آخر تحديث:13:37(بيروت)
السبت 18/05/2019
share

"تويوتا 89": كيف نقطع جذورنا عن المدينة؟

حسن الساحلي | السبت 18/05/2019
شارك المقال :
"تويوتا 89": كيف نقطع جذورنا عن المدينة؟ لا يمكن فصل فكرة التجزئة الجسدية، التي أنطلق منها في عرضي، عن الجو الذي خلقه "داعش"
بدأت بترا سرحال، أمس، عروض عملها الفني بعنوان "تويوتا 89"(*) في "هنغار" جمعية "أمم للتوثيق والبحث". وتستعير في العرض أساليب التأمل والمسرح الإبداعي من خلال تحكمه بطريقة تلقي الجمهور للعمل الفني، وهي ليست المرة الأولى التي تقوم فيها سرحال بإشراك الجمهور في "صناعة ما يشاهد"، بل فعلت الأمر نفسه في عرضها السابق "لا يتضمنه دماء" الذي أوقفت فيه المشاهدين ما عادل 20 دقيقة صمت، توزعت على زمن العرض، مؤديين بذلك "عرضهم الخاص"، كما ينطبق أيضاً على مجموعة مشاريع قدمتها سابقاً في سياقات مدينية وأمكنة عامة، بهدف التأثير في الطريقة التي يرى فيها السكان مدينتهم (جزء منها أتى بالتعاون مع مجموعة "ديكتافون"). 

في عرضها الجديد، تذهب سرحال أبعد، حيث تجهز صالة العرض بطريقة تكون فيها مريحة للجلوس والإسترخاء، وتحرص على تقديم العرض في الظلام وعصب أعين الجمهور. تبرر ذلك بقدرة الظلام على زيادة تركيز الجمهور على أجسادهم والأمكنة التي يتواجدون فيها، بالإضافة لأهميته في تهيئتهم للذهاب معها في رحلة شعورية وفكرية بين أمكنة المدينة "من دون الإبتعاد عن ذواتهم"، مستعملة تقنيات التأثير الصوتي والسينوغرافية.

التقت "المدن" مع بترا قبل العرض، وطرحت عليها مجموعة أسئلة حول الأفكار التي يدور حولها المشروع، وأعدنا تشكيل إجاباتها في هذا النص–الشهادة، لإعطاء فكرة أكثر وضوحاً عن كيفية ولادة هذا المشروع وعلاقته مع الرؤية التي تتبناها في اشتغالها الفني.. وهذا سرد بترا سرحال: 

ولدت فكرة العرض في العام 2014، خلال الفترة التي شهدنا فيها موجة تفجيرات في أحياء مختلفة من بيروت. كان الوضع بالنسبة إليّ كئيباً، ليس فقط بسبب التفجيرات، بل أيضاً بسبب أحوال المدينة المتردية وعدم قدرتي على السفر إلى خارج لبنان، ما جعلني أشعر أني مقيدة وعاجزة عن الحركة. لم يكن هذا العجز محصوراً في الخروج والدخول إلى البلاد، بل شمل أيضاً الحركة داخل المدينة نفسها، بسبب الإزدحام الدائم الذي جعل مهمة التنقل بين أحياء يفترض أنها قريبة جداً من بعضها، مهمة شبه مستحيلة أو في غاية الصعوبة. أتت التفجيرات لتعزز الشلل الذي أعيشه في المدينة، فالمجال العام كان مهدداً بأكمله وأي خروج من المنزل هو احتمال حدث عنيف. كنتُ متعلقة بشكل مبالغ فيه بالأحداث الجارية ومتعطشة لاستهلاك الأخبار وأي نوع من الشائعات حول عمليات ارهابية يمكن أن تستهدف المدينة. شعرت أن أحداً قيّدني في أرضي، وبأن الجذور التي تربط جسدي بالمكان أصبحت أقوى وأكثر إحكاماً و"تجذيراً". 

خلال تلك الفترة كانت تشغلني علاقتي بجسدي وحركته، ولم يكن يفارقني التساؤل عن علاقة فنون الأداء والرقص بالسياق المحلي. ما هذه الحركات التي نؤديها على المسرح؟ ومن أين أتت؟ وماذا تعني؟ للمرة الأولى شعرت أن هناك مساراً واضحاً لحركة جسدي وبأن تأثير العنف يتقاطع مع التجذير الذي أعيشه في المدينة. ثم عندما سافرت إلى خارج لبنان وبدأت أنظر إلى المدينة من بعيد، ازداد وعيي لهذه التفاصيل وشعرت أني بحاجة للتخلي عن التجذير العنيف الذي أعيشه في بيروت، ومن هنا أتت فكرة العرض حيث افترضت التالي: ماذا لو قمت بتقسيم جسدي إلى أجزاء صغيرة لأوزعه على أحياء المدينة؟ ألن أتخلى عندها عن هذا التجذير ويصبح جسدي أكثر تحرراً؟

أصبح التفكير في الجسد في لحظة معينة أكثر رحابة، حيث يقرر كل جزء منه التحرك بطريقته الخاصة في أحد أحياء المدينة. وبما أني أتعاطى هنا مع تخيلات حركة من النوع السوريالي، قررت استعمال اللغة والكلمات رغم الصعوبة الكامنة في ذلك، ومحدوديتها في لبنان، البلد الذي نتكلم فيه دائماً عن الحركة والتحركات السياسية والحراك ونبقى عالقين في حالة من المراوحة والشلل المزمن.

بالتأكيد لا يمكن فصل فكرة التجزئة الجسدية التي أنطلق منها في عرضي، عن الجو العام الذي خلقه تنظيم "داعش" يومها. فجميعنا اختبر "تروما" بصرية من نوع ما، لكن يبقى تأثير هذه التروما فيّ كفنانة، أكبر، ربما لأني انخرطتُ بشكل تلقائي خلال تلك الفترة في الكتابة وأجريتُ بحوثاً عن الأجساد التي كنت أراها في التلفزيون والإنترنت، وعن تاريخ قطع الرؤوس في التراث الديني وعلاقته بالفن واللوحات الكلاسيكية، كأني أخذت نفسي أكثر نحو هذه "التروما".

ولذلك، اليوم عندما أستعيد ما حصل، أحاول بطريقة ما نقده وتحرير نفسي منه وإبطال مفعوله، وعندما أشرك الجمهور في العمل الفني، لا أُحررهم من التروما، بقدر ما أريد أخذهم في رحلة تزيد وعيهم بأجسادهم، وتصالحهم معها، عوضاً عن إهمالها وتركها فريسة للعنف والمرض المخيم عليها في المدينة، وبخاصة أننا نحن (أي الراقصين وفناني المسرح والأداء) نمتلك وعياً أكبر بأجسادنا وربما تقع علينا مسؤولية نقل هذا الوعي للجمهور.

أما اختياري لسرد هذه الوقائع الحركية والسوريالية في الظلام، فهو إيماني بقدرته على تشغيل حواس الجمهور وتعزيز وعيهم لأجسادهم. فعندما أعصب العيون، لا تتوقف الرؤية، ولا يصبح الشخص كفيفاً، بل سيبصر ربما أكثر مما في الحقيقة. ومع أني أقود رحلة الجمهور وأتحكم في موضوع هذه الرؤية، إلا أني لن أفرض صورة واحدة عن "الواقع" الذي سأقدمه، وكل منهم سيخلق قصته الخاصة المتعلقة به وبذاكرته، خصوصاً أن الظلام ربما يُشعر البعض بالوحدة ويجعلهم "أقرب من ذواتهم" وما يدور فيها من أفكار ومشاعر.

(*) تستمر العروض حتى 26 أيار/مايو.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها