آخر تحديث:08:07(بيروت)
الأحد 19/05/2019
share

لين بابين تنبش عظم البنات

روجيه عوطة | الأحد 19/05/2019
شارك المقال :
لين بابين تنبش عظم البنات تأثير مارغريت دوراس على رواية لين بابين بائن في بعض مقالبها،
من رواية إلى أخرى، تستحوذ لين بابين على اسلوب ما في السرد. وهو لا يزال حتى الآن بلا ملامح واضحة، ولكنه، في روايتها، "عظم البنات"، التي صدرت الشهر الماضي في باريس (دار ستوك)، يتسم بكونه رشيقا، إذ إنه يتيح لصاحبته ان تنتقل من مشهد أو موضوع إلى غيره بلا أي انقطاع بينهما، بل، وعلى العكس، يستوي بينهما على ارتباط. على هذا المنوال، تفتح بابين نصها بعودتها إلى الفيتنام، إلى ريف هانوي تحديدا، مسقط رأسها، الذي غادرته صغيرة مع عائلتها إلى فرنسا. وهذه العودة بمثابة زيارة مستمرة إلى تلك البلاد، بحيث ان بابين، وعلى قولها، لا تتوقف عن اكتشافها، وذلك، بغاية عقد الصلة بين ماضيها وحاضرها. على انها، هذه المرة، تكتشفها من ناحية مظلمة، أو بالأحرى مكتومة، لا حديث فيها، وإذا دار عنها، فيبتعد عن الصفة الشخصية.

تدخل بابين، ومن مطلع نصها، إلى تلك الناحية من المقابر، من طقس دفن الموتى، حيث ينزلون في اضرحتهم ثلاث سنوات، وعندما يتبخر لحمهم وجلدهم، يُسحب عظمهم إلى علب تمتلئ به. بالتالي، لا تحتوي المقابر من أجساد الموتى سوى علبهم العظمية، سوى عظمهم، اما، الباقي منها، يعني اللحم والجلد، فلا يمكن الاحتفاظ به لأنه متحلل. هذه "الخبرية" ستطبع كل رواية بابين، بحيث أنها، وعدا عن كونها مفتاحها، ترد كل الوقائع من بعدها إليها، أو تكون في كل واحد منها.

لكن المقبرة العظمية تلك تتغير مع تغير مسار الرواية، الذي يصير ذاتيا، إذ أن بابين تنكفئ عن وصف هانوي، وعن التشديد على تبدل بعض أرجائها، إلى الكلام عما تتذكره عن حالها كلما كانت فيها. المفارقة أنها لا تتذكر سوى رحيلها عنها، وعن كون هذا الرحيل قد خلف فيها نوعا من الحزن الشديد، الذي ستحمله معها إلى فرنسا، حيث سيتفاقم، ويكبر، إلى أن ترجع إلى فيتنام، ولكن، ليس بالمعنى الفعلي، إنما بمعنى آخر، يستوي على قسوة ومعاناة: تُصاب بالأنوركسيا، بفقدان الشهية، بالقُهم عربياً. ففي التوقف عن الأكل، ترفض بابين العيش في فرنسا، وتعلن شوقها إلى هانوي، متمثلة، وعلى حد سردها، بهؤلاء الموتى، الذين يقيمون في علبهم. فمع الوقت، غدت بابين بلا لحمها، أما جلدها فقد التصق بعظمها، كما لو أنه غطاؤه، وغطاؤه الشفاف أيضا.

هكذا، تنطلق بابين في سرد حكاية قهمها، محاولة وصله بعلاقتها بهانوي، ومنه، تطل على حكاية أمها، وعلى حكاية جدتها، التي كانت تعمل، واسوة بكثرة من الفيتناميات، في حقول الأرز. فتفقد بابين شهية الاكل، الا انها تتمسك بشهية التعرف على بلد، انتُزعت منه في عمر عشر سنوات، من دون أن تدرك ما هو، وعلى هذا الأساس، تمضي إلى الاستعاضة بتذكره عن تناول الطعام، أو عن اكتناز اللحم. فقد وجدت في الدرابة بما تسميه ذاكرتها اللامرئية سبيلا إلى الدراية بأسباب قهمها، الذي يحكي عن انتزاعها من موطنها إلى ما يشبه المنفى.

تنبش بابين عظم ذاكرتها تلك، ملاحظة انها عابرة في تاريخ بلدها، من عظم شهدائه خلال الحرب إلى عظم مزارعات الأرز، ثم عظم جسدها المراهق. كل هذا النبش، الذي يدور بأسلوب رشيق، وبلغة شبه مباشرة، يجعل من رواية بابين تستحق القراءة كمحاولة أوتوبيوغرافية، أو كنص استدعائي، أو تذكري خالص.

يبقى ان تأثير مارغريت دوراس على رواية لين بابين بائن في بعض مقالبها، لا سيما في وصفها لبعض المقاطع المحن والمشقات، بلا أن يعني ذلك انها تعيد تقديم الديباجة الدوراسية مثلما هي في أصلها، بل من الممكن القول انها تتكئ عليها في جمعها العظم وهيكلته، قبل دفنه من جديد. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها