آخر تحديث:12:10(بيروت)
الأربعاء 01/05/2019
share

في ذكرى بطرس البستاني: أنا أسعد الشدياق يا أبي

محمد حجيري | الأربعاء 01/05/2019
شارك المقال :
  • في ذكرى بطرس البستاني: أنا أسعد الشدياق يا أبي
    بطرس البستاني
  • بقايا المدرسة الوطنية التي أسسها بطرس البستاني في زقاق البلاط (امال الشريف)
    بقايا المدرسة الوطنية التي أسسها بطرس البستاني في زقاق البلاط (امال الشريف)
عدا عن بداياته الزاخرة التي تحدثنا عنها في الحلقة الأولى، يعتبر بطرس البستاني(*) "أول من أنشأ جريدة عربية غير رسمية بين قراء العربية"، كما جاء في تراجم مشاهير الشرق لجرجي زيدان. و"أول من تكلم باعتزاز عن دمه العربي" كما يقول ألبرت حوراني في "الفكر العربي في عصر النهضة"، وأيضاً يقول أسامة مقدسي(**) أن هناك كتابات كثيرة عن البستاني وغالبيتها الساحقة تمتدحه لكونه رمزاً وطنياً من المنادين بفصل الكنيسة عن الدولة، إن لم يكن أوّلهم على الإطلاق. وتشير هذه الكتابات إلى أن البستاني عمل على انبثاق جماعة سياسية موحّدة، ناطقة بالعربية، يتساوى فيها العرب المسيحيون والمسلمون في الحقوق والواجبات. ومن ثم تصفه تلك الكتابات بأنه أحد رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، لكنها تطمس، أو أنها ببساطة تعجز ولا ترغب في فهم العلاقة الوثيقة بين وطنية البستاني وإنجيليته. والجانب الرمزي لإنجيلية البستاني، الذي ربما شكل بنيته الفكرية، يتمثل في قصة أسعد الشدياق الذي يعتبره مقدسي "أول زهرة تنبت في التربة الخصبة للقاء عابر للحضارات، والتي قطفت بفجاجة قبل أوانها". وهنا يطرح السؤال: ما القصد بالتربة الخصبة؟ ولماذا أسعد الشدياق في حياة بطرس البستاني، وهو شبه منسيّ بالنسبة إلى الأجيال الجديدة بحسب ملاحظة المؤرخ كمال الصليبي...

النافل أن أسعد الشدياق (شقيق العلامة واللغوي أحمد فارس الشدياق)، ألّف رسالة ضدّ عبادة الأيقونات، داعياً إلى التفسير المباشر للكتاب المقدّس من قبل المؤمنين أنفسهم. وفي العام 1820 شنَّ البطريرك الماروني يوسف حبيش حملته على "الهرطقة البروتستانتية"، بناء على أمر من روما، وحرَّم أي تعاطٍ مع البروتستانت. بناء على ذلك اعتُقل أسعد الشدياق، وأُودع السجن في المقرّ البطريركي في قنوبين حيث توفي بسبب المعاملة الوحشية العام 1830، وحتى حين دُفن عومل بطريقة لاأخلاقية ولاإنسانية، وعلى أثر اعتقاله غادر معظم المرسلين البروتستانتيين المنطقة ولم يعودوا إلا في ظلّ الحكم المصري على سوريا حيث فتحوا مدرسة للصبيان في بيروت 1835 تلتها مدرسة للبنات. وأتى قمع الشدياق ومقتله، بعد سنوات على قضية الراهبة المتصوفة هندية عجيمي، وهي شخصية محورية في تاريخ الكنيسة المارونية.  والحال أن مقتل الشدياق في الأسر، أسبغت عليه الإرساليات الأميركية الثناء لكونه "شهيدها الأول" في الشرق، في حين لعنه الموارنة بوصفه "ملاك الظلام".

أما بطرس البستاني الذي أعاد الاعتبار للشدياق بعد محاولة طمسه من الكنيسة، فأحيا ذكراه العام 1860 قبيل الحرب الدرزية المارونية التي روعت جبل لبنان، وحولت البستاني بطريقة راديكالية، إذ بادر إلى إصدار جريدته الأسبوعية "نفير سورية" التي صدر العدد الأول منها في العام 1860 وهي ذات صفحة واحدة تتضمن مقالاً واحداً كتبه البستاني بتوقيع "من محب للوطن". وفي هذه الجريدة تجلّى فكر البستاني الوطني، فرأى أن من واجبات أبناء الوطن حبه. أما الذين يبدلون حب الوطن بالتعصب المذهبي ويضحون بخير بلادهم لأجل غايات شخصية، فهؤلاء لا يستحقون أن يُنسبوا إلى الوطن وهم أعداء له. قال مدافعاً عن الوحدة الوطنية التي صدّعتها فتنة العام 1860: "يا أبناء الوطن إنكم تشربون ماء واحداً، وتتنسمون هواء واحداً، ولغتكم التي تتكلمون بها واحدة، وأرضكم التي تطأونها فهي واحدة، ولا بد أنكم ستستفيقون من هذه الغفلة وتدركون صالحكم العمومي".

وقبيل احياء ذكرى الشدياق، كان البستاني أسرّ إلى المبشر روفوس أندرسون، بغايته من وراء احياء المناسبة والقضية في رسالة نادرة وفذة، كتبت بالانكليزية في مطلع 1860، غايتها: "نشر عمل متكامل عن حياته باللغة العربية لفائدة أبناء بلادي، والموارنة منهم على وجه الخصوص، الذين لا يسعهم إلا أن يكونوا مهتمين ومستفيدين من مثل شخص انتمى يوماً ما الى كنيستهم". وسّع البستاني منظوره هذا من القضية في مقدّمته العربية، لتقرأ عبارة الافتتاح: "لا يخفى أن كثيرين من أبناء هذه البلاد والأجانب قد سعوا باسم أسعد الشدياق وعرفوا بعض الأمور من قصته، وذلك في الغالب من أفواه قوم متعصبين له أو عليه، فلم يتيّسر لهم الوقوف على الحقيقة. وقد داخلت قصته أوهام كثيرة...". وشددت سردية البستاني على صراع أسعد الشدياق مع إيمانه واعتناقه البروتستانتية واضطهاده، و"أكدت الخيارات الفردية المدروسة التي قام بها هو ومعاصروه من الموارنة الذين عطف البعض منهم عليه، بينما قسى آخرون قلوبهم وأغلقوا عقولهم نحو طالبهم وصديقهم وزميلهم وأخيهم السابق"(أسامة مقدسي- المصدر نفسه). بيد أن تبرئة البستاني لأسعد الشدياق، بحسب مقدسي، كانت إعلاناً جريئاً عن امكانيات عصر جديد من المعرفة والإصلاح والتنوير والتحرر في القرن التاسع عشر، سبق ومجّده في خطابه عن ثقافة العربي، أكثر من كونها أي شيء آخر، بحيث يصف جوهر رواية أسعد بالعبارات التالية: "ولا ريب أن حرية الضمير لا يمكن لسلاطين أن يمنحوها. وإذا اجتمعت قوات الأرض وجهنم بأسرها فلا تستطيع أن تنزعها من قلب مملكتها". و"إن مجرد السرد اللافت لتاريخ أسعد الشدياق المحظور، يعتبر تبرؤاً صريحاً من أشكال النظام السابق وأساليبه، التي، وللمفارقة، كان طنوس شقيقة أسعد الأكبر قد عبّر عنها بوضوح في العام الذي سبق... لكن، بينما ركز البستاني في شخص فرد منشق، لجأ طنّوس الشدياق الى أرثوذوكسيات النظام القديم، جاعلاً من تاريخ جبل لبنان تاريخاً للأُسر الدرزية والمارونية الراسخة، ومسهباً في أصولها وأقطاعياتها وحروبها وتحالفاتها وعلاقتها بالولاة العثمانيين. وقد أوضح طنوس أنه أراد من تاريخه أن يكون تاريخاً محدداً، وأما ما يسترعي الانتباه أكثر، فهو صمته المطبق في ما يتعلق بمصير شقيقه، واشتمال هذا الصمت فوق ذلك على الرجال والأسر التي ظلمت شقيقه واضطهدته، من امثال الحبيشيين والشهابيين.

لم ينجم هذا السهو المتعمد عن كره طنوس للشقيق الذي علمه وسجله في مدرسة "عين ورقة"، فقط ليراه يسقط ويتهاوى في ما اعتبر "هرطقة بروتستانتية"، ثم يموت ميتة لم يكن من داع لها على الإطلاق في نظره. بل إن طنوس حاول في الواقع إنقاذ أسعد، غير أنه لم يكن راغباً في قطيعة مكشوفة مع الكنيسة المارونية أو المجازفة بالمزيد من التشويه لعائلته، الأمر الذي دفعه كي يصبح شريكاً في المقابل في محو ذكر أخيه من أجل ترابط التاريخ الصحيح الذي قام بسرده، وتماسكه، (وهذا الأمر "موضة" سائده في كتابة التاريخ اللبناني). فقد كانت إنجيلية أسعد التبشيرية وتشديده على ضرورة أن يحيا المرء الإيمان، متناقضة، عدا عن كونها خارج المكان في رواية عن الانساب المتوارثة من غير تفنيد.

كشف البستاني عبثية المحاولة المارونية الفجّة، والمأسوية في حالة طنوس، لطمس حكاية أسعد. وبقدر ما تمثلت دوافع البستاني الأولية وراء نشر سيرة أسعد في حثّ الموارنة العقلانيين على إعادة النظر في ما جرى ضد شخص بريء، باسمهم مجتمعين، إلا أنه رفض القبول باستنتاجات المبشرين الأميركيين بشأن المأساة، حتى وهو ينسج بعض عباراتهم حرفياً... ذلك أن فهم المبشرين الأميركيين أقحم شخص أسعد بداية في هيكل نوعي للشهداء من السكان الأصليين، إلى جانب كاثرين براون الشيروكية وهنري ابوكيا الهاوايي. لكنهم حوّلوا محنته بعد العام 1860 الى تبرير للمجاهرة بالنشاط التبشيري الحديث بين العرب. لقد رًدت أمثولة أسعد الشدياق، على يد البستاني، الى سردية متجذرة محلياً الى حد بعيد. فبدلاً من "الشخوص الصنمية والقوالب النمطية للروايات الأميركية، أنسن البستاني أبطاله الرئيسيين". وهكذا سرد بالتفصيل حياة أسعد في الفصل الأول من كتابه (قصة) وبقصائد مكتوبة بقلم أسعد لم تعرف طريقها الى سير الأميركيين. لقد وبخ البستاني، على غرار المبشّرين الأميركيين، سلطة الإكليروس بقسوة، وفند توكيدات الكنيسة المارونية التي مفادها أن تحول أسعد يعود الى جنونه أو ربما رشوته من جانب المبشرين الأميركيين. ورسم، بدلاً من ذلك، لوحة لرجل حرّكه ارتباطه الروحي والفكري الأصيل بالمبادئ البروتستانتية. لقد عومل بقسوة وتُرك في نهاية المطاف ليواجه مصير كشهيد. أراد البستاني جعل قصة أسعد مثالاً لما اعتبره إيماناً حقاً في مواجهة عقيدة الطاعة العمياء. وقد كان هذا الإيمان الانجيلي حاسماً بالنسبة الى منظور البستاني الليبرالي، لكنه لم يكن مرتبطاً بمبادئ بروتستانتية معينة، بل ارتبط بإيمان عام بحرية الفرد الكونية بأن يؤمن من دون اكراه، وأن يبحث ويسأل عن الحقيقة، رغم العقبات المادية والتضييقات الطائفية. وهكذا اختتم سرديته معلناً أن عقوبة الشدياق لم تكن خطأ أخلاقياً ومعنوياً فحسب، وإنما عقوبة ظالمة أيضاً...

وباختصار يقول مقدسي، ذهب البستاني بعيداً في تبديل موت أسعد الشدياق. فبدلاً من مجرد سرد سيرة شهادة بروتستانتية تغدق الازدراء والعار على أعداء الايمان، استعاد توكيد أسعد ذاته في امكانية أن يكون المرء انجيلياً ومارونياً في آن معاً، حتى كاد البستاني يكون تجسداً ثانياً لأسعد الشدياق. بيد أن بطرس قد نجا حيث لم يفعل أسعد. ولم ينجح فحسب، بل نجح وازدهر في فضاء انجيلي بات الآن محمياً ومشرعناً ومختلفاً، تولد من تقاطع النشاط التبشيري والاصلاحات العثمانية. ولم يكن الشدياق شهيد البروتستانت الأول في الشرق وحسب، بل تحول أيضاً إلى "شهيد لحرية الرأي". وكان مقتله مقدّمة لسلسلة من الاضطهادات التي مارسها رجال الدين من المسلمين والمسيحيين بحق بعض الكتَّاب والمبدعين. فالكاتب فرنسيس المرّاش تعرّض للتشهير من قبل الإكليروس، وكذا جبران خليل جبران، وطه حسين وعباس العقاد وإسماعيل مظهر اضطروا للانكفاء والتراجع تحت التهديد أو المحاكمة من قبل بعض رجال الدين. ومُنع منصور فهمي من التدريس بسبب رسالة الدكتوراة التي قدمها في باريس لكنه أعـيد إليه بعد ثورة 1919.

(*) أسامة مقدسي في كتابه "مدفعية السماء"(منشورات دار الآداب)  
(**) يُحتفل اليوم بذكرى ولادة بطرس البستاني، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها هزيلة وركيكة ولا ترقى الى مستوى الشخص المكرّم وتاريخه ولغته ودوره.

(***) صورة المدرسة الوطنية في زقاق البلاط لامال الشريف 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها