آخر تحديث:13:28(بيروت)
الأربعاء 03/04/2019
share

"حبيبي فانك": الغرب يستكشف الموسيقى العربية

يارا نحلة | الأربعاء 03/04/2019
شارك المقال :
"حبيبي فانك": الغرب يستكشف الموسيقى العربية أمضى شتوردز سنتين في البحث عن الفنان المغربي فضول، ليكتشف أخيراً أنه توفي في التسعينات
لم يجتز عتبة "المصافي" الثقافية لعالمنا العربي سوى القليل من الإنتاجات الموسيقية لستينات وسبيعنات القرن الماضي، والتي بقيت محصورة في رموز ثقافية مفرطة في فولكلوريتها. أما المشهد التجريبي البديل، الغني بألوان موسيقية هجينة، فكاد أن يمّحي من التاريخ الفني للمنطقة، لتنتهي معظم محاولاته داخل أسطوانات مغبرة ومنسية في صناديق المتاجر المحلية. 

بقيت غالبية أعمال "الفيوجن" هذه، من جاز سوداني وديسكو مصري وريغي مغربي وإلكترونيك مصري، ضمن نطاق "الأندرغراوند" الذي تقتصر شعبيته على هواة النوع، من دون أن تصبح جزءاً من الثقافة السائدة آنذاك. اختفت هذه الأسطوانات عقوداً، قبل أن يعاد نبشها مؤخراً على يد "دي جي" جانيس شتوردز، إذ يجول العالم العربي جامعاً أسطوانات فريدة ليعيد إصدارها عبر شركة "جاكارتا ريكوردس" التي أصبحت لاحقاً "حبيبي فانك".


تضمّ لائحة ألبومات "حبيبي فانك"، أغنية Nile Silvery، التي نسمع فيها صوت عبد الوهاب بشرقيته المعتادة مغنياً باللغة الإنكليزية. تمتزج ألحانه الطربية بإيقاعات الجاز التي تضفي على رزانته ورومنطقيته لمسة من "الفانك" اللعوب والراقص. أما بوب فضول، من المغرب، فقد إنغمس بشكلٍ كامل في عالم التجريب الموسيقي، وراح يمزج موسيقاه بالهيب هوب، الريغي والداب. ألّف نسخة عربية من أغنية Papa got a brand new bag لجايمس براون، ويصفها شتوردز بأنها "فانك عربي تتجلى فيه سمات البانك".

ومع مشروع "حبيبي فانك"، بدأت رحلة شتوردز للبحث عن تاريخ الفنانين أصحاب هذه الأسطوانات، وحاضرهم. يعير الموسيقي، المقيم في برلين، اهتماماً كبيراً لسرد قصص الفنانين، "من أجل تجنب الوقوع في أحد مخاطر سفر الموسيقى الذي يقضي بسلخها عن سياقها". يقصد شتوردز بلاد الفنانين ويبحث عنهم أو عن أسرهم. أمضى سنتين في البحث عن فضول، ليكتشف أخيراً أنه توفي في التسعينات. التقى بعائلته التي فوجئت باهتمامه بموسيقى فضول، وأبرم معها اتفاقاً للحصول على حقوق الأسطوانات. وعن طبيعة الاتفاق، يقول شنودز "نتقاسم الربح بالتساوي، ولا تملك شركتنا أي نسخ الأصلية. كما أننا لا نستحوذ على حقوق النشر لأكثر من 15 عاماً".


يعي فريق "حبيبي فانك" مدى دقة مسألة الترخيص الموسيقي، بالأخصّ بالنسبة لشركة إنتاج أوروبية تتعامل مع فنانين غير أوروبيين. "فنحن لسنا منفصلين عن السياق التاريخي لقطاع الموسيقى المعروف بممارساته الإستغلالية، ولذلك تقع على عاتقنا مسؤولية عدم المشاركة في إعادة إنتاج هذا الإستغلال".

وفي النظر إلى تاريخ الغرب في التعاطي مع الثقافات الأخرى، عبر استملاكها كما حصل مع موسيقى السود في أميركا، أو اختزالها بكليشيهات سطحية كما فعل الإستشراق، على الفنان الأوروبي أن يكون حذراً في تصويره للآخر. ومن هنا، يتجنب شتوردز تقديم نفسه كمستكشف للموسيقى الشرقية، وهي تسمية مصطلح عليها بين هواة جمع الأسطوانات، وذلك لما تحمله من رمزية سياسية وفوقية عرقية تماثل سردية "استكشاف" كولومبوس للقارة الأميركية. كما يعاين شتوردز هذه الإشكاليات أثناء تصميمه للهوية البصرية للأسطوانات، "فلا أستخدم صور جمال وأهرام وراقصات شرقيات، بل غالبية الأغلفة تظهر صوراً شخصية للفنانين".

والتبادل الموسيقي الذي تشهد عليه ميكسات "حبيبي فانك"، سبق عصر الإنترنت وتسهيلاته، وهو ما يجعل منها تحفة نادرة، ونافذة إلى جيل سابق عاش الثقافة والتبادل الحضاري على نحوٍ مختلف تماماً عن جيلنا المعولم. ويقول شتوردز في هذا الصدد: "يمكنني اليوم أن ألعب هذه الأسطوانات في باريس أو طوكيو أو بيروت أو نيويورك، وستحاكي المستمعين على اختلافهم".


اليوم، تسافر الإبداعات الموسيقية، لا سيما الغربية، في لمح البصر. وباتت غالبية أغنيات "الماينستريم" العربي تستعير إيقاعاتها من الأنماط الغربية المعاصرة، مثل البوب والهيب هوب والآر أند بي، وصولاً إلى الإلكترونيك. لكن ثمة مفارقة بين استدخالنا السطحي للموسيقى الغربية في إختزالها إلى عناصرها الأكثر إبتذالاً، وبين "استكشاف" الغرب الفعلي لموسيقانا الشرقية، حتى تلك المنقرضة منها. ومع استبدال الأوروبيين نظرتهم الإستشراقية بفضولٍ حقيقي، تظلّ سيطرتهم منبسطة على ميدان التمثيل الثقافي، في مقابل انسحابنا منه، بداعي الكسل أو الإضطراب الهوياتي.

نرى في تعليقات جمهور "حبيبي فانك" في "يوتيوب"، نوستالجيا إلى القرن السابق لانتشار الإنترنت، أي زمن "ما قبل الابتذال"، إذ اعتمد التبادل الثقافي على الفضول دون السهولة. نتحسّس في أغنيات "حبيبي فانك" فضول هؤلاء الفنانين تجاه الآخر البعيد، والجهد المبذول في سبيل الوصول إليه. لا نرى اليوم أثراً لهذا الفضول الذي أُبيد بقوة الضخّ الثقافي والإعلامي، ومعه تختفي أي فرصة لخلق إبداع فني أصيل، يشبهنا وإن كان متأثراً بالآخر. 


(*) يستضيف Beirut Groove Collective-  BGC "حبيبي فانك" في حفلة راقصة في ملهى "Ked" وذلك في الخامس من نيسان/ابريل 2019. 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها