في خانة "الرماديين" و"الطريق الثالث أو الرابع"، ويزعم بثقافوية فكره السياسي. وإذا كان لظهور هذا الاتجاه ما يبرره في فتراتٍ سابقةٍ، بسبب تركيز تيزيني حينذاك على نقد الثقافة/ التراث/ الإسلام السياسي... إلخ، فمن الضروري أن ينتبه المتبنون، بحسن نيةٍ،  لهذا الاتجاه، إلى أن تيزيني قد تخلص تدريجيًّا من كل العوامل التي جعلت نايف سلوم وبعض الكتّاب يتهمونه أو يصفونه بأنه "ثقافويٌّ". وفي كل الأحوال، من الواضح الغياب التدريجي، ومن ثم التام، لهذه الثقافوية، الفعلية أو المزعومة، لدى طيب تيزيني، في القرن الحالي، حيث حل محلها اتجاهٌ سياسويٌّ يرى أن حصول/ إحداث تغيُّرٍ/ تغييرٍ في بنية السلطة/ الدولة المستبدة هو الشرط الأساسي حصول/ إحداث تغير/ تغيير في الثقافة والمجتمع. ففي تلك السلطة/ الدولة، التي أحالت المجتمع/ الشعب إلى "حطامٍ"، تكمن المشكلة الأساسية والأكبر، وليس العكس، كما يزعم الثقافويون.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها