آخر تحديث:17:15(بيروت)
الخميس 16/05/2019
share

ليس صفير.. بل الراعي

رشا الأطرش | الخميس 16/05/2019
شارك المقال :
ليس صفير.. بل الراعي كأن صفير ليس الموضوع، بل الموضوع هو الاستمرارية المسمّاة اليوم بشارة الراعي (غيتي)

يستحق البطريرك، مار نصر الله صفير، كل الحب والتقدير والإجلال الذي دبّج رثاءه في الإعلام اللبناني والعربي والعالمي، وأكثر. فالرجل كان من صنف ربما لا يتكرر، ودوره الماروني والمسيحي واللبناني لطالما كان مجبولاً بذكائه وحنكته وحكمته، كسياسيّ، كما كزعيم ديني، وحتى كزعيم طائفة عندما عزّت الزعامات التوافقية التشاركية كوجه مُشرق للديموقراطية اللبنانية الآفلة، وإن كانت طائفية. ولأنه الصنف المهدد بالفناء، إن لم يكن قد فنى بالفعل، فلعل مرثيات صفير وتصريحات نعيه، توجب قراءة ثانية، من زاوية الباقين أكثر منها زاوية الراحل.

فسواء ذَكَر رُثاةُ صفير، من كُتّاب وإكليروس وسياسيين ومعلّقين ومعاصرين، خليفته البطريرك بشارة الراعي، أو رئيس الجمهورية ميشال عون، أو لم يذكروهما، فإن طيفَي الوريثين القسريَين، ظلّا حاضرَين بين سطور الرثاء، وفي ثنايا ترددات الأصوات الحزينة عبر الميكروفونات. ذلك أن الموت لا يُنجز تماماً إلا بعد أن يؤدي وظيفته الحية، كرسالة للأحياء، توبّخهم أو تُمالئهم، تحجّمهم أو تنفخ يومهم وغَدَهم. الموت كحقيقة وحيدة مثبتة للبشر، هي اللغة وهي السلاح، في يد الباقي، وضده، خصوصاً في وطن معلّق مثل لبنان.  

والتقسيم واضح: كل مَن يعتبر نفسه اليوم مناهضاً لـ"حزب الله" ومشروعه في لبنان والمنطقة، وللنظام الأسدي السوري، ولمجمل محور الممانعة وفي صدارته نظام الملالي الإيراني.. عظَّم في صفير صلابته وثباته في وجه "حزب الله" والنظام السوري بوصايته على لبنان، وذكّر بتطاول العماد الطموح ميشال عون وأنصاره على بكركي العام 1989، وترحّم على انفتاح صفير على المسلمين اللبنانيين، من المفتي حسن خالد إلى الرئيس رفيق الحريري إلى الزعيم وليد جنبلاط.. وإن ذهبت الحميّة ببعض هؤلاء ليسجلوا بخَفَر مأخذهم على البطريرك الراحل رفضه إسقاط الرئيس إميل لحود في الشارع، بعد اغتيال رفيق الحريري، معتبرين موقفه تكريساً للنظام الطائفي وحرصاً من القيادة الروحية على موقع رئيس الجمهورية الماروني بصرف النظر عن هوية من يجلس في هذا الكرسي وتحالفاته وأدائه. وبذلك، ربما يكون هؤلاء قد انساقوا أكثر مما يجب في عاطفتهم التي أنسَتهم المعنى والوظيفة الأصل لأي بطريرك ماروني في لبنان. وهما المعنى والوظيفة اللذان وسّعهما صفير بلا أدنى شك ليضيف إليهما صبغة وطنية لم يكن ليستطيع إليها سبيلاً سواه، وهو الذي تبوأ منصبه في خضم الحرب الأهلية اللبنانية التي عَلِمنا وذُقنا.

أما البقية، من حلفاء النظام الأسدي و"حزب الله"، القدامى والجدد، فقد استرجعوا مسيرة صفير بلهجة مغايرة. فثمة من زعم بأنه قَبِل باتفاق الطائف مُرغماً. وقيل أيضاً أنه قدّم خمسة أسماء مقترحة لرئاسة الجمهورية بعد اتفاق الدوحة، إثر الضغوط، وأنه لم يكن يفضل أحدها على الآخر، ولم يأخذ طرفاً مع حزب أو زعيم ضد آخر، في حين أن التاريخ القريب يشهد بالإساءات البالغة التي اقترفها بعض من أبرز الزعماء المسيحيين في حق بكركي وسيدها. لكن الأنكى يبقى في ما بلَغَته استماتة المقلب الممانع في جعل وداع صفير مناسبة لتجديد المبايعة لميشال عون وبشارة الراعي، وما/مَن يمثلان. فصار الراعي بطريركاً مارونياً مفصّلاً تفصيلاً للمرحلة السياسية الحالية، مثلما كان صفير لمرحلته في منصبه، على ما قال النائب إيلي الفرزلي. وقرر المطران بولس مطر صنو الحقيقة ووجهة الواقع في أن "الكاردينال الراعي يكمل اليوم خطط أسلافه لأن لدى بكركي ثوابت تجاه لبنان، والراعي سيكمل تراث صفير لأن مسيرة بكركي مستمرة من مار مارون إلى آخر الدهر". وكأن صفير، في تأبينه، ليس الموضوع، بل الموضوع هو الاستمرارية، والاستمرارية اليوم اسمها بشارة الراعي، وإذا كان لا بد من إحالة إلى نموذج وقدوة، فليكن مار مارون، إذ أن القديسين لا ينافسون البشر في أرضهم. أما جَور اتفاق الطائف على المسيحيين، فقد انتفى بفضل الرئيس عون القوي، "ما يعني أننا نحن كنا ضعفاء حين طُبّق الطائف على حساب المسيحيين"، بحسب الأب عبدو أبوكسم، الذي ذهب أبعد، في تأبينه صفير. فاستبسل واجترح أن "شعار الحرية والسيادة والاستقلال كان شعار كل الأحزاب المسيحية التي حاربت لإخراج السوري من لبنان، وعلى رأسهم العماد ميشال عون.. وكان أيضاً شعار الأحزاب الأخرى التي حررت لبنان من الاحتلال الإسرائيلي"! وكأن الوصاية السورية على لبنان ليست في صدد العودة للاستحكام – إن كانت قد انحسرت لفترة محدودة – من نوافذ "التيار الوطني الحر" أسوة بـ"حزب الله" وسائر جماعات "شكراً سوريا". وكأن الاحتلال الإسرائيلي، من قبل انسحابه، ومن بعد، لم يكن مسمار جحا الذي علّقت عليه "المقاومة"، وأعوانها الدولتيون، سلاحها الخارج على الدولة، واستخدامه في الداخل، بل واستخدامه في حرب سوريا، وقضمها المتصاعد للمؤسسات، ناهيك عن حجّة "تسييس" ملفات المحكمة الخاصة بلبنان وبالتالي شيطنتها، في حين أنها المكسب الوحيد الباقي مما كان "14 آذار".

وفي ظل محدودية المشاركة الحزبية والشعبية لكل من "العونيين" و"حزب الله" في استقبال جثمان صفير في بكركي وتشييعه، ومِن قَبل في نعيه، يتبدّى معنى "الوطني" الذي تؤديه جماعتان من أصل الجماعات الثلاث حاكمة لبنان اليوم. "الوطني" الذي يخاصم كل ما مارسه وقاله صفير في حياته. وهو في مماته، ما زال ضوءاً كاشفاً يُسلّط على الأحياء الذين، حتى اللحظات الأخيرة، يتعلقون بأرديته ليقولوا: نحن هنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

شكسبير وصَحبه الخميس 11/07/2019
المتحف الخميس 04/07/2019
أنا الشعب! الخميس 27/06/2019
المزيد