آخر تحديث:13:06(بيروت)
السبت 11/05/2019
share

الرواية بين هجمات السوشال ميديا وتوحُّش التكنولوجيا

شريف الشافعي | السبت 11/05/2019
شارك المقال :
الرواية بين هجمات السوشال ميديا وتوحُّش التكنولوجيا يظل الفن الروائي وعاءً متجددًا متمددًا يتسع للغة العصر
يظل الفن الروائي وعاءً متجددًا متمددًا يتسع للغة العصر، ومتَّجَهًا موضوعيًّا وحدسيًّا ينطلق من تربة الواقع الحقيقي والافتراضي صوب فضاءات المستقبل وأبنية الخيال واللامعقول واللامتوقع، الأمر الذي يدفع مقولات وشعارات من قبيل "زمن الرواية" و"السرد ديوان العرب الجديد" من دائرة النبوءة والاحتمالية، إلى محطات التيقن والثبوت والرسوخ.

فصحيح أن "ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي"، شابته، أواخر إبريل/نيسان الماضي، الأمراض المزمنة المعهودة في كرنفالات المجلس الأعلى للثقافة ومعظم الفعاليات الرسمية التي تنظمها وزارة الثقافة المصرية، مثل حشد أكثر من 250 باحثًا وأكاديميًّا في عدد محدود من الجلسات، وتكرار أسماء المشاركين في دورات سابقة للملتقى وبعض عناوين الدراسات والأطروحات، ودعوة نقّاد من غير ذوي الحنكة والأمانة وممن سبق اتهامهم بالسرقات العلمية، وما إلى ذلك من أخطاء إدارية وبيروقراطية باتت مألوفة في المشهد الثقافي البائس المتكلس. لكن الملتقى الروائي، في دورته الأخيرة، بدا مختلفًا وإيجابيًّا في جانب جوهري من وجوهه وفعالياته.

هذا الأمر المدهش، الذي جاء مغايرًا للمعتاد في دورات الملتقى السابقة، هو انفتاح قدر غير هيّن من أوراق الملتقى على الأفلاك الجديدة والتجريبية التي تحلّق وتدور فيها الرواية المعاصرة بأجنحة غير نمطية ووسائل وتقنيات لم تكن مطروقة منذ عهد غير بعيد. وقد شكلت الأبحاث الجيدة والجادة في هذا المضمار، نسبة مقبولة، في الإطار العام للملتقى، الذي جاء بعنوان "الرواية العربية في عصر المعلومات".

هذا المحور الأساس للملتقى، بحد ذاته، على عموميته واتساعه، يمثل إرهاصة ونقلة نوعية في مسار الخطوات التقليدية التي وسمت عناوين الدورات الماضية منذ تدشين الملتقى في العام 1998، ومن تلك العناوين السابقة: "خصوصية الرواية العربية"، "الرواية والمدينة"، "الرواية العربية الآن"، "الرواية العربية إلى أين؟"، "تحولات وجماليات الشكل الروائي".

ولقد كان ملاحظًا في الدورات السابقة أنها، رغم تمسّحها بمحاولات استشراف أبجديات العصر وقراءة مستجدات الفن الروائي، فإن منصاتها ومنطلقاتها وخطوطها العريضة جاءت محافظة منحصرة في إطار ما هو كائن وموروث ومستقر من أطياف السرد الروائي الدارجة.

بالتصاقه بالثورة المعلوماتية، فتح عنوان الدورة السابعة لملتقى القاهرة الروائي، الباب على مصراعيه، أمام رؤى واجتهادات ومقاربات حديثة لقراءة الرواية، كان من الصعب تصوّر طرحها من قبل داخل أروقة المؤسسة الرسمية المنحازة إلى الماضي بتوجهاتها ومعتقداتها وآلياتها.

ورغم ضيق وقت المناقشات، وتهافت إدارة الندوات والموائد المستديرة، فإن مجرد اتساع كتّاب أبحاث الملتقى لعناوين ومجالات مبتكرة، لهو بحد ذاته مكسب ملموس، ومن هذه المدارات الجديدة: الرواية والتوحش التكنولوجي، الرواية الرقمية، الرواية التفاعلية، منصات السوشيال ميديا والرواية، تقنيات السينما والرواية، الرواية وتداخل الأنواع، تحول أدوات الاتصال إلى مادة روائية، توظيف تقنية فايسبوك في الرواية العربية، السرد البوليسي، الإنسانيات الرقمية، وغيرها.

لم تأتِ هذه العناوين من فراغ بطبيعة الحال، حيث اندرجت الإشكالات والمباحث المتعلقة بالرواية العربية في مجموعة من المحاور التي أطلقها الملتقى، ومنها: تقدم علوم الاتصالات وعلاقته بالرواية، تأثير البنية المعلوماتية على البناء الروائي، ملامح التجريب فى الرواية الحديثة، الرواية العربية في عصر الصورة، رواية الغرافيك، تأثير وسائط الاتصال الحديثة على رواية الخيال العلمي والفانتازيا.

من ثنيات الأبحاث والأطروحات الوفيرة التي قدمها أكثر من 250 ناقدًا وروائيًّا من مصر وقرابة 20 دولة عربية وأجنبية، يمكن التوقف عند بعض النماذج والمداخل العصرية والمتطورة للتعاطي مع الرواية العربية المعاصرة، تلك التي باتت محاصرة بين هجمات السوشيال ميديا وتوحُّش الصورة والتكنولوجيا.

لقد دخل العالم المعاصر، بحسب ما التقطته كاميرا الباحث أمين الراوي، في زمن التوحش التكنولوجي المثير. فيومًا بعد يوم، تتجاور بنية الإدهاش الخرافي وبنية الشيء الملموس في معادلة غريبة، يتماهى فيها المعقول واللامعقول، والمفيد والجميل. وهذا اللامعقول ينسحب أمام زحف المعلوماتية المتجددة جيلًا بعد جيل، ليدخل في باب المعقول والعادي، وهذا الانقلاب المتسارع بوتيرة جنونية يتموقع داخل الذات الإبداعية الروائية من خلال تموقعه في المجتمع، حيث الذكاء الاصطناعي ينافس الذكاء البشري، وبذلك تأخذ الاكتشافات التكنولوجية المذهلة مكانها في اليومي الاجتماعي العادي وفي الثقافي العام وداخل السردي الروائي.

هكذا، تلعب شعرية التوحش التكنولوجي دورًا في خلخلة جماليات المرئي (زمن الصورة)، وفي الوقت نفسه تعمل على تثوير السرد الروائي. فكلاهما مرتبط بالآخر، يؤثر ويتأثر، فلا رواية من دون مشاهدة، لأن المُشاهَد (المرئي) هو جزء أساسي في السرد، والسرد لا يعتمد اللغة فقط، بل العين أيضًا. ومن ثم، فقد أحدثت شعرية التوحش التكنولوجي، انقلابًا في القيم الجمالية السردية الروائية، إذ غيرت كثيرًا في فلسفة الزمن السردي، كما أحدثت زحزحة في مفهوم الجغرافيا، أو الفضاء السردي، حيث أصبح ممكنًا ببساطة توسيع هذا الفضاء، لما تقدمه التكنولوجيا من إمكانات تسخّر الخبرات المعرفية بشكل سريع ومذهل ودقيق للروائي.

وتأتي رواية "حارس الفيسبوك" للكاتب شريف صالح، مثالًا واضحًا لتجسيد تأثيرات السوشيال ميديا على النسيج الروائي وعوالم السرد، من حيث الفكرة والبنية والأخيلة والصياغة، فالعالم الافتراضي هنا هو الفضاء الروائي، وهو بديل الواقع والحلم في آن. ويشكّل توظيف تقنية الفيسبوك في هذه الرواية، وفق ما ذهبت إليه الباحثة أريج خطاب، مغامرة حداثية، وانتهاكًا للمألوف، فعالم الفيسبوك هو أرض الخلاص من أعباء الواقع ومشاغله ومسؤولياته، وملاذ من الهموم، وبراح حر للتنفيس عن المكبوت والممنوع.

من خلال "فيروس" يطلقه أحد "الهاكرز" مستخدمًا "اللينكات"، تنهار جمهورية افتراضية، وتُنتهك خصوصيات ملايين البشر، وتفسد حياتهم بفعل الفضائحية ونشر رسائلهم على الملأ. ولعل المفارقة الأبرز التي لمستها الباحثة، هي استخدام الروائي تقنيات الفيسبوك والعوالم الافتراضية من أجل إبراز الطبيعة البدائية للإنسان، من حيث التجرد من جميع القيم الحضارية والإيديولوجية، والتخلص من القيود، وهدم الحدود والحواجز، وإزالة الأقنعة.

وإذا كانت الرواية تتسم عبر تاريخها بأنها وقورة، لا يقترب منها إلا الكتّاب والقرّاء المتمرسون، فإن رياح الشبكة العنكبوتية قد اقتحمتها بقوة، ففرضت عليها التعاطي طوعًا أو قهرًا مع الكلمات والأشياء في محيطها، بشكل مغاير. وإذا كانت الرواية تعتمد منطق التعمق والتأني والمعالجة الرصينة، فإن منصات السوشيال ميديا تعتمد منطق السرعة، وربما التسرع، في تفاعلها مع الأحداث والوقائع، وسعت إلى فرض ذلك على الأدب عمومًا، خصوصًا الرواية.

هكذا، فإن تيار التواصل الاجتماعي، وفق أطروحة الباحثة بديعة الراضي، جذب الكثيرين من كتّاب الرواية، الذين وجدوا ضالتهم في هذا التفاعل السريع، بخاصة في الشق المتعلق بضمان تواصل أوسع نطاقًا مع القرّاء، بغض النظر عن التصورات والاعتبارات المتعلقة بالكتابة والنقد والنظريات والمذاهب والخلفيات المعرفية والثقافية والتاريخية، ولا يبدو أن التسرع في صالح المؤلفين بطبيعة الحال في ميدان الرواية، والأدب بصفة عامة.

ولا يخفى تأثير فن السينما وإبهار الصورة على تكنيك الرواية العربية المعاصرة، وكذلك رواية الغرافيك، خصوصًا إذا كان الروائي من عشاق وممارسي الفن السابع كمصور أو مخرج أو كاتب سيناريو أو ممثل، أو في حالة تطلعه إلى تحويل عمله المكتوب إلى فيلم سينمائي أو دراما تليفزيونية مصوّرة.

من هنا، تغلغلت تقنيات السينما في كتابة الرواية الحديثة، ولذلك، مثلما ارتأت الباحثة بثينة الناصري، فقد يصوغ الكاتب روايته بما يشبه السيناريو الجاهز للسينما، من تقطيع المشاهد، والمزج، والفلاش باك، وتنقّل الوصف كما تنتقل الكاميرا من كادر إلى آخر. وقد أسهمت هذه التقنيات في الخلط الزمني، والتداخل بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن المقاصد والإمكانيات الأخرى في الرواية العربية المعاصرة، ما يمكن تسميته "السرد البوليسي"، وذلك في ظل موجهات تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتفاعل الثقافات، وقيم ما بعد الحداثة التي تلقي بظلالها على الأدباء والروائيين خاصة، حيث جرى تطعيم الرواية بالرقمنة، والإنصات لسرعة الوسائل التكنولوجية، والاستجابة إلى إكراهاتها.

في هذا الصدد، عرجت الباحثة آمنة بلعلي على استفادة الرواية العربية مما يجري اليوم من صراعات من آثار الحروب، والرقابة الجديدة، وذلك بالتأسيس للكتابة الروائية البوليسية، استثمارًا للثقافة العالمية وفتوحات "شفرة دافنشي"، وهو ما يطرح تساؤلات إشكالية حول مدى استجابة آليات التجريب في هذا المضمار لحاجيات الأمة العربية النفسية والسوسيوثقافية، وهل هذا النوع من الكتابة يوحي بمستقبل مختلف للسرد، يدخل الرواية العربية في فضاء أوسع كجزء من المشهد الثقافي العالمي؟

وفي ما بعد الفورة السينمائية، هناك الثورات المعلوماتية، والاتصالاتية، والتكنولوجية، والرقمية. ولقد تشكلت أدوات الاتصال في الفن عمومًا كتعبير عن واقع معيش، وليس الإنسان بمعزل عنه، إذ يرتبط الفن الروائي بالنزوع نحو التجارب الجديدة، والتجريب في الشكل والموضوع، متأثرًا بالواقع الاجتماعي، بل وينحاز له عادة، بخاصة إذا كانت التجربة هي حياة يومية يمارسها الإنسان، وتضغط على كل الوقائع المحيطة بعالمه، وتنسج بوجودها حالة فريدة، ورائدة في الخلق الفني.

إن الرواية في أحد أوجهها الأخرى كذلك نشاط فكري وفني وثيق الصلة بالظرف التاريخي، ومن ثم فإن أدوات الاتصال من منظور دراسة الباحث أشرف الخريبي تصبح هي المادة التي تؤطر للبناء الروائي، وتخلق بذاتها عالمًا من الدوائر البنائية التي تحمل طيات السرد نحو آفاق مغايرة، بفضل ثورة التكنولوجيا التي اجتاحت العالم.

لقد تحولت وسائل الاتصال والسوشيال ميديا (التخاطب من بُعد، فايسبوك، تويتر، واتساب، فيبر، سكايب، تاجو، ماجيك آب، وغيرها) إلى مادة روائية بين عناصر البناء الروائي، تشكل بوجودها منفردة أو مرتبطة بسياقها هذا الهاجس والدافع لتنوع معطيات الرواية، هذا التحـول الـذي أحـدث وابتكـر مـادة جديـدة للبناء الروائي، متعددة ومُتوالدة من ثـورة التكنولوجيـا بعـد حصـارها وتمددها الشـغوف علــى الحيــاة.

في هذا السياق، يمكن القول إن ثورة موازية قد حدثت في الكتابة الروائية، قوامها وفق المدخل الذي تبناه الخريبي، خلق أساليب وأنماط إبداعية مغايرة للسائد والمألوف، تعتمد على أدوات الاتصال كسياق اجتماعي تاريخي، كأي فعل اجتماعي للفرد/الكاتب، الذي يمزج بين قضاياه الخاصة المتاحة، وبين قضايا التقنية المرتبطة بأدوات الاتصال.

هكذا، ببساطة، يصير عالم النص ومادته الـتي ينبني عليها السرد ويقيم حوارته وتسـاؤلاته لاكتشاف مسارات متنوعة لموضوعات الرواية، ضــمن ســياق أدوات الاتصال التي هيمنت على الواقع وأقامت السرد. وفي ظل تأثر الإبداع الروائي بهذه الثورات التقنية، تبلورت الرواية الرقمية العربية، التي استخدمت الإمكانــات الهائلــة للصــور الفوتوغرافيــة والرســوم المتحركــة والمؤثــرات السمعيــة والبصــرية والروابـط التشــعبية، وغيرها، ومن ثيماتها رواية "الهايبرتكست" التي يكتبها فرد واحد، و"الرواية التفاعلية" التي قد يشترك فيها أكثر من مؤلف، وتتيح إمكانية مشاركة القرّاء في توجيه أحداثها ومساراتها البنائية.

إن بناء الرواية التفاعلية مـرتبط بمتغيرات عدة، وهي التي اتخذها الباحث حمزة قريرة فضاء لأطروحته، ومنها نـوع البرمجيات التي تتيح تقــديم النص بكل حمولته اللغوية وغـير اللغويــة، وإمكانــات انفتاحه علــى المتلقــي عــبر إشــراكه في العمليــة الإبداعيــة، كــذلك مــتغير التحــول مــن الــورقي إلى الإلكتروني، فطبيعة الكتابة المختلفة تجعل نظام التصوير يختلـف والأخيلـة تتبـدل، بـل إن جماليــة الــنص ومعاييرهــا تتبــدى بأشــكال أخــرى غــير الورقيــة الثنائيــة البعد، وهناك أيضًا العلامات غير اللغوية، التي صارت فاعلًا رئيسًا في الرواية التفاعلية يضيف إلى النص الكثير، بل يعد مقومًـا مهمًّـا كاللغـة في بنائهـا.

وبالإضـافة إلى هذه الإشـكالات على مستوى البنـاء والتقـديم، تبرز مشكلة رقمنة الروايات الورقيـة وإظهارها على أنهـا تفاعلية، ولكـــن بالتدقيق فإنها تبدو ورقية في الأصل، مما يجعلها تحمل خصائص لا يمكـن أن تقدم كـثيرًا على المستوى التفاعلي. أما على مسـتوى التلقـي فـالأمر أكثـر خطـورة، فالاسـتراتيجية النصية التي تنبني عليهـا الروايـة التفاعليـة لا تتوافـق وأفـق توقع المتلقي العربي، ولا تتمشى في كــثير من الأحيان مع الاســتراتيجية الذهنيــة القبليــة التي بناها العربي حول قراءته للرواية، لهذا فالاستعداد الجمالي للتلقي غير موجود، مما أدى إلى العزوف عن تتبُّع مثـل هـذه الروايـات، وانحصـارها في دائـرة ضـيقة تحـوي الدارسـين والمهتمين دون المتلقي العربي الحقيقي، وبهذا تبرز بعمق مسألة التلقـي العربـي للروايـة التفاعليـة.

وفي النهاية، بغض النظر عما بلغته أبحاث "ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي" من درجات التقصي وطبقات التعمق في بحور وفضاءات الرواية الجديدة، بأشكالها وأنساقها المبتكرة، فإن هذا التوجه النقدي المغاير بحد ذاته خطوة لها مؤشرات إيجابية في مشهد ثقافي متحجر قائم على الاجترار وعبادة الماضي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها