آخر تحديث:08:17(بيروت)
الأحد 19/05/2019
share

ليس دفاعاً عن آلان ديلون

محمد صبحي | الأحد 19/05/2019
شارك المقال :
ليس دفاعاً عن آلان ديلون لا جدال على قيمة ديلون السينمائية، بما يجعله أكثر من مستحق للسعفة الذهبية
البهجة لكونك مديراً فنياً لأكثر المهرجانات السينمائية شهرة في العالم، لا يبدو أن تيري فريمو سيعرف الطريق إليها في دورة مهرجان كان السينمائي لهذا العام. فبدلاً من الانغماس في مزاج الشمبانيا والحديث عن ميل سياسي في اختيارات الأفلام المشاركة، وجب على فريمو، بمجرد افتتاح المهرجان، أن يشرح في جميع القنوات كيف أنه وزميله بيير ليسكور جاءا بفكرة تكريم ألان ديلون بجائزة السعفة الذهبية الشرفية عن مجمل أعماله الفنية. سيقول إنه كان ممثلاً رائعاً، خاصة في الستينيات والسبعينيات من الألفية الأخيرة. وإن جان بول بلموندو وجون بيير ليو حصلا بالفعل على واحدة، وأصبح الوضع محرجاً الآن بعدم تكريم واحد من روائح نادرة متبقية من زمن الفن الجميل، خصوصاً أنه لم يتوّج من قبل بالسعفة الذهبية رغم مشاركات عديدة لأفلامه في المسابقة الرسمية المهرجان.


لكن ذلك كان كافياً، قبل بضع سنوات فقط، كمبرر جيد، لا تحتاج لرفده بشروحات وتفسيرات. لكننا الآن في عام 2019، بعد ست سنوات كاملة من التنظيم القانوني لتبنّي أزواج من نفس الجنس للأطفال في فرنسا، وبعد 18 شهراً من بدء فوران "#مي تو" المناهضة للتحرش الجنسي. حتى في مهرجان كان، لا ينبغي للمرء أن يأمل بجدية في أن يتمكن من تكريم ممثل دون توقع النبش في تصريحاته وكلامه، للبحث عن هفوات وأخطاء واتهامات. في حالة ديلون، أثار الإعلان عن تكريمه جملة من الانتقادات من قبل جمعيات نسائية وحقوقية، رأت فيه شخصاُ غير جدير بنيل هذه الجائزة، بسبب مجموعة من المواقف له عبّر عنها علنياً عبر وسائل الإعلام سواء حول زواج المثليين وتبنّيهم للأطفال أو بخصوص المهاجرين.

ميليسا سيلفرستاين، مؤسسة منظمة "المرأة وهوليوود" الأميركية، قدمت ملخصاً للأسباب التي من شأنها إبعاد ديلون من أن يكون موضوع مثل هذا النوع من الاعتراف والتكريم: لقد اعترف ألان ديلون علناً بأنه صفع النساء. وهو مناصر لحزب "التجمع الوطني" (الجبهة الوطنية سابقاً)، المحسوب على اليمين المتطرف والمعادية للسامية، وأكّد أن المثلية الجنسية ضد الطبيعة. مهرجان كان يعلن التزامه بالدفاع عن التنوع، وتكريم السيد ديلون بمثابة احتفاء بقيمه المشينة التي يؤمن بها. جاء ذلك ضمن عريضة احتجاج على الإنترنت جمعت أكثر من 25 ألف توقيع، حتى لحظة كتابة هذه السطور، وصفت الممثل الفرنسي بأنه "عنصري ومعادٍ للنساء والمثليين". إذا كان مهرجان كان، كما قيل في احتجاجات "مي تو" العام الماضي، يريد إيلاء المزيد من الاهتمام للعدالة بين الجنسين، فإن التأثير الرمزي لسعفة ديلون الشرفية، في المناخ الحالي، يأتي بنتائج عكسية، وانتقاد سيلفرستاين أكثر من مبرر. حقيقة أنه ممثل رائع لا تستطيع تبديد تحيّزه الجنسي أو ميله اليميني بأعجوبة. لا يزال هناك شعور غريب بأن أيقونة لا جدال في جدارتها أمام الكاميرا تُكَّرم في الوقت الخطأ. في المناخ السياسي الحالي، قبل فترة وجيزة من الانتخابات الأوروبية، يمكن إعطاء العديد من الأسباب التي تجعل هذا التكريم "غير مناسب".

لا جدال في قيمة ديلون السينمائية، بما يجعله أكثر من مستحق للسعفة الذهبية التي سيحصل عليها الليلة. مع ذلك، فإن حياته مثقلة بالحلقات والآراء التي أكسبته عداء جزء معتبر من الناس. في السنوات الأخيرة مثلاً، انخفضت شعبيته، حتى إنه احتل المرتبة بين العشرة الأوائل من المشاهير الفرنسيين المكروهين في عام 2013. إدارة مهرجان كان دافعت عن تكريمها لديلون واصفة إياه "بالممثل الأسطوري وجزء من تاريخ كان". وتيري فريمو حاول التخفيف من حدّة أجواء المؤتمر الصحافي الذي عقده عقب افتتاح المهرجان، بقوله "نحن لا نمنحه جائزة نوبل للسلام، فنحن نقدره كممثل ومهنته السينمائية التي لا علاقة لها بآرائه السياسية". بيير ليسكور، بدوره، دافع عن القرار وحاول التقليل من شأن عريضة الاحتجاج "الأميركية للغاية".

لكن ماذا عن آلان ديلون نفسه؟ صحيفة "لوفيغارو" أوردت رداً مقتضباً من ديلون قال فيه: "يمكنك أن تحبّني أو لا، لكن لا يمكنك تحدّي مسيرتي". وأغلب الظن أن الممثل العجوز كان يدرك تماماً الانتقادات التي سيثيرها تكريمه، معطوفاً على تاريخ سابق حافل بجدالات أحاطت بحياته الخاصة أو علاقته بأبنائه، الذين لم يتوانوا عن انتقاده علناً، رافضين العمل بمبدأ الإبقاء على نشر الغسيل القذر داخل حدود المنزل. ولهذه الأسباب لم يرفض الأسئلة حول ماضيه وحاضره ومستقبله، في المقابلة المنشورة مؤخراً في المجلة الفرنسية "Gala"، وخيم الموت وترتيباته على أجواء حديثه. وفي بلد لا يزال يخيم عليه شعور بالصدمة جراء المعركة الضارية الجارية حول إرث موسيقي الروك الراحل جوني هاليداي، وهو رمز آخر من رموز الوطنية الفرنسية، فإن آلان ديلون قد خطط مسبقاً حتى لا يحدث شيء مماثل. هو الآن يريد الموت في هدوء، وربما يسعد كثيراً إذا وجد امرأة جميلة توافق على البقاء إلى جانبه في أيامه الأخيرة، إنساً وإلفة، رفقة كلبه الوفي المُحِب. لكن في حفل التكريم، لن يكون هناك ديلون الممثل فقط، ولكن ديلون "كله"، كشخص يجمع ضمنياً كل ما يمثله وما يؤمن به، بما يشتمل عليه هذا الكلّ من آراء منفّرة وعنصرية. وهذا يوصلنا إلى إشكالية كبيرة وهي أن حق التعبير مرتبط بواجب التعبير. فما هو حق لطرف واجب على الطرف المقابل. هل نتعامل مع أعماله وتأثيرها الفني أم مع شخصه وأرائه غير الصحيحة سياسياً؟


 في النقاشات الأخيرة حول التعامل مع الفنانين المثيرين للجدل، سواء رفضوا كفنانين لأسباب سياسية (كما في حالة الرسام إيميل نولده في ألمانيا وتعاطفه مع النازية) أو لأسباب تتعلق بجنايات جنسية (مايكل جاكسون وودي آلن)، يمثّل ديلون حالة دقيقة ورقيقة، إذا جاز التعبير: عمله على العديد من الأدوار التي خلّدته كرمز جنسي، لا ينفصل عن جسده. ومن هذا الجسد، بعدما غزته الشيخوخة والتجاعيد، يأتي أيضاً الخطاب غير المتزن الكريه. عاش ديلون طفولة صعبة بعد انفصال والديه وهو في سن مبكرة وتأسيس كل منهما عائلة جديدة، وتربى في أسرة أخرى كفلته وهو ما طبع نفسيته بطابع التأزم والمعاناة. تنقّل بين مدارس مختلفة واختبر الطرد أكثر من مرة. في السابعة عشر من عمره التحق بالجيش، وبعدها بعام واحد تطوّع لحرب الهند الصينية. ربما حاول ترويض الوحش الصغير بداخله، كما وصف نفسه ذات مرة، بإلقاء نفسه وسط رجال أشداء وأشلاء حرب. لم يكن ديلون أبداً قديساً، وتورّط في بيزنس مريب يتعلق بسباقات الخيل في باريس ورجال المافيا المحتشدين حول مكاتب المراهنات. لكنه أيضاً الممثل الخالد بأدواره في أفلام جان بيير ميلفيل (عضو المقاومة ضد النازيين) ولوتشينو فيسكونتي (المثلي العتيد).


 كان ذلك زمناً آخر، بمواصفات تقييم مختلفة ووصفات حشد مختلفة. الآن يعلو موج الصواب السياسي، إذ يوزّع أنصاره بطاقات الحظوة واللياقة، ليتحولوا إلى ديكتاتوريين أخلاقيين مهمتهم تصحيح الأفكار السابقة أو الحالية. فالدعوة لإلغاء جائزة الشرفية الممنوحة إلى ديلون في مهرجان كان السينمائي ليست سوى شكل جديد من أشكال الرقابة لم يسبق له مثيل ومختلف تماماً عن ذلك الذي عاناه غوستاف فلوبير مع "مدام بوفاري"، وشارل بودلير مع "أزهار الشر" أو جاك ريفيت مع فيلمه "الراهبة". لأن النقد كان يركّز على محتوى العمل، باعتباره غير أخلاقي، في حين أنه يركز الآن على السلوك السيئ للفنان الذي سيلوّث، بالتبعية، كل ما أنتجه، بينما عمله الفني يبقى محايداً. ولكن إذا بدأنا في إدراج أفلام وودي آلن أو غيرها في قائمة سوداء بسبب حياتهم الشخصية، فسيتعين علينا أن ننتج قناعات متتالية بأثر رجعي، مع العلم أن العديد من الفنانين قاموا بأشياء تستحق الشجب. مثل بول غوغان، الذي تخلى عن زوجته وأطفاله قبل أن يستغرق مع فتيات يانعات في  جزر ماركيساس، أو كارافاجيو، أو أندريه جيد، الذين أقام علاقات جنسية مع صبية صغار في الجزائر...

في الأثناء، ثمة مسألة أخرى يجدر الانتباه إليها في معرض ما يبدو - خطأً - كدفاع عن ديلون ضد نظام فكري شمولي جديد، أو ما شابه: القبول العام لفكرة والسعي لإبرازها. خدعة جماعية تضمّ موقعي العريضة، آلان ديلون، مهرجان كان السينمائي، جميع وسائل الإعلام، أنت، وأنا، بما إنني اخترت الكتابة عن ذلك. ولكن ما هو الفرق بين آلان ديلون وهذه العريضة التي تطغى عليه لدرجة دفعه للرد؟ الأمر بسيط للغاية: الأول موجود، والثانية غير موجودة. في عام 2019، في وقت يتنازع مناخه أوروبياً معارك ومفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وملايين التوقيعات عبر الإنترنت، فإن 25,273 توقيعاً لا يمثل رقماً موضوعيًا على الإطلاق. وبمقارنة بسيطة، على الموقع نفسه، تجمع عريضة تطالب "بحظر استيراد زعانف سمك القرش في كندا"، حتى الآن، 161,660 توقيعاً، بزيادة خمسين ألف توقيع عن عريضة أخرى تستهدف "إنقاذ حيوان البنغول من الانقراض". بالطبع أنت لم تسمع بأي من هذا كله، حتى ليبدو أن تسلسل آلان ديلون الذي تستخدمه جميع وسائط الإعلام في العالم بثاً لمباراة لم تحدث مطلقاً. أخبار وهمية مضخَّمة ومُبرَزة من قبل جميع أولئك الذين آمنوا بها. لقد قرأتَ للتو مقالاً لم أكن أحتاج لكتابته أبداً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها