آخر تحديث:10:06(بيروت)
الأحد 07/04/2019
share

الجسد والجنس والسينما... لغة البدايات

شفيق طبارة | الأحد 07/04/2019
شارك المقال :
الجسد والجنس والسينما... لغة البدايات مع بداية الستينيات بدأت المواجهة المباشرة وبات التغيير على الأعتاب
مضحكة تارة، مثيرة تارة أخرى، يمكن أن تكون رومنسية أو عنيفة، قد تملؤها التلميحات، وقد تكون خاماً بتفاصيل كاملة. قد تجمع دمىً أو أشخاصاً. رجلٌ وحيدٌ على كرسيّ الحمّام، امرأتان مرهقتان على كنبة، أو مجموعة عراةٍ في حفلٍ ما. نساءٌ، رجالٌ أو عابرون جنسياً. تأوهات متتابعة، السرير الذي يصطدم بالحائط مراراً أو صمتٌ مطبق. على أرضية المطبخ، في سيّارة مركونة بجانب الطريق أو على رمال الشاطئ الساخنة. قبلاتٌ حارة، يدٌ تمتدّ على خصر، امرأة عاريةٌ تستلقي على السرير، ثيابٌ مرميّة على الأرض، رجلٌ مقيّد اليدين. إنّها مونيكا بيلوتشي وحدها، إنهما نيكول كيدمان وتوم كروز... لا حدود للجنس، وبالتوازي لا حدود لامتداد صورته في السينما.


لطالما كانت العلاقة بين السينما والجنس محاطة بالجدلية، بالرفض والقبول، بالترحيب والاستنكار. لكنّ هذا لم يكن عائقاً، تطور السينما عبر التاريخ توازى مع تطور علاقتها، فبات للجنس تاريخ تطورٍ على الشاشة. تطورٌ ثابتٌ رغم الحواجز. ومن هنا ننطلق في سلسلة مقالات سوف نسرد عبرها المراحل التاريخية للجنس في السينما، من اللمس إلى القبلات فالمداعبة فتصوير النشوة وصولاً إلى المشاهد الحرفية للعملية الجنسية. سوف نتطرّق إلى حروب الرقابة (الأميركية المتشددة والأوروبية الأقل تزمتاً)، إلى الأفلام التي تخطت "حدود" المقبول اجتماعيا، والتي تطوّرت إلى تكريس الإثارة الجنسية كجزء من الفن السينمائي، ثمّ الأفلام ذات المشاهد "الاستفزازية" التي تقصّدت مواجهة القواعد السائدة وصولاً إلى الأفلام التي تستخدم الجنس المشهدي لجذب الناس سعياً للربح التجاري.

إذا فهمنا الإثارة الجنسية على أنها مجموعة من العناصر تحرض بشكلٍ أو بآخر على الرغبة الجنسية، سنجد أن السينما في أصولها كانت تبني حول الجنس وتمثيله مجموعة من العناصر المليئة بالحلول الإبداعية البديلة. وإن كنت تظنّ أن تصوير الجنس لم يعد إشكالياً فأنت مخطئ تماماً، الجنس وتمثيله على الشاشة لعبة المخرجين الصغيرة (القسرية أو الطوعية)، هناك تساؤلٌ دائمٌ حول ما يمكن إظهاره وما لا يمكن اظهاره، ما يُرغب في رؤيته أم لا. واليوم مروحة من المفاهيم المرتبطة بالـ "البوليتيكال كوريكتنس" تتحكّم بالأمور.
السينما الصامتة والبداية
في العام 1880 المصور البريطاني ادوارد مويبريديج، رائد تكنولوجيا التصوير الفوتوغرافي والرائد في تجربة تحريك الصور بدأ بالتقاط صور لعراة سواءً كانوا نساءً أم رجالاً. العام 1896 ظهر أول فيلم فُرِضت عليه الرقابة في التاريخ في الولايات المتحدة "Fatima's Cooche-Cooche dance" بسبب الحركات "الإيحائية" للراقصة. في العام نفسه القبلة الأولى على الشاشة أيضاً من الولايات المتحدة، في فيلم صامت حمل اسمها  "The May Irwin kiss". ثماني عشرة ثانية من التقبيل بين ماي إيروين وجون رايس وتحت إخراج ويليام هيس، تحوّلت إلى فضيحة نُدد بها باعتبارها فاحشة كبيرة، تدخّلت الكنيسة طبعاً داعية للرقابة والإصلاح الأخلاقي. ثم إلى أول محاكاةٍ لجسد امرأة عارٍ -عبر ارتداء بذلة لحمية اللون وملتصقة بالجسد - العام 1897 في الفيلم الفرنسي "After the ball" لجورج ميلييس.

ثلاثة أعوامٍ بعدها في فرنسا، أول فيلم ايروتيكي "Le coucher de la mariée" عُرض تجاريا خلال أولى عروض السينما. فأول امرأة عارية على الشاشة في فيلم "Inspiration" الأميركي المستقل العام 1915. خلال هذه الفترة كان التقدم خجولا، ولكن أصغر المشاهد كان يفجر جدلاً كبيراً. على سبيل المثال أصيب المخرج إريك فون ستروهايم بجروج خطرة من غاضبين على مشاهد "الخلاعة" في فيلمه الصامت "Queen kelly" (1932). تجدر الإشارة إلى أنّ الفيلم الألماني("Micheal"1924") للمخرج النمساوي كارل ثيودور دراير، كان علامة فارقة في تلك المرحلة لأنه من أوائل الأفلام التي قدمت علاقات جنسية مثلية. وظلت الأمور على هذه الحالة طوال فترة صمت السينما التي انتهت بحدود سنة 1929. منذ ذلك الوقت الفارق بين الثقافتين السينمائيتين الأميركية والأوروبية بدا واضحاً. في أوروبا خلال هذه الفترة كان هناك قبول أكبر للعري والمشاهد الجنسية، بالحدّ الأدنى كان الموضوع أقل إثارة للجدل ولكن لم يخلُ من تدخل الكنيسة في بعض المراحل. حتّى شهدت أوروبا ولادة أول فيلم يقدم علاقة جنسية تامّة مع تصوير النشوة الجنسية الأولى على الشاشة في الفيلم التشيكي"Ecstasy" للمخرج غوستاف ماشاتي العام 1933 في الوقت الذي كانت السينما الأميركية تتحضّر لقانون رقابةٍ صارم.
الرقابة على الجنس و"كود هيز"
حلّت الثلاثينيات مع تغيرين كبيرين على العالم السينمائي: الصوت أُضيف إلى الصورة وسُنّ قانون"كود هايز". ويليام هاريسون هيز، سياسي أميركي وأول رؤساء "جمعية الفيلم الأميركي" (MPAA). لقد اعتبر هو ومجموعة من محبّيه أن هوليوود في العشرينيات فاسدة ويجب ضبطها، فسنّوا قانوناً للرقابة يحدّ من حرية هوليوود بما يتعلق بالعري أو إظهار العلاقة الجنسية، التطاول على الذات الالهية مثل استعمال كلمة الرب في غير مكانها، تقييد إظهار المخدرات ومجموعة من الضوابط التي تعلّب السينما كفن. اشترط القانون مثلاً أن لا تستمر القبلة المعروضة على الشاشة أكثر من ثلاث ثوان. وقبل أن يدخل القانون حيّز التنفيذ استفادت ماي ويست من ضعفه لتصبح أيقونة إغراء خلال النصف الأول من الثلاثينيات. هي كانت تناهز الاربعين من العمر مع  تحوّلها إلى رمز جنسي سينمائي، وتحدت القانون الذي لم يطبق في البداية بحذافيره في افلام مثل "She done him wrong" و "I'm no angel" مطلقة عبارات تحمل تلميحاتٍ جنسية راسخة مثل "هل تحمل سلاحا في جيبك أم أنك سعيد برؤيتي؟". لم يطبق القانون حتى العام 1934، فُرض عندها بالقوة على كلّ الأفلام الأميركية بما فيها الأفلام المستقلّة عن الجمعية بسطوة من الحكومة الأميركية وكذلك خضعت الأفلام الأوروبية القادمة إلى الولايات المتحدة للتشذيب. فاشتغل دهاء السينمائيين. اضطر مخرجون إلى اللجوء إلى الاستعارة والمحاكاة والخداع البصري للتغلب على العقبات والرقابة التي كانت أمامهم. أمّا أبرز المتحايلين فكان آلفرد هيتشكوك الذي واجه مشاكل في فيلمه "Rebecca" ثم حارب قاعدة الثواني الثلاث (يجب ألا تستمر القبلة أكثر من ثلاث ثوان على الشاشة) السخيفة عبر القبلة الأسطورية الطويلة ولكن المتقطّعة بين إنغريد بيرغمان وكاري غرانت في فيلم "Notorious". هيتشكوك الذي تلاعب خالقاً حالة تماهٍ بين القتل والجنس حتى قالت غريس كيلي ‏"علّمني السيد هيتشكوك كل شيء عن السينما. بفضله فهمت أنه يجب عليّ تصوير مشاهد القتل كأنّها مشاهد حب ومشاهد الحب كأنّها مشاهد القتل". بدأت عوارض الضعف تنخر القانون في أواخر الأربعينيات، تراجعت سطوته بشكلٍ ملحوظ في بداية الخمسينيات مع ظهور نجمات الإغراء مثل مارلين مونرو وغيرها الكثير. ومع بداية الستينيات بدأت المواجهة المباشرة وبات التغيير على الأعتاب. تغييرات طرأت على القانون، أفلام جريئة خرجت إلى العلن، ممثلون كبار ظهروا عراة وصولا "للبورن شيك" وبداية السبعينات مع الثورة الجنسية (نستعرض كل هذا في المقال القادم).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها