آخر تحديث:13:27(بيروت)
الأربعاء 15/05/2019
share

آغاتا كريستي مرّت من هنا

روجيه عوطة | الأربعاء 15/05/2019
شارك المقال :
آغاتا كريستي مرّت من هنا سألت كريستي، في حين تركها مدينة نمرود العراقية، عمّن سيقض مضجعها من بعدها، وبعد عقود جاء "داعش"
ثمة باب إلى التعرف على الوجه الآخر لسيدة الأدب البوليسي آغاتا كريستي، وجه الشغوفة بالأركيولوجيا، الذي أتاحه متحف اللوفر لجمهوره في باريس. هذا المدخل هو كتاب أمين معلوف، الذي صدر مؤخراً عن "دار غراسيه"، ويروي مقالب من سيرته ربطها بسيرة العالم العربي. 

يستحق الكتاب تعليقاً على حدة. لكن، ثمة شيء فيه يصلح سبيلاً إلى النشاط اللوفري حول كريستي: الإشارة إلى كون الشرق الأوسط لم يعرف قيمة ذاته، وأنه حين أضاعها، تدمّر، واليوم، الوقوف عليه، أكان في أوروبا أو في أي مكان آخر، يفيد بتلافي مصيره.

على هذا النحو، تحضر تلك المنطقة في الكتاب، وعندما تصير حديثاً ومشهداً، مع استدعاء كريستي، تتكشف عن كونها مجرد موضوع للتذكر، أي مجرد ذكرى يجب أخذ العبرة منها. فيصير تلقي كتاب معلوف كتلقي استدعاء كريستي، دعوة إلى ادراك المصير الآتي من منطقة انقلبت رأساً على عقب، علّ ذلك يعني طرده، أو طرد احتماله.

من الممكن القول أن استدعاء كريستي في اللوفر، بيّنها زائرة مثالية للشرق الأوسط، لا سيما انه، ومن خلال فيلم "جريمة في بلاد الرافدين" لتوم كليج، كما عرض "الاركيولوغ والروائية" لأوليفيا بورتون، أو محاضرة توماس تود حول الأدبية ورحلاتها مع زوجها عالم الآثار ماكس مالوان إلى كل من العراق وسوريا ومصر، قدم وثائق حول سمة بعينها تتصف بها زيارات كريستي وإقاماتها، وهي سمة الدهشة الدائمة. فكريستي لا تتوقف عن اكتشاف ذلك الشرق، بمعية زوجها وزملائه طبعاً، لكن بمعية مخيلتها أيضاً. الأمر الذي حملها على التعجب والذهول أمام كل تفصيل من تفاصيله، ليس لأنها تعاينه للمرة الأولى، بل لأنها ترى جوفه، مقارِنةً اياه مع سطحه الذي بدا لها صحراء بسراب لن يطول وقته.

لهذا، حين يقال انها أحبت الشرق الأوسط، يكون الحب المقصود هنا هو الحب لمنطقة غابرة، نزلت فيها، استوحت منها جواً شبه سحري لجرائمها، وغادرتها كمغادرة بعثة تنقيب من حقلٍ، أخرجت آثاره، وصار مطرحاً معلقاً. ومع ذلك، لا يمكن غض النظر عن علاقة متينة ربطت كريستي مع مدينة نمرود، القريبة من الموصل في العراق، خصوصاً أنها سكنت فيها وكتبت العديد من رواياتها، مثل "جريمة في قطار الشرق السريع" فيما ساعدت مالوان في الحفر والتنقيب. وجدت كريستي في هذه المدينة الآشورية، التي تدعى في الأصل "كلحو"، مدينة "خلابة، ساكنة، رومانسية، تشع بالماضي"، بالزمن الذي يفيض من نهر دجلة. شيّد الزوجان منزلاً في نمرود، وعقدا صلات اجتماعية مع محيطهما، من دون أن يكون هذا المحيط على علم بكونها روائية ذائعة الصيت في العالم. جُرف المنزل لاحقاً، لكن كثيرين ظلوا يستحضرون في مروياتهم ذكرى الزوجين البريطانيين اللذين سكنا نمرود لفترة غير قصيرة. سألت كريستي في حين تركهما المدينة، عمّن سيقض مضجعها من بعدهما، من بعد جرافات المنقبين وحفرياتهم. وبعد عقود على استفهامها، جاء "داعش"، مفجراً ما تبقى من نمرود التي صارت حضارات عديدة، واحدة منقولة، وثانية مدفونة، وثالثة ممحية. وفي كل الأحوال، منكوبة.

لا يخلص استدعاء كريستي في اللوفر سوى إلى كونها، وبحسب عبارة من رطانة وجدانية، "مرّت من هنا"، مرت من تلك المنطقة التي لا تكف عن الانقلاب إلى خراب في إثر استبداد لم يكف عن ملازمتها. بالتالي، المتلقون لذلك الاستدعاء يجب أن يتمسكوا بما عندهم من حضارة، يدركون قيمتها وينهلون منها، لكي لا تزول كما زال بيت صاحبة "موت فوق النيل" (على النيل هي العنونة الأدق) في نمرود. وأن يولد حرص على حضارة بمعاينة ما حصل لحضارة أخرى. فهذا، وبقليل من المبالغة، وأحياناً من دونها، ينذر بكون الثانية، ومثلما استوت عليه في انقضاضها، تحضر في قلب الأولى، حيث الشعور بها يتفاقم. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"