آخر تحديث:13:00(بيروت)
الثلاثاء 14/05/2019
share

طيف البطرك صفير في وديان بلاد قاديشا

وضاح شرارة | الثلاثاء 14/05/2019
شارك المقال :
طيف البطرك صفير في وديان بلاد قاديشا صفير
قد يكون "البطرك صفير"- على ما يجري اسمه على اللسان من غير تدقيق ولا انتباه، والمخاطب دوماً بـ"سيدنا" في أثناء المرات الخمس أو الست التي التقيته فيها في التسعينات المنصرمة- من أغرب الناس الذين قيض لي أن "أعرفهم" (واللفظة "عَرَف" من الألفاظ التي كانت تدعو مالرو، الروائي، إلى "التهويم" دهشة وعجباً من زعمها وتخطيها دلالتها الفعلية). فليس فيه (لم يكن فيه؟) شيء من الصفات الظاهرة التي تصف "مار" القوم، وهو "(مار) نصر الله (بطرس) صفير"، أي شيخهم وبطريقهم وطاغيتهم ومقدَّمهم ورئيسهم وزعيمهم وعقيد حربهم، أو تصف "الصخرة"، بطرس الرسول أو الحواري الذي يُدخِل الانتخاب البطريرك الجديد في بنوته، فيُنسب إليه وإلى "كنيسته". 

فالرجل، وإيحاءات اللفظة في حاله مشكلة كذلك، بموجب منصبه ومكانة المنصب التقليدية، كان "عَلماً" على الجماعة التي تأتم به، وتقر له طوعاً بـ"الرئاسة". وذلك على مثال محل الرأس من الجسد، والراعي من الرعية، وواسطة العقد الجامعة من حباته. وهي معانٍ لا تفترض المفارقة ولا العلو المهيمن. ومعنى العلو الذي قد تنهض عليه هو السمو: سمو الدالة والمهابة والصدور الكريم والمُرسَل عن نفس لا تقتصر على نفسها ولا تُدِّل بمناعتها. ولا يسعني الجزم اليوم، غداة نحو عشرين عاماً انقضت على آخر مرة تحادثنا فيها (وسألني: نحلت كثيراً؟)، في رأي نصرالله صفير في "مكانته". 

ويغلب على ظني أنه لم يحسب يوماً نفسه مقدَّماً على أحد، ولا رضي حسبان غيره له ذا مقام أو ولاية. وجوابه الثابت في كل مرة دعاه فيها محادثه إلى الإعراب عن موقف يفترض في صاحبه اعتداداً بسلطان أو ندباً إليه، كان: "من نحن ليجوز لنا مثل هذا؟". وعندما كان يُرى مترئساً رتبة القداس، أي الذبيحة الإلهية، في آحاد بكركي، مجللاً بتاج البطريركية المذهب والمرسوم على شاكلة عقد عمارة وباب، ومرتدياً المعطف الذي خيط على مقاس "عملاق"، كان يبدو على الدوام صارم الوجه مقطباً، معذباً ومرهقاً، بثقل المكانة والمرتبة اللتين يقوم التاج والمعطف منهما مقام القرينة والشارة.

وفي كلامه القليل والخفيض، وإصغائه بوجهه وعينيه وجلوسه على طرف كرسيه الفسيح محرجاً أو كالمحرج، كان يخاطب نفسه فوق مخاطبة جليسه. فيتوجه بالكلام البطيء، والمجرد من أضعف قصد خطابي، إلى البؤرة السوداء التي تتوسط عينيه الحزينتين. ويلوح على شفتيه وفيهما يُتم قديم، سبق ولادة المولود الطفل نصرالله. وتخرج كلماته، على رغم هذا، متماسكة المعنى من غير فظاظة الإيجاب أو النفي القاطعين، ومؤدية رأياً لا مواربة فيه ولا رغبة في الجرح. وإذا خطب جمهوراً، عريضاً أو ضيقاً، لم ينحُ كلامه، ولا نحت نبرته نحواً مختلفاً. والفرق الظاهر في الحالين هو ميل الرجل في الخلوات إلى ضحك أليف وودود.

وهذا مصدر عجب وحيرة. فأنى لامرء مثل جليس مداولات الأعين أن يضطلع بـ"رئاسة" جماعة "منكوبة"، على قول أمين الريحاني، بدهر سياسي مليء بالكُلوم المصرية التوراتية؟ ومعظم ساستها وكبرائها وأهل الحل والعقد فيها عقارب كاسرة، و"ذوات" تستغرقها ذاتياتها المتورمة؟ ومعظم "شركائها في الوطن" قلوبهم مليئة بغلٍّ وثأر لا يشفيان؟ وكيف اختير أستاذ الفلسفة السابق في مدارس دينية، وفي صفوف كان هدوءه يثير طلابها ويدعوهم إلى المشاكسة والصخب، على ما روى مبتسماً حين صادف لقائي أحد الرهبان "الفلاسفة" من أساتذتي في زيارته، كيف اختير رئيساً؟ وكيف قَبلَ الرئاسة؟

وهذه الأسئلة وغيرها مثلها كانت لا تفارقني لا في أثناء الزيارات ولا بعدها. وكنت أمسك عن سؤاله، في زيارتي، عن رأيه في بطرك من بطاركة الكنيسة المارونية لم أعد أذكر اسمه ولا محله من سلسلة أقرانه، انتخب بطركاً في القرن السابع العشر. ولما أراد الإعداد لسيامته في الكنيسة الكبيرة، بالديمان يومها، ودخل السخرستية، الجناح الفرعي، ليستريح ويخلو إلى نفسه ويعد العدة للاحتفال الوشيك والمرهق، انتظر أصحابه خروجه إليهم وقتاً طويلاً. وطال تأخر البطرك الجديد فوق ما يحتمل الموقف أو يقتضي. فندبوا بعضهم إلى الدخول عليه. فلما دخلوا وجدوا السخرستية خالية، والباب الجانبي الذي يصلها بسرداب خفي يفضي من مبنى الكرسي إلى وديان بلاد قاديشا وبشري والارز الوعرة ومغاورها الصخرية، مفتوحاً. ولم يعثر على أثر بعدها للبطريرك المتخفي والمنسحب. وأظن أن البطرك الصفير، حين كان يسمع بعض أنصار معارضيه- ومعارضي البطاركة سُنّة كنسية- يهتفون "أنت البطرك... يا فلان!"، ناقضين على بطريركيته، كان يبتسم. ويزوره طيف سلفه البعيد، وينظر واحدهما إلى الآخر ويسأل الطيفُ: كيف تراك بطركاً؟ فيجيبه صاحبه: أتحسبني بطركاً فوق بطريركيتك؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها