آخر تحديث:13:59(بيروت)
الإثنين 13/05/2019
share

نصرالله صفير.. موت في زمن الانزلاق الكبير

روجيه عوطة | الإثنين 13/05/2019
شارك المقال :
نصرالله صفير.. موت في زمن الانزلاق الكبير مجد لبنان
لقد أعطي مجد لبنان، ذات مرة، إلى البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، ومن بعدها، بقي معه. الآن، مع رحيل صاحب الطلعة الرزينة، يتمنى المرء ان يكون قد احتفظ بذلك المجد، ونقله معه إلى مثواه الاخير. إذ إنه بهذا يحميه من وضع اليد عليه، ومن جعله عنواناً من عناوين انزلاق البلاد، وبكل وضوح وبلا توقف، إلى ما كان قد سماه الفيلسوف الكندي آلان دونو "حكم التفاهة"، إلى هذا الحكم الذي يقود البلد إلى أن تصير جيباً من جيوب القمع على أنواعه. فأن يموت المجد مع صاحبه، أن توافيه المنية مثله، هذا ما ينقذه، فيصير مجداً منصرماً بدلاً من أن ينقلب في إثر انزلاقنا الكبير إلى وضاعة راهنة.

إعداد جنازة بقايا القيم التي كان يتحلى بها لبنان، وعلى رأسها الحرية، هذا أفضل من تركها عرضة لتنكيل حكم التفاهة فيها، أفضل من التفرج عليها في حين نقضها. ربما من المؤسف أن يغدو السبيل إلى حماية تاريخ من الاضمحلال الذي يتغلب فيه على تماسكه، هو دفنه، وليس الاتكاء عليه، وليس مواصلته. لكن، مع ذلك، يظل وقع الأسف خفيفاً، مقارنة مع أن نشهد على تدهوره ومصادرته. لقد بدأ رحيل البطريرك في العام 2011، ومن البداية هذه حتى النهاية، اي حتى فجر البارحة، شهد، وبصمت، على ما لم يحبذ أن يشهد عليه: تحويل صرحه من السياسة إلى الخوف، من كونه قِبلة من قبلات الاستقلال إلى بيت من بيوت الممانعة، ومن مواجهة ديكتاتور العالم بشار الأسد، إلى مغازلته، والتكلم من منبر مجزرته عن حقوق الإنسان.

شهد صفير، وخلال ربيع المغرب والمشرق، على خريف البطريركية، على تحولها إلى مجرد كنيسة هلعة، تُجاري، تتذلل، ولا تتوقف عن الدعوة - ويا للرسالة - إلى كره كل لاجئ، وطرده. كل ما عمَّرَه صفير، عاد ورآه ينهار بسرعة، كما لو أنه لم يشيّد الا الهباء. لا بد هنا من التخيل بأن صفير قد رحل متحسراً، ليس على سقوط بكركي فقط، إنما على سقوطها أمامه أيضاً، وتحديداً على سقوطها من عليائه، الذي حاول بقدر الإمكان ألا يزيح عنه بلغته وسكينته وفطنته. فحتى حين حاولت ثلة من الحانقين، في العام 1989، أن تهبط به، بدا أنه يرفعها اليه.

حالياً، ينتقل لبنان إلى مرحلة سيئة للغاية، توصف بانتمائها إلى ما قبل العام 2005، إلى زمن الوصاية الأسدية. لكن هذا الوصف ليس دقيقاً. ففي ذلك الزمن، كان ثمة مَن يقاوم تلك الوصاية. أما اليوم، فلا مقاومة فعلية. الانزلاق كبير، ويتسع لكل شيء، من الإعلام بوصفه آلة لتعميم الانحطاط، إلى الثقافة بوصفها معمل تدويره، ومن الاقتصاد باعتباره تخطيطاً لأزمة تلو الأخرى، إلى السياسة كضامنة لكل خطة. هكذا، تنزلق البلاد إلى حكم التفاهة، وهكذا يتفاقم انزلاقها إلى أن تستقر في حضيضها. رحيل صفير يسرّع الانزلاق. أو بالأحرى، شكّل هذا الرحيل، منذ العام 2011، شرطاً من شروط الانزلاق اياه.

عاش صفير مئة عام، قرناً تقريباً، عاصر تاريخاً بأكمله. وعندما مات، بدا أنه ترك هذا التاريخ على توقفه، على دوران وقائعه بلا أن تنتمي اليه، بل إنها تدور لإزالته. واحدة من مآسي لبنان أن تاريخه، وعلى وصف نيتشه للطبيعة، يقفز ليتجسد في شخص، ومع موت هذا الشخص، يختفي معه، والوضع نفسه ينسحب على أكثر من أمر. كأن هناك شخصاً تاريخياً، ولا تاريخ. كأن هناك شخصاً سياسياً، ولا سياسة. إلا التفاهة هنا، فهي أشخاص وأوضاع ومواقف وقرارات ونجاحات ومناصب وخطابات. إلا التفاهة هنا، هي سلطة وحُكم. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"