آخر تحديث:12:59(بيروت)
الثلاثاء 30/04/2019
share

"استسلام" راي لوريغا لبطش المدينة الفاضلة

أحمد شوقي علي | الثلاثاء 30/04/2019
شارك المقال :
"استسلام" راي لوريغا لبطش المدينة الفاضلة يتمثل الراوي في خطابه رهاب الطبقة الوسطى من الفوضى
قد يدفع الإنسان حياته سبيلاً لكي يعيش بكرامة وحرية، فماذا إن تحقق له أن يعيش وفق نظام يكفل حقوقه ويمنحه حرية الاختيار، من دون أن يفقد حياته، وفي مقابل أقل، كأن يتخلى مثلاً عن مشاعره، خصوصاً أنه في تلك الحياة الجديدة، لا مكان لشعور سلبي، فهل –هكذا- يدرك طموحه في أن يكون حراً وكريماً؟

تطرح رواية "استسلام"(*) للكاتب الإسباني راي لوريغا، تلك الإشكالية، لكن بصورة أكثر تعقيدًا.

تدور أحداث الرواية، حول رجل يعيش بصحبة زوجته وحيدين في منزلهما الكبير، بعدما ذهب ابناهما إلى الحرب، في ظل نظام بوليسي يشكك في كل المواطنين تقريبًا، بدعوى تعاونهم مع الأعداء ضد وطنهم الذي يخوض حربًا دائرة منذ 10 سنوات. وبسبب خسارة النظام لتلك الحرب، فإن الراوي يجد نفسه مضطرًا إلى الإجلاء بصحبة زوجته و"خوليو" الصغير الذي وجداه في الغابة، إلى ملاذ شيدته الحكومة وأطلقت عليه اسم "المدينة الشفافة" لحماية المواطنين من "بطش" ذلك العدو.

وعلى الرغم من أن هذه المدينة الغرائبية التي شيدت كلها من الزجاج الشفاف، قد تبدو مثالية جدًا بسبب نظامها المنضبط، فإن ذلك الرجل يجد نفسه وقد جرّد من كل ما يملك: مشاعره وزوجته وذكرياته وحتى الصغير الذي تبناه، وبدلًا من المقاومة يجد نفسه مستسلماً تماماً للتأقلم مع واقعه الجديد. حتى عندما يستيقظ وعيه، فإنه لا يقدر سوى على الاستسلام في مواجهة حراس المدينة الذين يبرحونه ضربًا يدخل على إثره في غيبوبة، ليكتشف القارئ بعدها أن الرواي كان يقص حكايته تلك على ابنه بالتبني "خوليو"، أثناء فترة غيابه عن الوعي. وهنا يتخذ السرد، في الثلث الأخير من الرواية، تحولًا مهمًا، إذ يوحي بأن الراوي ربما يعاني مرضاً نفسياً هو الذي جعله يتخيل كل تلك الأحداث. لكن الكاتب الأسباني لا يضع في روايته ما يؤكد أياً من الفرضيتين. فكل الإشارات المتاحة خلال السرد قد تؤكدهما وتنفيهما، في الوقت ذاته.

لذلك تقبل الرواية تفسير أحداثها عبر قراءات متعددة، لكنها قد تتفق في وجهة النظر حول ما تطرحه من تأثير للاستبداد بصوره المتعددة في الإنسان. فالقصة المكتوبة وفق حبكة مدهشة، تضع القارئ أمام احتمالي أن يكون واقع الرواية حقيقياً أو من خيال الراوي الذي قد يعاني مرض الفصام. وسواء أكانت أحداث الرواية جرت له فعلًا أم من تأليفه، فإنها ترسم في الحالتين صورة، ليس لما تفعله الأنظمة المستبدة بشعوبها فقط، وإنما أيضًا لما قد يمارسه المقموعون على بعضهم البعض، وهي صورة لا تغيب عن خلفيتها ممارسات ما يمكن تسميته بـ"العالم الحر" تجاه ضحايا ذلك الاستبداد، من تنميط يتجاوز شكله المجازي إلى آخر مادي يتمثل في حجزهم داخل مستعمرة معزولة، ليظلوا، ربما إلى الأبد، محفوظين على هيئتهم تلك كمقموعين داخل إطار زجاجي للفرجة، بوصفهم كائنات أدنى لا يمكن دمجهم بأي حال ضمن العالم الحر سوى بعد إعادة تأهيل لن تكتمل، لأنهم سيظلون هكذا أبد الدهر.

وتلعب تقنية السرد عبر الحلم/غياب الوعي، دورًا آخر غير تعقيد القصة، فتلك الطريقة الاستعادية التي يعرض الراوي الأحداث من خلالها، تضفي نبرة محايدة على السرد، وقد تميل إلى السلبية –أحيانًا- تجاه ما مر به من حوادث كبيرة، وهو ما يعمق شعور الراوي بالاستسلام. ففي سرده المتسارع، لا يتوقف أمام أي حادث يواجهه ليتأمله حتى، وكأنه بلا حيلة أمام ضعفه في مواجهة الواقع سوى التأقلم معه، الأمر الذي يملأ القارئ بالغضب، ذلك الذي ظل بطل الرواية يبحث عنه طوال أحداثها، وكأنه يقوم بذلك الدور بدلاً منه. ربما لأنه –أي القارئ- أصبح شريكاً في الاستسلام، أو بشكل أدق أصبح استسلام الراوي لواقعه هو استسلامه الشخصي للواقع الذي يعيشه خارج الرواية.

وبخلاف ما قد يوحي به عالم الرواية من تناص مع أعمال أدبية أخرى مثل 1984 لجورج أورويل، أو أعمال كافكا، من حيث بُعدها النفسي وواقع "الكابوس المفترض"، فإنها تبدو أكثر اتصالاً بأطروحة أفلاطون حول المدينة الفاضلة، لكن من منظور هزلي.

فقد تأسست "المدينة الشفافة" على نظام ديموقراطي، يضمن اتخاذ القرار وفق نهج تشاركي، يلجأ إلى التصويت حتى في أتفه الأمور، ولو كان تغيير زيت محرك الجرار. أبنيتها كلها من زجاج، تشف عما تحتها، ولا يفارقها ضوء النهار الساطع في أي من أوقات اليوم، فهي من الوضوح بحيث تستحيل معها ممارسة أي فعل غير أخلاقي، جوها ربيعي طوال العام، ولا تستهلك ما يزيد عن حاجتها، وتعيد تدوير كل شيء حتى الفضلات الجسدية. لكنها على الرغم من ذلك ليست جنة، بل جحيمًا، ونظامها الذي لا ينفرد فيه بالقرار قائد بعينه، أكثر استبدادًا من نظام الأخ الأكبر.

يتمثل الراوي في خطابه رهاب الطبقة الوسطى من الفوضى، ويتبنى قيمها في ما يخص حتمية العيش وفق نظام ثابت، حتى وإن هدد مصالحها. لكن ولأنه ليس ابنا أصيلًا لتلك الطبقة، لم يستطع التأقلم مع ما ظن طوال عمره أنه أهل له، وباتت القيم التي تأسست عليها المدينة الشفافة، ربما أكثر شحذًا لوعيه ببشاعتها من حنينه إلى ما امتلكه في الماضي، رغم عمليات التبلور التي تعرض لها بغرض تغييب مثل هذا الشعور. فأعاده ذلك إلى طبيعته كواحد من أبناء الطبقة العاملة التي تثور –وفق إدوارد بالمر طومسون- من أجل حقها في أن تأكل وليس لشعورها بالجوع، وهذا إن سلمنا بالطبع بفرضية صدق ما يرويه البطل عما عاشه فعلًا، لأنه في حالة إصابته بمرض مثل الفصام، ربما ستتبدل الأدوار كلها داخل الرواية، وتصبح أزمته أشد وطأة مما تبدو لو كان شخصاً سوياً. لذلك تظل الحبكة التي صاغها راي لوريغا، أكثر ما يلفت النظر لروايته، لأنها ستجعل القارئ في بحث دائم - بين إشاراتها المتعددة- على ما يدل على حالة الراوي وحقيقة السرد. ليعاين، في كل مرة يتبنى فيها أحد الآراء، الواقع الأسود للاستسلام.

(*) صدرت الطبعة العربية لرواية "استسلام" لراي لوريغا، عن دار مسعى العُمانية، وترجمها عن الإسبانية مباشرة، المترجم المصري محمد الفولي، بصورة حافظت على خصوصية أسلوب الكاتب وفرادته، بلا إبهام أو ركاكة.

(**) راي لوريغا: كاتب وسيناريست إسباني، من مواليد مدريد 1967، تُرجمت أعماله المتنوعة بين الرواية والقصة القصيرة إلى 16 لغة. وتوج في العام 2017 بجائزة "ألفاجورا" العريقة عن روايته "استسلام".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها