آخر تحديث:13:24(بيروت)
الثلاثاء 09/04/2019
share

الباسيلية الضائعة بين طانيوس شاهين ويوسف بك كرم

محمد حجيري | الثلاثاء 09/04/2019
شارك المقال :
  • 0

الباسيلية الضائعة بين طانيوس شاهين ويوسف بك كرم باسيل في زغرتا (الوكالة الوطنية)
لا مفرّ، أمام المراقب أو الكاتب أو الناشط في وسائل التواصل الاجتماعي، برغم سماجة الواقع، من التعليق على تغريدات جبران باسيل، خصوصاً حين يلجأ معاليه الى إبراز "أشبهياته" أو استحضار رموز وقادة من الماضي والحاضر في أقواله وجلساته ومناكفاته وأحلامه "الخلاصية"، ووعوده السحرية وسفراته السندبادية وجولاته على المغتربين أو "المنتشرين" بحسب توصيفه. ومراقبة المشهدية الباسيلية يستخلص منها المرء، بعض مآلات السياسة اللبنانية الجديدة وفن خطابتها، وطريقة تعاطي بعض أركانها ورهطهم مع الوقائع والتواريخ والحقائق بأشكال فصامية ومزاجية وانتقائية وتحريضية (وباسيل هنا نموذج ليس وحيداً). فاستحضار القادة و"الأبطال الشعبيين" و"الطائفيين" مردّه، قبل كل شيء، محاولة ارضاء وجدان المناصرين والزبائن وزعزعة بعض المصالحات أو السياسات، التي لا تناسب الخط السياسي المتبع، بأي ثمن.

فباسيل، صاحب المعالي ورئيس التكتل والحزب، يمجد تفاهماته وتسوياته واتفاقاته، ويزدري مصالحات الآخرين لأنها تقوم بين حزبين على زعمه، وهدفه هو الهيمنة واستنهاض العصبيات حوله، في المناطق والدساكر والشعب. ففي كل زيارة من زياراته المناطقية، يحاول شيطنة كل منافسيه وخصومه وحتى حلفائه، وهذا جزء من سلوكه السياسي وركن من أركان خطابه الفايسبوكي والحزبي واللفظي والتلفزيوني، سواء أكان يتحدث على مقربة من بنشعي حيث يجول في زغرتا، أو في لقاء خاص حين يهاجم بري وينعته بـ"البلطجي"، أو في مهرجان عندما يهدد حكومة حليفه سعد الحريري، أو هو لم "يتعلم من الماضي" كما قال جنبلاط بعد قداس دير القمر. يهاجم هنا وهناك بلا تردد. وبلا تردد أيضاً، يأتي مصحوباً بعدسات الإعلاميين، يستعرض في مجلس الوزراء، ويصف سياسياً فائق الاعتدال، مثل تمام سلام، بـ"الداعشي". لكن حين تصل الأمور الى "الأخ الأكبر"، تنتهي اللعبة والحكاية والفيلم. فرئيس تكتل "لبنان القوي"، ينظر الى أمين عام "حزب الله"، حسن نصرالله، على أنه من "القديسين" بحسب ما كشف مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله"، وفيق صفا، في ذكرى توقيع "تفاهم مار مخايل"... وبين تدعيش تمام سلام، وتقديس نصرالله، يمكن تأويل بعض الكلام واستنباط العبر والمعاني وتشخيص الذهنيات.

فالتدعيش ما هو إلا جزء من الخطاب الطائفي، الذي يسعى الى مزيد من التطييف والشحن وركوب الموجة. وهو ومحاولة هزيلة للاستقواء على الآخر، باعتبار أن خطاب الإرهاب كان موضة سياسية ربّيحة، إعلامياً على الأقل. أما التقديس، بمعنى تقديس أصحاب القوة والسلاح، فهو ينم عن وهن وخضوع تام للباب العالي، ودخول في اللاسياسة، بلا أي تردد أو اعتراض...

على أن الوجه الآخر للخطابة الباسيلية، يكمن في توظيف أسماء بعض الشخصيات السياسية "التاريخية" واللعب على وترها. ففي إحدى جولات الاغتراب، نُسب إلى باسيل قوله للمغتربين المسيحيين: "أنا سأنسيكم بشير (الجميّل) وكميل شمعون". وراجت تأويلات عن باسيل وطموحاته. فأن يتحدث عن شمعون وبشير، فهو بذلك يتطرق إلى الرئيسين الأشرس في تاريخ الرؤساء الموارنة في لبنان، ومن دون شك يلعب باسيل هنا على الوجدان وحلم "الجمهورية الأولى" والمجد الغابر. ويمدح أحد صحافيي موقع "التيار العوني"، باسيل، و"ديناميته الفوّارة التي لم تألف لها بعض الطبقتين السياسية والإعلامية، وهما اعتادتا الخمول السياسي والكسل الفكري والتسليم بمشيئات المؤثّرين والأبواب العالية". ويزيد الصحافي من تقريظه قائلاً: "لم يلمس يوماً عارفو جبران باسيل أنه، على سبيل المثال، يتمثّل بشخصية بشير الجميل. هو لم يقتبس يوماً من خطبه. لم يلهج يوماً بعباراته أو فكره. لم يمشِ يوماً مشيته (السياسية- العسكرية)، أو يرتدِ بزّته المرقّطة ونظّاراته السوداء الشهيرة. مع ذلك، ثمة من يصوّره على أنه النسخة المحدّثة من بشير، وصولاً حتى وصفه بأنه أكثر دهاء ومكراً".

لا يخفي بعض المراقبين أن الحالة العونية كانت مزيجاً من بشير الجميل وكميل شمعون، لكن ما هو المآل الذي انتهت إليه الظاهرة الشمعونية؟ والظاهرة البشيرية؟ هنا موضع النقاش...

أبعد من ذلك، كثيراً ما يلجأ باسيل الى استحضار رموز المناطق والعصبيات المحلية (الموارنية تحديداً). فخلال جولته في زغرتا، قال: "تاريخنا ليس بعيداً من تاريخ يوسف بك كرم الذي تآمر عليه الجميع لكنه كان بطلاً". لم يقل الوزير القوي أوجه التشابه بينهم وبين يوسف كرم، وربما كان هدفه التقرب من أهل زغرتا من خلال التذكير ببطلهم "الأسطوري". لكن أبلغ ردّ عليه كتبه أحد الفسابكة من آل الخازن، قائلاً: "بتشبّه حالك بيوسف بك كرم.. لو بتقرا تاريخ بتعرف انو ما حدا خلّص لبنان من طانيوس شاهين الا يوسف بك كرم". والنافل أن باسيل قال في انتخابات 2018 خلال جولة في كسروان: "هنا أرض الثورة على الإقطاع التي بدأت مع طانيوس شاهين الذي أعلن الجمهورية من كسروان". وبين رمزية يوسف بك كرم الزغرتاوية، ورمزية طانيوس شاهين الفلاحية الكسروانية، يقع التناقض وتسقط الاستعارة التاريخية في اللاشيء، أو في الهذر اللفظي، ويُستعمل التاريخ بطريقة هلامية شعبوية، بل يتمظهر لنا عدم قراءة التاريخ فعلاً. يوسف بك كرم، الزغرتاوي الذي اعتبره جبران مرآة لحزبه وبطولاته، هو نفسه من ساهم في إخماد ثورة طانيوس شاهين في كسروان، وشاهين هو نفسه الذي اعتبره باسيل رمزاً لحركته الانتخابية "ضد الاقطاع"!

ولطانيوس شاهين، صور أخرى رسمها المؤرخ كمال الصليبي، فهو ليس بتلك المثالية التي رسمها له بعض اليسار اللبناني لمجرد أنه "ضد الاقطاع". أما يوسف كرم، فكان قد برز كـ"بطل ماروني" في الحرب الأهلية العام 1860، ثم عيّنه فؤاد باشا قائمقاماً مسيحياً، بدلاً من الأمير بشير أحمد أبي اللمع، بفضل مساندة بيكلار - المفوض الفرنسي في اللجنة الأوروبية الخاصة بسورية. كان هذا الوجيه الماروني الصغير من الشمال اللبناني، الطموح للغاية والمتبجح، قد وضع آماله في أن يصبح حاكماً وطنياً لكلّ البلاد بمناسبة إعادة تنظيمه. 

وسبق أن كتبنا أن آمال السلطة حركت يوسف كرم، طوال 15 سنة، ضد المتصرفين الذين حكموا خلال الفترة (1862 – 1877). لكن الحركة، من حيث قاعدتها الشعبية المارونية ذات الطابع الفلاحي وإمكاناتها، كانت مرهونة في نهاية المطاف بموقف الكنيسة المارونية. ففي الفترة الأولى من عهد المتصرف الأرمني الكاثوليكي داود باشا، المدير السابق للبريد والبرق في القسطنطينية، عرض على يوسف كرم شغل مناصب عديدة، بلا جدوى. وعاد كرم إلى قريته إهدن، ليعلن معارضته المفتوحة، ونُفي إلى مصر من العام 1861 حتى 1864، ولم يعد إلى لبنان إلا ليدبر عصياناً مسلحاً شدّ الانتباه الى مطالب أهالي الشمال في لبنان، وتميز موقف الكنيسة بدعم شديد لحركة العصيان التي قادها يوسف كرم. فالخوارنة في القرى كانوا يدعون الناس في الكنائس للمشاركة الفعلية، ثم حولوا الأديرة إلى مراكز للتجمع والتعبئة، وحمل الكثير منهم السلاح مع كرم.

يصف ندره مطران هذا الواقع فيقول: "بفضل الدعاية الدينية أصبح كرم "بطلاً أسطورياً" نسبت إليه أعمال حربية خارقة، وأشيع أن السيدة العذراء ظهرت عليه، ووضعت صورته في الكنائس، وكأن الناس أصبحت على اعتقاد أن المخلص أتى أخيراً(...)". إلا أنه بعد هزيمة كرم العام 1866، والتي لم تكلف داود باشا شيئاً يذكر، تبخرت هذه الدعاية بسرعة، فالكنيسة تخلت فجأة عن يوسف كرم، وكتب البطريرك إليه يدعوه إلى الامتثال والخضوع لأوامر المتصرف.

الارجح أن استحضار التاريخ وشخوصه عند معاليه، مثل استقراء الانتصارات والإنجازات ومحاربة الفساد، ومثل الحرب على الاقطاع بمزيد من الاقطاع.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها