آخر تحديث:13:32(بيروت)
الجمعة 10/05/2019
share

"طريق البيت" لوائل قدلو: ماذا يضيف الذاتي إلى التخيّلي؟

علاء رشيدي | الجمعة 10/05/2019
شارك المقال :
  • "طريق البيت" لوائل قدلو: ماذا يضيف الذاتي إلى التخيّلي؟
    أمومة
  • طفولة
    طفولة
  • أبوة
    أبوة
تبين الدراسات النقدية أن النتاجات الفنية الأولى لمبدعيها غالباً ما تعتمد على ما تجود به الذات، أي ذات المبدع نفسه. أول قصيدة لشاعر هي مستمدة من مشاعره ووجدانياته الخاصة، وفي الرواية يغلب أن تكون رواية الكاتب الأولى هي سيرته الذاتية، وكذلك الحال في الأفلام السينمائية الأولى لمبدعيها، ترتكز إلى السيرة الذاتية.

لا ينتقص الإستلهام من الذاتي من قيمة أي عمل فني. مثلاً، فإن السيرة الذاتية لمارسيل بروست، والتي كتبها في أجزاء معنونة "البحث عن الزمن المفقود" كانت عملاً فنياً أثر في تاريخ الرواية برمته، لما حملته هذه السيرة الذاتية من أسلوب سردي وتقنيات أدبية، وبالتالي فإنها سيرة ذاتية حوّلت بتاريخ الرواية، وهي مثال على أهمية الطروحات الذاتية في تاريخ الفنون.

لا يؤثر العنصر الذاتي سلباً أو إيجاباً على تقييم العمل الفني، لأن التقييم يجري على النتيجة الأخيرة، الصورة النهائية التي سيظهر عليها العمل الفني. يقول الناقد نديم جرجورة، عن فيلم "طريق البيت" ضمن موجة من الأفلام الوثائقية العربية التي تتكئ على الذاتي لكي تعالج مقولات أخرى سياسية، اجتماعية، وثقافية: "ما يفعله وائل قدلو في طريق البيت جزء من حراك وثائقي عربي، غير متردد عن وضع الذات أمام مرآة نفسها وعائلتها ومجتمعها".

لكن ما هي الحكاية التي يختارها المخرج وائل قدلو هنا من سيرته الذاتية لتكون موضوعة فيلمه الأول؟ وما الذي يميزها في إطار الفكرة، وعلى مستوى المعالجة لتستحق أن تكون فيلماً جديداً؟
 

تجري أحداث القصة في حي الميدان الدمشقي، حيث مشروع جسر المتحلق الجنوبي، الذي تنفذه الحكومة لربط العاصمة بالمنطقة الجنوبية وبالمطار الدولي. يلتهم المشروع البيوت ذات أسلوب العمارة العربية. يلتهم الفسح الشرقية التي تتوسط المنازل ببرك المياه وأنواع الأشجار. وللقول إن البيئة الثقافية التي تجري فيها أحداث القصة، بيئة محافظة، أهمية في قراءة اللاحق من أحداث الفيلم.

تشترط (إتحاد) وهي امرأة عاملة تعيش في ذلك الحي، على (صياح) سائق التاكسي الذي يتقدم للزواج منها، ألا تغير من أسلوب حياتها أو من طبيعة شخصيتها بعد الزواج، خصوصاً رفضها لوضع الحجاب. وبعد فترة زواج قصيرة تنهار العلاقة بين هذا الثنائي، بعدما أثمرت عن ابن، وائل، وهو صانع الفيلم. يسافر والد وائل إلى الكويت للعمل، ولا يعود إلا بعد أن يكون وائل قد بلغ من العمر خمس سنوات، وكذلك والدته تغيب أو تغيّب عن حياته، لصالح أن تقوم جدته، أم أبيه وفيقة، بتربيته. فيقابل وائل والده للمرة الأولى في الخامسة من عمره، ويقابل والدته بشكل واعي للمرة الأولى في الثامنة عشرة من عمره.

إذاً، التيمة الأساسية المستعارة للفيلم من السيرة الذاتية لصانعه، هو العيش في صراع داخلي بين المشاعر تجاه الأم البيولوجية، وبين المشاعر تجاه الأم المربية. وائل قدلو يقدم ذاته وخصوصياته قرباناً لمقاربة هذه الموضوعة بطريقة جديدة، وهي موضوعة سنعي أهميتها حال النظر إلى بعض معالجاتها عبر التاريخ.

الأم المربية، والأم البيولوجية

لدينا حكاية "حكم سليمان" المشهورة التي تروي كيف استطاع سليمان الحكيم أن يحكم حكما عادلاً في قضية امرأتين احتكمتا إليه في طفل ادعت كل منهما أنه ابنها، فلجأ إلى حيلة وهي شطر الطفل شطرين لتأخذ كل منهما شطراً، فأبت الأم الحقيقية أن يشطر الولد، وآثرت التنازل عنه، فحكم سليمان لها بالطفل.
 

أما في الحكاية الصينية، فهناك معالجة وحكم آخر للقصة ذاتها. يقترح القاضي الصيني رسم دائرة طباشير يوضع فيها الطفل، ويطلب من كلتا السيدتين المتنازعتين أن تشد الطفل من ذراعه ناحيتها، فالتي تستطيع إخراجه من دائرة الطباشير ستكون هي الأم الحقيقية، لأن قوة الأمومة أكبر. فبينما نجد في الحكاية الأولى أن الأم الأفضل هي التي تأبى أن يتعرض ابنها للأذى، في الحكاية الصينية تكون الأم الفائزة هي الأم الأقوى دون اهتمام لما سيتعرض له الطفل من أذى.

في مسرحيته "دائرة الطباشير القوقازية"، يعالج برتولد بريخت أيضاً هذه الموضوعة، ويقدم رؤية جديدة عن حكاية الحكيم سليمان وكذلك ما هو جديد عن الحكاية الصينية. فبريخت في مسرحيته إلى جانب الأم المربية على حساب الأم البيولوجية، إن الأم برأي بريخت هي التي أنقذت الطفل وعنيت به، ولذلك فإن الأم المربية أحق من الأم البيولوجية في تبعية الطفل لها، فالأم بالنسبة لبريخت هي تلك التي تبذل الجهود، ولا تكفي البيولوجيا لتبرير أحقية أخرى.

في فيلم "طريق البيت" مقاربة جديدة للموضوعة ذاتها، لا تتوافر في أيٍ من الأمثلة الواردة سابقاً. فالمقاربة التسجيلية – الذاتية في "طريق البيت" لا تسمح ان تتصرف الشخصيات كما لو أنها شخصيات تخييلية في حكاية يجب في النهاية أن تصل إلى مقولة أو حكمة معينة. فالفيلم تسجيلي يرصد واقعياً طبيعة الشخصيات، أفكارها، ودوافع سلوكها، دون تحكم بمعنى أخير ونهائي في الحكاية. وهذا يحسب لوائل قدلو في تقديمه لحكاية عائلته، فهو يعرض تماماً الإشكالي، يعرض تلك اللقطات حيث ترفض الشخصيات المصورة أن تناقش، يسأل الأسئلة التي يعرف أن أحاديثها لن تكتمل على الشاشة أمام عدسة الكاميرا، إنه ليس آبهاً بتصوير شهادات شخصيات تكون ملائمة أو ممتعة لفيلم سينمائي، بل يريد أن يظهر ما أمكن من حقيقة الشخصيات، لينقل إلى المشاهد أسئلة الحكاية. وهي جرأة ومغامرة شديدة من قبل المخرج، خصوصاُ في فيلم على هذه الدرجة من الذاتية.

مصداقية الشخصيات

شخصية والدة وائل، (اتحاد)، هي التي تضيف إلى هذا الفيلم أسئلة جديدة عن الحكاية، هي لا تهادن، حتى الآن بعد انقضاء كل هذه السنوات على الحكاية. تقول لوائل ابنها: "لقائي وزواجي بوالدك كان غلطة"، وترفض أن تضحي بحريتها والعيش وفق آراءها ومعتقداتها لأجل أن تستمر علاقتها بوالد وائل. وعن غيابها تقول لوائل في الفيلم: "لقد أخبرتني أن الأم الحقيقية هي تلك التي تربي، وليست تلك التي توّلد"، وحين يبرر وائل أنه كان في التاسعة من عمره حين أخبرها هذه الجملة، وأنه غير واع لكامل مضامينها، لا تأبه (اتحاد) لهذا التبرير.

عند نهاية الفيلم تقول (اتحاد) لابنها: "في النهاية، أنت لن تشعر تجاهي كما لو أنني الأم الحقيقية، وأنا لا أشعر تجاهك وكأنك كباقي أبنائي"، فتلغي بذلك أية احتمالية للمصالحة النمطية التي تجري غالباً في هذا النوع من الحكايات، والتي تعود فيها الحال إلى ما هو ملائم ومناسب للأخلاق العامة، كما نرى في البرامج التي تعرض قصصاً اجتماعية من هذا النوع.

في "طريق البيت" المصالحة لا تتم، الغفران النهائي لا يتحقق، وهذا ما يجعل الفيلم مميزاً، لأنه يفضل أن يقدم حقيقة الشخصيات، طبيعة أفكارها وصدقية الشهادات التي أدلت بها، مضحياً بالمقولات الأخلاقية، والنهايات التصالحية.
 

المخرج هنا يراهن بعمق على الذاتية، وعلى خصوصية هذه الحكاية من سيرته الذاتية، والأهم هو خياره بالإبقاء على شخوصها العائلية بما هي عليه، بغض النظر عن الحكم الأخلاقي الذي سيصدر عن المتلقي. لا يكتمل طريق وائل المخرج إلى البيت عبر صناعة فيلم عن العائلة، كما كان متوقعاً من قبل المشاهدين. وبصدقية الفيلم يضع وائل قدلو أمامنا سؤالاً جديداً: ماذا لو أن العمل الفني فشل في رأب الصدع المتراكم في المجتمعات؟ ويقدم حكاية هذا الفيلم الذاتية كمثال مبين على إمكانية حدوث ذلك.

(*) عرض الفيلم في إطار فعاليات مهرجان "شاشات الواقع" القائم في سينما ميتروبوليس – صوفيل، في بيروت حتى 12 – أيار – 2019.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها