آخر تحديث:13:47(بيروت)
الثلاثاء 14/05/2019
share

شاكر الأنباري لـ"المدن": أكتب الرواية هرباً من العبث اليومي

محمد حجيري | الثلاثاء 14/05/2019
شارك المقال :
شاكر الأنباري لـ"المدن": أكتب الرواية هرباً من العبث اليومي "كثيراً ما دفعني الضجر، والفراغ، واليأس الواعي لذاته، إلى الجلوس وراء طاولة"
شاكر الأنباري روائي وكاتب عراقي مقيم في هولندا، له باع في الكتابة والرأي والثقافة. 
هنا مقابله معه حول الكتاب والكتابة والمكتبة، مع ضمن سلسلة مقابلات تجريها "المدن" بلا مقدمات...

- ما الذي يجعلك وغيرك تكتبون رواية، لماذا الكتابة؟

* كتابة الرواية هي مقاربة شخصية للحظة الوجود، يمنحها الفرد رؤيته الفكرية والجمالية والسياسية للأحداث والشخوص، وترتكز بالأساس على وعي الكاتب، وفلسفته، وسعة أفقه، وتجربته، وثقافته الشخصية. وأنا أكتب الرواية لأسباب كثيرة منها الهروب من العبثية اليومية لوجودي الزائل كإنسان، وتلوين الضجر المتكرر كل يوم، والحفر في أعماق روحي. وهي تمنحني حرية شاسعة في خلق حياة بديلة، وشخصيات غريبة، أو استحضارها من الماضي بطريقتي الخاصة. الكتابة سفر في عالم الخيال، وعادة ما يمنحني الخيال عمرا إضافيا مما يجعلني أحس، بعض الأحيان، كما لو أن عمري يزيد على الألف سنة. 

- ما الأسباب التي تجعلك لا تكتب رواية، وما السبب الذي يجعلك تكتبها، انطلاقاً من رأي كتبه ذات مرة خافيير مارياس...
 
* كل ما يحيط بنا يدفع إلى توديع مهنة الكتابة، ومغادرة مسرحها العاج بالضجيج، من حروب، ومآس اجتماعية، وزيف عالمي، وتسليع للفكر الجاد والعمق الثقافي، وعدوانية. تُضاف إلى ذلك كله الروح النفعية والتجارية لأسواق النشر، وحسابات النقد والنقاد في التعامل مع المنتج الجديد. لكن في الوقت ذاته، فكل ما سبق يدفع الكاتب أيضاً إلى مواصلة احتاجه، وتحديه للزمن، وصراخه بوجه البشاعة، وتقزيم البعد الانساني للتطور التكنولوجي، وتجبر المعارف البشرية التي تحتكرها قوى عظمى، وأنظمة كريهة تابعة تسعى لسحق الناس البسطاء. وليس هناك من أداة لرفع القفاز بوجه البشاعة سوى الكتابة، والرواية الجادة، والناجحة، تقوم بهذا الدور لحد كبير. كون الرواية تنشر الغسيل الوسخ للتاريخ الرسمي الملفق، وتنطق بلسان من لا يمتلكون الأداة للتعبير عن آلامهم وأحلامهم. وفي الأزمنة المأزومة لا يبقى سوى الكاتب الجاد، أما الكاتب الملفق فلا يتواءم إلا مع أزمنة الرخاء، لذا يصمت سريعا عند الأزمة، ويتوارى.

- بعض الكتّاب مثل بروست، كان الاستلقاء يجهز مخيلتهم وتركيزهم للكتابة، والبعض الآخر مثل همنغواي وفرجينيا وولف وفيليب روث، يكتبون رواياتهم أثناء وقوفهم في المكتب، بلزاك كان يسرف في احتساء القهوة، فيكتور هوغو كانت لدية عادة غريبة، وهي الكتابة عارياً... شاكر الأنباري ما عادته الغريبة في الكتابة؟

* تخطر لي فكرة مفاجئة بعض الأحيان، أفيق في منتصف الليل، لأفتح جهازي، وأمضي إلى صفحة بعينها من الرواية التي أنشغل بها. ثم أضيف تلك الفكرة لتوسيع مشهد، أو صياغة تتمة لحوار، أو لإضافة لغوية في جملة صغيرة، وأحس وكأن أحداث رواية من مئات الصفحات تسبح هناك في رأسي دائماً. ويحدث لي أن أرى لقطة يومية تستثيرها جملة، أو حوار عابر في الشارع، أو وصف لهيئة إنسان ما، فأسارع لتركيبها على فصل من فصول الرواية. بعض الأوقات أستثير خيالي بالخمرة، فأتحول إلى ممر لعبور اللغة والمشاهد والأفكار نحو الشاشة، فيخالطني شعور بأن الكاتب لا يعدو أن يكون ناقلاً لمشاريع وحكايات وقصص تدور هناك في السماء، وهي تستخدم حساسية الكاتب، وثقافته، وقاموسه اللغوي، ورؤيته للوجود، كي تتخلق، وتنمو، وتذاع بين البشر عبر الكتابة، وأسمي العملية كلها الموهبة، وهي بطريقة ما مثل السعادة، على قدر قامة الإنسان، كما يقول الفرنسي أندريه مارلو. ولا أمتلك طقوسا خاصة في الكتابة، وكثيرا ما دفعني الضجر، والفراغ، واليأس الواعي لذاته، إلى الجلوس وراء طاولة الكتابة مع فنجان قهوة، وسيجارة لا غير. 

- ما النصائح التي تقدمها في كتابة الرواية، هل الاعتماد على الموهبة أم القراء أو الفكرة أم البوح؟

* كتابة الرواية جهد شاق، يتطلب من المرء تكريس حياته كاملة لها. ما يسمع، ويقرأ، ويعمل، ويحلم، ويطمح. هو بحاجة إلى دراسة اللغة التي يكتب بها، ومعرفة مجتمعه الذي يعيش فيه، وينبغي عليه النزول إلى الشارع والساحات العامة والمقاهي لمعرفة الناس، وعليه أن يقرأ مئات، بل وآلاف التجارب الروائية، ثم نسيانها، على عادة شعرائنا القدامى. وله إلمام بالتجارب البارزة في الرواية، وقراءة مدارس النقد التي تخص تطور الأساليب والبنى الفنية في الكتابة، وله خبرة بتاريخ لغته وتراثها، وكل ما يوفر له العدة والوسيلة لكتابة رواية. لكنه رغم ذلك لن ينتج عملا مهما بالضرورة، حيث يبقى ثمة شيء ناقص في ذلك، ألا وهي الموهبة، رشة الملح على الطعام. وهذه لا تمنح جزافا، ولا تعطى لأي شخص، كل الأمر يعتمد على بنية الفرد عينه من توازنات روحية، وحساسيات جمالية، ونباهة في التمييز بين العادي والمهم والأهم، وسعة أفق له صلة بسعة الحياة ذاتها، وقدرة على المجالدة والصبر وشجاعة البوح والإيمان الصلب بالذات، والعري أمام الجميع، أي القراء.


- عندما تنتهي من كتابة رواية، ماذا تفعل؟

* أعود إلى القراءة، فعبر القراءة أستعيد مخزوني من الكلمات والخيال ولذة الخلق، وعادة ما تكون قراءات منوعة، تسد نقصي الثقافي في التاريخ، وفقه اللغة، والروايات، والفلسفة، وتطور العلوم، الفضائية منها على وجه الخصوص. فالعلوم تسحرني، وتشدني، وأعتبر العلم اليوم هو البديل الحقيقي عن الأديان، خاصة اكتشافات الفيزياء والأحياء والفضاء. وكنت محظوظا لأنني تخصصت بدراسة علمية هي الهندسة، مما هيأ لي قدرة على فهم الأسرار والاكتشافات تلك. ووفرت لي حيزا من الدقة. ما نفتقده في مجتمعاتنا العربية هي الدقة، في الصناعات، في كتابة الجملة، في كشف التلفيق والتضليل، وقد وصلت المجتمعات الحديثة، المتطورة، إلى مستواها الحضاري الحالي بسبب العلوم. والعلوم لا يمكن فهمها، وإتقانها، سوى بامتلاك العقل العلمي الدقيق، فهو يقف على النقيض من الخرافة، وهي السائدة في مجتمعاتنا الشرقية مع  الأسف.

- كيف تصف علاقتك برواياتك بعد صدورها، هل تعيد مطالعتها، هل ندمت على كتابة بعضها؟

* لا أقرأ رواياتي بعد طبعها، بل وأحسها غريبة عني، ويخالطني الخجل بعض الأحيان وأنا أقرأ مقالاً نقدياً عنها، فأمرّ على النقد بسرعة، ولا أعود له ثانية. لكني لا أندم على شيء أنجزته، كوني مقتنعاً بأن نتاجي كان ثمرة لقدرتي الفنية والأسلوبية والجمالية في مرحلة الكتابة. وأنا لا أؤمن بالرواية المتكاملة، فالإنجاز الروائي سيرورة متواصلة، حتى الروائيون العظام لم يبلغوا الذروة فجأة، أو برواية واحدة، ففي كل عمل مشهور، وشائع، هناك ثغرات، وضعف، وعثرات. وفي النهاية ما يحكم على العمل الفني ليس وجوده الآني، بل عبوره للزمن، وتعدد قراءاته، ومثل ذلك ألف ليلة وليلة، ودون كيشوت، وروايات ديستويفسكي وماركيز ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف، وسواهم من المعلمين.

- أي روايات عالمية تتمنى لو أنت كاتبها، وأي كاتب تتمنى تقمص أسلوبه؟

* في بداية مسيرتي الروائية كنت أقرأ ما يقع بين يدي من روايات، العالمية والعربية، في نهم متواصل لمعرفة أجواء الروايات وأساليبها، فقرأت لمعظم الأسماء المحترفة في فن الرواية. ووقعت تحت تأثير رواية أميركا اللاتينية، وعلى رأسها ماركيز وأرنستو زاباتو وماريو بارغاس يوسا، من دون أن أغفل القدرة الهائلة للكتّاب الروس في مقاربتهم للواقع وتياراته ومشاغله، فسُحرت بديستويفسكي وتشيخوف وتولستوي، إلا أنه من العسير تقليدهم، فمادتهم الروائية تختلف نوعياً عن المادة التي أعتمدها في رواياتي. نجيب محفوظ كان يلفت انتباهي هو الآخر، لما يمتلك من قدرة مذهلة لتطويع الواقع المصري، واللغة العربية، في بناء رواياته، ولا ننسى أن تطويع اللغة العربية السائدة، لكتابة رواية مهمة، حديثة نسبيا لحداثة الرواية كفن في ثقافتنا. ومن العراقيين فؤاد التكرلي، لأنه يستعيد بيئة بغدادية لم أعشها، وكذلك غائب طعمة فرمان في بعض من رواياته. وقد ساهمت الترجمة، في العقود الأخيرة، بقسط هائل في تقديم آخر التجارب الروائية العالمية، إسبانية وأميركية وإيطالية، ولم تعجبني الروايات اليابانية والصينية لسبب بسيط هو صعوبة تذكر أسماء شخوص الروايات، ذات الايقاع الغريب على أذني، رغم أنني قرأت تجربة هوراكي موراكامي وكواباتا. وفي فترات لاحقة ذهبت إلى القراءة المحترفة، أي قراءة تجربة روائية بشكل كامل، كافكا في كل رواياته على سبيل المثال، كونديرا، بول أوستر، تشيخوف، نايبول، ايزابيل الليندي، فرجينيا وولف، وسواهم. قرأتهم من أجل الوصول إلى أسرار البناء الروائي لديهم، وقد أفادتني بعض الأحيان في معالجة لمفاصل معينة في سرد رواياتي، أي استعارة أداة فنية بعينها لمتابعة السرد. لكنني من كل ذلك كنت أسعى للوصول إلى صوتي الخاص في الرواية، اعتمادا على البيئة المحلية، ونمط التفكير، والأحداث الواقعية التي عشتها، أو سمعت بها، لكي أصل إلى رواية بنكهة عراقية، روايتي أنا. فكرة تقليد أسلوب بعينه لم تعد تغريني، ورحت أفضل خبزي الخاص حتى وإن جاء بنكهة غريبة للقارئ العربي.

- كيف تعيش بين كتبك ومكتبتك، وكيف تصف بدايات علاقتك بالكتب وشرائها أو سرقتها أو إعارتها؟

* كففت عن أن تكون لي مكتبة بيتية، منذ اقتناء الآيباد والتابليت، فالقراءة الألكترونية صارت توفر لي مكتبات العالم كلها، وعلى الرغم من أنني أسست أكثر من مكتبة خلال حياتي، في العراق وسورية والدنمارك، لكنني في النهاية كنت أتركها ورائي وأمشي. لقد تنقلت بين بلدان عديدة، ولم استقر فترة طويلة في بلد بعينه، كما لو كنت لعبة هشة بين أذرع الظروف القاسية والتحولات الكبرى المفاجئة، والعنف المتصاعد، والغربة الدائمة في عالم تحكمه الفوضى. كنت محكوماً بإحساس عميق بأن وجودي في أي بقعة من العالم هو وجود مؤقت، حتى حينما سكنت في بلدي العراق، ويخفي ذلك الاحساس ربما عمق العبث المتراكم في داخلي، والقناعة الفلسفية القائلة بمحدودية الإنسان، وسرعة زواله. لا احتفظ حتى بنسخ من كتبي ورواياتي، ولا أأسف كثيرا لعدم طباعتها ثانية، وأتمثل بالحكمة المعروفة: قل كلمتك وامض، وأكثر ما استطعت إيصاله في حياتي أنني قلت للزمن هامسا: أنا هنا، وهذا يكفي حسب ما أعتقد. 

(*) أمضى شاكر الأنباري طفولته في مدينة النجف. غادر العراق العام 1982 حاملاً مخطوطات رواياته، ولم تصدر الأولى منها "شجرة العائلة" حتى العام 1994. دمّر صاروخ أميركي منزل أسرته تماماً، وقتل معه 11 شخصاً، وأصاب نحو 30 آخرين، وفقد والده الشيخ حسين حميد الأنباري ووالدته واثنين من إخوانه واثنين من أبنائهم وعدداً من أبناء عمومته وأقربائه. عاد إلى العراق العام 2003، قبل أن يغترب مرة أخرى العام 2007.

النتاج الروائي:
• "شجرة العائلة"، "الكلمات الساحرات"، "ألواح"، "موطن الأسرار"، "كتاب ياسمين"، "ليالي الكاكا"، "الراقصة"، "بلاد سعيدة"، "نجمة البتاوين"، "أنا ونامق سبنسر"، "مسامرات جسر بزبيز"، و"أقسى الشهور".

النتاجات الأخرى:
• "أنا والمجنون وقصص أخرى" (قصص)، 1995.
• "أسوار أوروك" (مقالات)، 2003.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها