آخر تحديث:10:25(بيروت)
الأحد 12/05/2019
share

جبران باسيل الفوتوغرافي... مكرَّماً ومبايِعاً موالياً

وضاح شرارة | الأحد 12/05/2019
شارك المقال :
جبران باسيل الفوتوغرافي... مكرَّماً ومبايِعاً موالياً "المقاوم" الجديد حلقة من حلقات توطين المسيحيين اللبنانيين في "دولة المقاومة الإسلامية"
 تشهد الصورة الفوتوغرافية التي أثارت بعض اللغط في دائرة جبيل الانتخابية، وعلى ألسنة بعض سياسييها "المعارضين"، على استلام جبران باسيل- رئيس التيار الوطني الحر خلفاً لعمه ميشال عون رئيس الجمهورية اللبنانية، والنائب عن دائرة البترون المجاورة، ووزير خارجية الدولة اللبنانية مرة ثانية في وزارتي سعد (الدين) الحريري- باسماً وهانئاً ومنتشياً، فراغةَ قذيفة مدفع ميدان (من عيار 107  كتلك التي قصفت بها قوات السلام المعزز السورية بيروت وجوارها، في شتاء 1989، منذ صبيحة 14 آذار، الميمونة على نحوين مختلفين)، هدية و"تحية تقدير ومحبة" من "حزب الله".


ويظهر الرئيس النائب الوزير، و"الوصي" على العهد "القوي" على زعم بعضهم، متقدماً رهطاً من أربعة رجال يحوطونه ويحفونه، هو خامسهم. ويتشارك توسط العقد مع رجل معمم، رجل دين شيعي. ويتقاسم الإثنان، على قدر من المساواة لا يصنع أرجحيةً على رغم قرب "الرئيس" من عدسة آلة التصوير، حملَ فراغة المقذوف النحاسية واللامعة. ويعود إلى باسيل، الكاشف عن نواجذه كلها على نحو غير مسبوق إذا أسعفتني الذاكرة، وضع يده اليمنى على وسط الفراغة، ويتولى الشيخ، إلى يمين معاليه حمل المقذوف من طرفيه. فهو، الشيخ، مصدر الهدية وصاحبها. والوزير الديبلوماسي متلقيها. وعلى صفحة المعدن، كتب أصحاب الهدية: "تحية تقدير ومحبة"، وتحتها "معالي الوزير المقاوم"، وبخط عريض ورُقعي: "الأستاذ جبران باسيل".

ويتوجه الأربعة، صاحب العمامة وصاحب المعالي ومقاتلان خلفهما، إلى بؤرة خارج الصورة لا شك في انها مركز اهتمامهم. وليس رجماً ولا رمياً في عماية الخلوصُ من نظرات الأعين الثماني، وانتباه الوجوه الأربعة، إلى أن البؤرة غير المرئية تتولى الكلام والخطابة، وتشرح الشرح المبين دلالة المشهد العميقة ومعناه الباطن. وأثلج الشرحُ صدرَيْ سماحته ومعاليه، فأضاء الاغتباط السحنتين الكريمتين، وأشرق النور في الأعين، وفاض منها على خدود مليئة عرتها حمرة ليس الحياء أو الخجل السبب فيها. وجمد الإثنان في لحظة وحدت الإهداء والقبول والعرفان، وجلت فرادة الجمع والتوحيد.

ويخرج من فوهة الفراغة علما الحزبين، الأصفر والبرتقالي، وعلمان لبنانيان، وكأن لكل علم حزبي "لبنانه"، على قول جبران خليل جبران السائر. إلا أن توازن عدد الأعلام، إذا جاز القول، لا يعوض اختلال المشهد الجسدي والمعنوي. فالمكرَّم (أي باسيل)، واللقب رتبة من الرتب المفضية الى القداسة في المصطلح الكنسي الماروني، يبدو في الصورة وحيداً في وسط من يكرمونه. ومن قد يكون من عزوته في الخلف، ينشغل بهاتفه الخلوي. فإلى سماحة الشيخ الذي يتربع واقفاً في وسط الصورة ومحورها، قيافةً وألواناً وتشريفاً وابتساماً، يكاد المقاتل الحليق الرأس، والواقف حارساً وراء الزائر الضيف، يحضن ضيفه، ويضبط حركته. وبينما تستخف الوزير "المقاوم" فرحةُ التكريم في انتظار التطويب والرسامة، ويشاركه المعمَّم مقتصداً بعض الفرحة، ينفصل المقاتلان الواقفان خلف الرجلين المركزيين من المشهد، ويَصْليان الخطيبَ الذي لا تلم به عدسة المصور نظرة مقطبة ويقظة وكأنهما يتوليان رعاية أمن صاحبي السماحة والمعالي، ولا يباليان بما يسبغه الخطيب المغيَّب على المكرَّم الشاهد من مديح.

وتروي الصورة، مع الخبر الذي يقوم منها مقام حكايتها أو مقام شرحها والذيل عليها ("ليجاند")، بَيْعةً مموَّهة أوكل أداؤها "الوصي" على العهد. وبموجبها "يقبل" المبايعُ رفعه، أو بالأحرى ترفيعه وتصعيده إلى رتبة "مقاوم". ويُدخل الترفيع من هو، أو كان إلى حينه رئيس كتلة برلمانية رئاسية أولى، ورئيس حزب الكتلة والحاكم بأمره فيها، ووزيراً مفوضاً و"مختاراً" (على قول الإيرانيين في الوزير "فوق العادة") ومتصرفاً، ومفاوض وزراء الخارجية الكبار، وبعض الرئاسات المُلهَمة (على شاكلة الروسية)- يُدخِل الترفيع من هذا شأنه في سلك يعلو الأسلاك الأخرى جميعاً، هو سلك "المقاومين". والشارة التي توقع صك الوسام أو الرسم هي فراغة العيار الأعظم، وغنيمة حرب مشتركة غنمها فرع الحزب الحرسي في لبنان من الإرهاب "الجهادي". وكان الجيش اللبناني، على قول الحزب، عضده فيها وساقَتَه. وكان الحزب طليعةً ومقدمة، على عادته الإعلامية والتلفزيونية في حروبه الحقيقية والمتخيلة كلها.

والصورة الفوتوغرافية الحسية مَسْرحةٌ، أو هي تمثيل مسرحي على العلاقة السياسية التي تربط الفريقين، التيار العوني والحزب الحرسي، واحدهما بالآخر. فالرجل المكرَّم يتربع رسمياً واسمياً في رتبة أدنى من قمة السلطات الظاهرة في الجمهورية اللبنانية. ويُفترض، وهو نفسه يحسب أن ذروة الإقرار بفضائله هي رفعُه الى كرسي رئيسه الذي ناب هو عنه في رئاستين، رئاسة الحزب ورئاسة الكتلة النيابية. ولا يتستر الرجل على سعيه المستميت في الأمر. وعلى نحو رئيسه ومثاله، يحتاج باسيل في سبيل غايته حاجةً ضرورية وحيوية إلى "تفويض" صاحب الكلمة الفصل: "من يقضي في (إعلان) حال الطوارئ ويُعرِّف الصديق (ويميزه من) العدو"، على قول كارل شميدت، الحقوقي الألماني و"صديق" السلطان النازي في بعض أوقاته.

ويحتاج الحزب الحرسي في لبنان إلى ولاء "الحزب" المسيحي السياسي والإداري، وإقراره بتصدر عداوة "إسرائيل" (المعنى، وليس الكيان والاسم على الوجه الذي يحمله عليه البيرق الحوثي اليمني) السياسات كلها. وذلك بعد أن أنشأ الحزب الحرسي في المركز والطرف كيانه على أركان "إسرائيلية"، عسكرية مباشرة واعتقادية وإيديولوجية. ويدفع الولاء المسيحي السياسي الظاهر عن التسلط الحرسي تهمتي المذهبية الجزئية واغتصاب السلطة عنوة. ويرسي هذا الولاء التسلط بالقوة، أو الغلبة العصبية، على الإذعان والقبول الطوعيين. ويحتكم إلى انتخابات، نيابية وبلدية ومهنية، تبدو مصدِّقة لزعم الطوعية الحرة.

و"المقاوم" الجديد حلقة من حلقات توطين المسيحيين اللبنانيين في "دولة المقاومة الإسلامية" السلطانية، وفي المحل الثاني منها. وتكريمه، على ما تفشي الصورة وتصرِّح، يُعلن تسليمه لمكرِّميه بصدارتهم، وبعلو مرتبتهم على مرتبة الدولة اللبنانية التي يمثلها الوزير العتيد، ويتولى مع حزبه وأصحابه إلحاقها بسلطان مقاتلي الحرس وعلمائه ووكلائه. وذلك أن "الحلفَ" بين الحزبين يعرج عرجاً فاضحاً. فالحزب الحرسي الخميني يحضر (في) الحلف المزعوم جامعاً شروط التمثيل العصبي كلها (أو معظمها): فهو يمثل (معظم) شيعة لبنان الإماميين سياسة وحرباً وهوية وقيماً دينية واجتماعية وأخلاقية وجمالية ومصالحَ (على ما يرى اليوم هؤلاء مصالحهم). وسياقة هذا التمثيل استثنائية من غير شك، ولكنها فعلية.


وعلى خلافه، يسهم الحزب المسيحي العوني في الحلف عارياً من شروطه ومتعلقاته وسماته التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية كلها أو معظمها. فطوال تاريخها المديد قدمت الجماعات المسيحية ("اللبنانية") التعريفَ الاجتماعي على سلطة العصبية المتماسكة، وإرادةَ الأفراد على مُسكة الجماعة وأعرافها، والتعاقدَ على التقليد الموروث، واستجابةَ دواعي الحاضر المستجدة على التمسك بـ"مبدأ" الولاية، ونثرَ الحياة اليومية على "الملاحم" المجلجلة والخطابية. وكان الغرب الأوروبي، في مقابلة السلطان المملوكي ثم السلطان العثماني ومن خَلَفوا الإثنين إلى يومنا، حليفَ الترتيب والتقديم هذين. وانتُخب القطب المسيحي بـ"سلاح المقاومة"، على قول أحد دعاتهم غيرَ مُكذب، وليس بمقومات الاجتماع المسيحي.

وحين يبايع الحزب المسيحي العوني الحزبَ الحرسي على صدارته السياسية – العسكرية يتنصلُ من المفارقة التاريخية، الاجتماعية والمصلحية والثقافية، التي أنشأت على هيئة جماعة من يدعي أنصار الحزب العوني الأول تمثيلهم. ويزعم تقليدُ الوصي العوني ورسمُه "مقاوماً"، من رتبة عاشرة على الأرجح، اختصارَ الجماعة المسيحية اللبنانية، ومن ورائها الجماعات الاخرى، في معيار سياسي عسكري فقير وثانوي. ويزعم كذلك تجريدَ الجماعات كلها، وفيها الجماعة الإمامية، من مقومات تاريخها ووجوهه الكثيرة والمتنازعة، ورميَها لُقمةً معلوكة في معدة سلطان جائع. ومثال الجمهورية ذات الرأسين، الرأس السيادي الأمني والرأس التنفيذي (على قول سوداني شاع) يسري في "دول" عربية وإقليمية كثيرة ويفتحُ طرقاً جديدة وواسعة أمام تجدد الحروب الأهلية.

وعلى هذا، يتربعُ في السلطة طرفان: طرف يمثل نصف المشروعية أو ربعها، وطرف ثانٍ يستقوي بالأول ويتنازل له عن مقومات تمثيله السياسي والاجتماعي الذاتي. فيحكمُ الأول من وراء ستارة الثاني، ويشترك الثاني في الحكم جزاء تنازله للأول وتمويهه على جماعته. وهذا من "المعاجز" الاقليمية، على قول قديم لعلي أكبر هاشمي رفسنجاني.

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها