آخر تحديث:12:45(بيروت)
الخميس 16/05/2019
share

"بعد عبور نقطةٍ ما" لغيدا حشيشو.. تظاهرة المتحف 1987

منى مرعي | الخميس 16/05/2019
شارك المقال :
"بعد عبور نقطةٍ ما" لغيدا حشيشو.. تظاهرة المتحف 1987 غيدا حشيشو
ليس هنالك الكثير من الاشتغال الحركي في محاضرة غيدا حشيشو الأدائية تحت عنوان "بعد عبور نقطةٍ ما، الحركة نفسها تتغير"(*). مينمالية الأداء، المصحوبة بنص مكتوب ومادة أرشيفية بصرية، كلها عناصرُ تعيد تشكيل علاقة الجسد مع الفضاء، بصفته نقطةً تضع الأخير على المحك. فتبدو الحركة الجسمانية هنا – مهما كانت صغيرة- فعلاً يومياً خالياً من أي أدوَتَة لصالح خلق كوريغرافيا استيطيقية. فالحركة التي تنقلها المواد البصرية تصبح أداة نجاة. في هذا السياق، تتعاطى حشيشو مع الأرشيف البصري كمادة لبحث حركي بحت. والحركة هنا تتبدى في كوريغرافيا، تتناقل بين النص، وجسد غيدا كمؤدية، والصورة.   

كما ورد في التعريف، يستكشف العمل الحركيات المكانية لمعبر منطقة المتحف، بين بيروت الشرقية والغربية، وتحوّلها المستمر خلال الحرب الأهلية اللبنانية حتى العام 1987، عندما نجحت تظاهرة منظمة في تفكيك تلك الحدود ليوم واحد. أرشيف الصور الذي جمعته حشيشو، يعود لجريدة "السفير" ومقاطع فيديو من وكالة "اسوشيتد برس".

في محاضرتها النصية، تقوم حشيشو بوصفٍ دقيق للمعبر الذي تتبدل عناصره مع مرور الوقت: تلال الرمل... أحجامها... تبدل أمكنتها... المجسمات المتعددة الوسائط.. أغراض ثابتة وأشكال متداخلة. يبني الوصف لمرور الوقت على المكان، كوريغرافيا نصية تؤازرها المواد البصرية التي يتكرر بعضها بالتوازي مع إلقاء غيدا للنص. هذا الرصد لتبدل موقع التراب في دقة خالية من أي تأويلات ذاتية أو شخصنة، يحيل الى تشكيل حركي قوامه الكلمات بصفتها ناقلة لهندسة المكان. 
  
أحياناً، تعود غيدا الى الصورة وتبني احتمالات الحكاية من خلال ما غاب عن الصورة -أي  الحركة المحتملة التي لم تلتقطها الكاميرا. تبني سيناريوهات متعددة. مثال على ذلك، وصفها لكرسيين على الرصيف. تعود الصورة الى نيسان 1976. قد يكون السيناريو الأول رجلاً يمد ساقيه على حافة الرصيف، وآخر يحاول النظر الى الجهة الأخرى من فراغٍ يتسرب منه غروب الشمس. السيناريو الثاني الذي اقترحته غيدا، هو رجل يضع كتفه على كتف رجل آخر. الأول ينظر الى المصور، والثاني يقف مقابل الضوء الآتي من فراغ الجهة الأخرى. هكذا تعيد غيدا تشكيل الحركة عبر انتفائها كمادة كوريغرافية ملموسة وبصرية تعتمد على جسد راقص، لتحل مكانها مادة متخيلة. ترصد غيدا في وصفها كل شيء: المسافات، عدد الخطوات، ارتفاع تلال التراب، مواقع الضوء، الفراغات. تقول في محاضرتها: "فراغ لأن حدا جرّب يقطع من جهة للتانية"... ما هذا الفراغ. هل هو المعبر الذي يُفتح جزءٍ منه فكان فراغ؟ أم أن الفراغ ناتج عن تبدل موقع الضوء والظلال؟ أم أنه فراغ لأن حادثةً ما حصلت، لربما إطلاق نار أدى الى إغلاق الرائي عينيه وبالتالي انتفت الصورة؟

بين وقتٍ وآخر، تلعب حشيشو على حجب الرؤية والحركة. فلا تُظهر دائماً ما تصفه أو لا تؤديه حركياً بحرفيته، كما لو أنها أرادت بشكل ما أن تبتعد عن النظر الى المادة الأرشيفية كمادة وظيفية لحفظ لحظة عابرة: لم ترد غيدا أن تحفظ اللحظة بقدر ما أرادت أن تدرس التشكيلات الحركية التي تدور حول علاقة الجسد بالمكان. وربما يعود هذا الى كونها مهندسة معمارية أولاً، قبل أن تبني تجربتها في الرقص المعاصر والسينوغرافيا وفن الأداء. تنعكس تلك الاهتمامات في رؤيتها للحركة وتأديتها لها: هي حركات هندسية مبنية على زوايا أكثر منها على دوائر. تَوالي مشاهدها هو عبارة عن هياكل وتركيبات شُيِّدت بشكل منفصل لا تبني تراكماً. تبتعد قدر الإمكان عن الأحاسيس كما لو أن الجستوس الحركي هو عبارة عن مجسمات من الكونكريت تتوزع في فضاءٍ عارٍ منفلت لا تكثيف فيه وهذا ما يؤسس للمعنى. 
  


وهي تدرس من خلال الفيديوهات، سلوك الجسد عند مروره بالقرب من نقطة المتحف، قابلت حشيشو بعضاً ممن مروا على المعبر، وطلبت منهم تذكر لحظة الوصول الى المتحف وكيف كان جسدهم يتعامل مع هذا الفضاء. تقول إحدى السيدات "لما بيكون في شخص قدامي لوحدها مشيتي بتصير متل مشيتها أو مشيتو... نفس السرعة... إذا سرعت بسرع، إذا بطئت ببطئ".

من الكوريغرافيا المبنية على التفاعل بين جسد والمكان، تحاول تشكيل غيدا كوريغرافيا من نوع آخر: في مكان ما من العرض، تمتد رقعة البحث ومشهديتها لتنقل عبر تجهيز الفيديو تبدل مسارات الوصول الى معبر المتحف، من طرفي بيروت الغربية والشرقية، بين تموز 1989 وشباط 1989 وبالعودة الى العام 1982. هنا تعمل غيدا على تفكيك الصور تماماً كما فككت سابقاً مشاهد العبور الى المتحف المتعددة، لتصف حركة الحواجز والمعابر والأمكنة.. هو رقص المسارات يمتثل اذاً ليسبق ثلاث مشاهد أساسية: مشهد شاب عسكري، ينحني ليلمّ بطاقة هوية أعطاه إياها أحدهم من سيارته، مشهد ميليشياويَين يركضان في اتجاه ثم يعودان منه، ومشهد تظاهرة العام 1987 والتي دعت اليها الحركة العمالية وتظاهر فيها مواطنون من بيروت الغربية وبيروت الشرقية ليكسروا حاجز المعبر. في المشهد، تنقل الشاشة مادة الفيديو كمادة أرشيفية بحتة، لأفراد عدوا بالآلاف، كسروا سطوة الميليشيات على الفضاء العام لأربع ساعات فقط.

بالتزامن مع الفيديو، تكمل غيدا قراءة نصها. أجمل ما قيل في هذه المحاضرة، ما قاله رجلٌ قابلته غيدا وسألته عن حركة جسده. أجاب بأنه لا يتذكر، ثم ذكر تحوّل الشارع الى جهةٍ واحدة... مضيفاً أن الطريقة الوحيدة ليقدّر فيها أعداد المتظاهرين كانت برصده لكمّ التصفيق الحاصل. هنا تماهى جسد الفرد مع جسد الجماعة وأصبح كتلةً واحدة. تكمل غيدا محاضرتها خاتمةً أن تلك "الحركة" التي اخترقت منظومة المعبر، وما تحيله تلك المنظومة من هيمنة الجهات التي تمسك بزمام السلطة على المكان، "امتدت أربع ساعات". ثم تتوقف عن الكلام، فاسحة المجال للمادة الأرشيفية أن ترسم خط نهاية العرض.

(*) محاضرة أدائية، قُدمت ضمن مهرجان "سيتيرن بيروت" الذي يتواصل حتى نهاية أيار/مايو الجاري.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها