آخر تحديث:12:20(بيروت)
الأربعاء 01/05/2019
share

تسعون شيخ النحاتين المصريين

محمود الزيباوي | الأربعاء 01/05/2019
شارك المقال :
  • تسعون شيخ النحاتين المصريين
    آدم حنين
  •  آدم حنين مع زوجته عفاف الديب في الحرانية، 1969.
    آدم حنين مع زوجته عفاف الديب في الحرانية، 1969.
  • امرأة وحصان
    امرأة وحصان
  • آدم حنين مع محمود الزيباوي في باريس، ويظهر في الخلف الفنان جورج البهجوري.
    آدم حنين مع محمود الزيباوي في باريس، ويظهر في الخلف الفنان جورج البهجوري.
  • "شيخ النحاتين" في شبابه.
    "شيخ النحاتين" في شبابه.
  • هر
    هر
  •  في حديقة "متحف آدم حنين".
    في حديقة "متحف آدم حنين".
احتفلت "مؤسسة آدم حنين للفن التشكيلي" بتوزيع جوائزها السنوية في "مركز الهناجر للفنون"، داخل حرم الأوبرا المصرية. وقال مدير المؤسسة، عماد عبد المحسن، أن هذا الاحتفال يتم لحسن الطالع بالتزامن مع مرور تسعين عاماً على مولد آدم حنين. وعُرض فيلم تسجيلي من إنتاج "مكتبة الإسكندرية" يتناول مسيرة شيخ النحاتين المصريين الطويلة في عالم النحت والرسم.

في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1969، نشرت مجلة "الحوادث" مقالاً تحدّثت فيه غادة السمان عن رحلتها إلى "قرية الحرانية التي تبعد عن القاهرة حوالي أربع كيلومترات، والتي يقطنها اليوم بعض الفنانين المصريين". في هذه القرية بين أهرامات الجيزة، أنشأ رمسيس ويصا واصف "نواة لمستعمرة فنية"، وهو "استاذ في كلية الفنون الجميلة، وصاحب مدرسة في الفولكلور المصري، وصاحب نظرية استطاع تطبيقها عمليا في قرية الحرانية تلك، نظرية ترمي الى تفجير الطاقات الفنية لدى الفرد المصري العادي الموهوب وغير المثقف فنيا، مثل زوجة الخفير والفلاح والعامل".

أسّس رمسيس ويصا واصف مركزاً لصناعة السجاد في مدخل هذه القرية، وصمّم على مقربة منها داراً بناها آدم حنين بنفسه، وأقام فيها مع زوجته عفاف الديب، "شقيقة الأستاذ بدر الديب الصحفي المعروف". دخلت غادة السمان هذه الدار، وتعرّفت على صاحبيها، وكتبت في تقريرها: "لا، ليسا وحيدين. يقطن الدار الرائعة بالإضافة إليهما ما يقارب الخمسين مخلوقاً بينهم البشر والقطط والكلاب والفئران، وكلها من الحجر، وكلها رائعة تنبض بالحياة". قارنت الأديبة بين النحات ومنحوتاته، وقالت: "وجه آدم يشبه وجوه تماثيله، وجه مصري أصيل، بريء، ذكي وصلب الملامح. كان من الطبيعي أن يهجر القاهرة وأجواءها، وأن يهجر عمله السابق في روز اليوسف، وحتى اسمه السابق صمويل آدم، ليأتي إلى أحضان الطبيعة، كرجل نبت من قلب الصخر، وليكون مثالا لآدم المصري الجديد الذي سيصنع نهضة مصر الجديدة".

وقبل أن تغادره لتتجول في بقية أنحاء القرية، سألت غادة السمان النحات الشاب: "لماذا لا تسوّر حديقتك؟"، فردّ ببساطة: لأنني أحس أن الصحراء جزء منها، وأن الأهرامات تقع ضمن حديقتي أنا". أكملت الكاتبة مشوارها، وختمت مقالتها بالقول: "رغم التجربة الفنية المثيرة التي تلعب فيها القرية دور المختبر، ورغم كل ما شاهدت في القرية، ظلّت تماثيل هذا المبدع، آدم، تلاحقني بوجوهها النوبية الحزن، وصلابتها التي تذكّر بفلاحي أسوان والصعيد حيث عاش الفنان أربع سنوات من عمره بينهم".

ولد صمويل هنري في القاهرة، ونشأ في حي باب الشعرية وسط أسرة تعمل في صياغة الحليّ. كان طفلاً في الصف الثاني الابتدائي، يوم دخل المتحف المصري لأول مرة، فوجد نفسه صغيراً وسط عالم خارق يضجّ بالعيون والمقامات والكائنات والألوان، وعاد إلى درس "الأشغال اليدوية" حاملاً معه إلى البيت كتله من الصلصال. وفتح كتاب التاريخ، واختار صورة رأس أخناتون، ثمّ راح يخرج ملامحه من الصلصال. ولما فرغ من النحت، شرع بتلوين الطين الجاف، وفي باله رؤوس ذهبية مكلّلة بتيجان تزيّنها جواهر زرقاء وسوداء.
 
هكذا بدأ صموئيل هنري حنين مشواره مع الطين واللون، وزاول هواية النحت في مقتبل العمر. وتابع هذه المسيرة في شبابه، فدخل كلية الفنون الجميلة في 1953، وتخرّج منها بعد خمس سنوات، ثم حصل على جائزة الأقصر، فانتقل إلى قرية الكرنة في أعماق مصر، وعمل فيها لسنتين. في الأكاديمية، درس طالب الفن الموديل الحديث والرسم القائم على قواعد المنظور ومنطق المحاكاة. وفي الكرنة، عاد إلى ميراث مصر القديمة، وشكّلت هذه المحطة وقفة استعادية ومرحلة دراسيّة أخرى "تصحّح" الدراسة الأكاديمية الأولى. من الأقصر انتقل الفنان إلى ألمانيا حيث حصل على منحة للدراسة لسنتين، واكتشف هناك الفنّ المكسيكي القديم، وعاش صدمة أخرى تشبه تلك التي عاشهاً طفلا في المتحف المصري. وراح ينظر إلى أعمال رواد النحت الحديث بعين جديدة، وبقي عاجزاً عن النحت طوال سنة كاملة.

في مطلع الستينات، عاد الفنان إلى وادي النيل، وانتقل إلى أقاصي جنوب أسوان حيث استقرّ في قرية ماريا في النوبة، على مشارف السودان، واختار هناك "آدم" اسماً جديداً له. بهذا الاسم، شق الفنان طريقه، وجاء إلى الحرانية بعد أن تبنّى المنظومة التي نادى بها رمسيس ويصا واصف. بعد بضع سنوات، ترك آدم حنين مصر، وانتقل في 1971 إلى باريس حيث وجد نفسه وسط بحر من المدارس والتجارب والأساليب المعاصرة. مرّة أخرى، عاد الرسام إلى نفسه متوحّداً أمام الورقة البيضاء، وراح يسجّل ما اختزنته ذاكرته من صور وعناصر، بالخطّ الصافي حيناً، وبالألوان المائية حيناً آخر. هكذا دوّن الفنان مذكراته بلغة الخط واللون والشكل، وحملت هذه المدوّنات مفردات قاموسه الفنّي التي تكتشفها العين في كلّ ما رسمه الفنان ونحته إلى اليوم.

في العاصمة الفرنسية، عرض الفنان أعماله في "غاليري بريجيت شحادة" ثم انتقل إلى "غاليري وضاح فارس" التي ساهمت في اطلاقه وترسيخ اسمه وحضوره في الساحة الفنية. حقق آدم حنين النجاح الكبير في الثمانينات، وتعددت معارضه الفردية بين روما، ميونخ، لندن، وبروكسيل. ونظّم "معهد العالم العربي" معرضا استعاديا كبيرا لأعماله النحتية وفي مطلع التسعينات. من المفارقات الغريبة، عاش أدم حنين في باريس طوال ثلاثين سنة عرض خلالها في كبرى عواصم أوروبا، لكنّه غاب فيها عن موطنه حيث لم يقم إلا معرضاً واحداً في قاعة "المشربيّة" سنة 1987. وبعد هذه الرحلة الطويلة من البحث والاختبار والعطاء، عاد إلى محترفه في الحرّانية في 1996 ليكمل مشواره مع الحجر واللون. وفي 2007، أنشأ مؤسسة باسمه تهدف إلى الحفاظ على التراث، ورعاية الفنانين، وإقامة المعارض الفنية. وضمّت هذه المؤسسة وزارة الثقافة كعضو مؤسس، بالإضافة إلى "جمعية أصدقاء احمد بهاء الدين".  

في 2014، أنشأ آدم في داره التي شيدها بمنطقة الحرانية عام 1968 متحفا خاصا بأعماله، وقال عند افتتاحه إنه كان يحلم بإنشاء هذا المتحف الذي يجمع أعمال مشوار فنه، وكان خائفا من أن تضيع أعمال مشواره الفني بشكل أو بآخر، وها هي لن تضيع. قام الفنان بتسليم حوالي 4000 عملا فنيا للمؤسسة التي تحمل اسمه، ووهب أمواله وأعماله والأرض المقام عليها المتحف لهذه المؤسسة، إضافة لبنائه المتحف على نفقته الخاصة، وذلك بعد حصوله على موافقة وزارة التضامن الاجتماعي. كما أنه وهب مجموعة من أعماله الفنية لمكتبة الاسكندرية.
يتكون المتحف من مبنى يتكون من ثلاثة طوابق ارتفاعها تسعة امتار، وحديقة واسعة تحوي مجموعة كبيرة من منحوتات الفنان، منها تمثال ضخم باسم "حارس" يمثّل رجلا يضع يده بمحاذاة جبهته محدّقا بإمعان في الأفق كأنه يستطلع القادم، ومركب عظيم من الجرانيت نُقش على قاعدته الجانبية اسم "عفاف"، رفيقة درب الفنان التي حملتها المركب إلي الضفة الأخرى من الحياة. 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها