آخر تحديث:13:59(بيروت)
الإثنين 22/04/2019
share

مناظرة جيجك-بيترسون: في نقد الأيديولوجيا وتفكيكها

يارا نحلة | الإثنين 22/04/2019
شارك المقال :
مناظرة جيجك-بيترسون: في نقد الأيديولوجيا وتفكيكها تصطدم نزعة جيجك النافية والإلغائية، بتوجه بيترسون الوجودي
كان المفاجئ في مناظرة الفيلسوف الماركسي سلافوي جيجك، والسيكولوجي المحافظ جوردن بيترسون، تلك التي التي لقّبت بـ"معركة القرن"، أن "العدوّين" توافقا أكثر مما اختلفا. فالنقاش الذي ترقّبه مناصرو اليسار الراديكالي واليمين الليبرالي على حدّ سواء، وخاله الطرفان حلبة صراع أيديولوجي بين "العملاقين"، جاء خالياً من الهجومية الصدامية، وعلى درجةٍ عالية من الصدق والاعتراف بإخفاقات كلٍ من الجبهتين الفكريتين. باختصار، لم يرضخ "النجمان" لرغبات متابعيهم الإسقاطية، بتحويل النقاش إلى إناءٍ لأيديولوجياتهم. بل كانت هذه المبارزة، في جوهرها، هجوماً على الأيديولوجيا نفسها. 

والمفارقة هنا، في العنوان الذي حملته هذه المناظرة وهو "السعادة: بين الرأسمالية والماركسية"؛ كلمات ثلاث تفيض بالأيديولوجيا. ويكمن تفوّق جيجك، على مستوى التحليل النقدي والديالكتيكي، في نقده للأساس الأيديولوجي- ليس فقط للرأسمالية والماركسية- وإنما أيضاً للسعادة بوصفها مفهوماً أيديولوجياً آخر، وهو ما افتقرت إليه مقاربة بيترسون.

في نقد السعادة وليس دفاعاً عن الشيوعية
إلى جانب الأبوين الأيديولوجيين، تناولت المناظرة، التي عقدت في تورونتو-كندا، فلسفات فرعية كثيرة. فمن جهة، جلس الشيوعي الهيغيلي اللاكاني-جيجك، يقابله الليبرالي اليونغي-بيترسون. متشعبة هي الموضوعات والإشكاليات التي خاض فيها الخصمان، وكثيرة هي الأدوات الفلسفية التي استخدماها للتوصل إلى خلاصة حول معضلة الإنسان الأزلية: ما  السعادة؟ وكيف يمكننا تحقيقها؟

والحقيقة هي أن جيجك وبيترسون هما الأكثر أهلية للإجابة عن هكذا سؤال، أقلّه بالنظر إلى خلفيتهما في علم النفس، وعلى الأخص في المدرسة التحليلية ما-بعد-الفرويدية. إلا أن مقاربة بيترسون "اليونغية" للسعادة، تعارضت مع نهج جيجك "اللاكاني"، الذي اتجه إلى نفي فكرة السعادة بكليتها. فقد عمد بيترسون إلى إفتتاح مداخلته بإستهدافٍ النظرية الماركسية، فتحدّث خلال نصف ساعة عن قدرة الرأسمالية، أو بشكلٍ أدقّ نموذج السوق الحرّة، على خلق "السعادة"، مستشهداً بإحصائياتٍ تثبت "العلاقة الموجبة بين ازدياد الثروة العالمية وازدياد معدلات السعادة"، وأرقام أخرى تكشف أن "الفقراء يزدادون ثراءً في ظلّ النظام الرأسمالي". إزاء ذلك، ردّ جيجك: "لست هنا للدفاع عن الشيوعية، وإنما لنقد مفهوم السعادة الفاسد". وأعاد طرح آرائه السابقة حول المسألة، مشدّداً على استلاب مجتمعنا المعاصر، بأدواته الاقتصادية والثقافية والإعلامية، لرغبة الفرد، وبالتالي سعادته. فبهدف خلق مواطن مستهلك، للأيديولوجيا كما للسلع التجارية، يستبدل نظامنا الحالي السلطة الدينية والإجتماعية التقليدية التي تحظر الرغبة، بسلطةٍ تكنولوجية وميدياوية "تأمرك بأن تستمتع!". عليه، لا يمكن في ظلّ النظام الرأسمالي، وفق جيجك، أن تتواجد السعادة جنباً إلى جنب مع الحرية. فنحن لسنا أحراراً في رغباتنا، ولا في "ديموقراطيتنا"، ما دامت خاضعة لسلطة رأس المال التسليعية. ومن هنا يعتبر المفكر السلوفيني أن معركة ماركس الثورية هي "معركة تحررية".
 

وهنا نصل إلى إخفاق بيترسون الثاني، المتمثل في مقاربته التبسيطية للأساس النظري للماركسية. فهو استقى كافة حججه ضدّها من "البيان الشيوعي" الذي يعدّ دعوةً إلى الثورة أكثر منه إنتاجاً فكرياً وفلسفياً. ورغم تأييد جيجك لبعض حجج بيترسون، وأولّها افتقار ماركس لفهم معمّق للسلطة الاجتماعية، إلا أنه عارضه في بعض مزاعمه حول مناداة ماركس بالمجتمع القائم على المساواة، "وهو ما لا يمكن تحقيقه لأن الهيكلية الهرمية هي في صميم طبيعتنا البيولوجية التطورية"، وفق بيترسون. يتفق جيجك مع نظيره في إنكاره لمفهوم المساواة (الإيغاليتارية)، لكنه يفاجئه بحقيقة أن ماركس نفسه كان مؤيداً لهذه الحجة باعتباره المساواة "مفهوماً برجوازياً"، وهو ما يبرز في كتاباتٍ أخرى لم يقرأها بيترسون.

حتى إن افتقار فكر بيترسون للنقد المادّي يظهر على مستوى طريقته النفسانية المعروفة بـself-help. فهو يمنح الأولوية لـ"ترتيب المنزل الداخلي"، أي حلّ مأزق الصراعات النفسية، قبل الإنطلاق في ثورةٍ لإصلاح العالم والمجتمع. وعلى ذلك، تساءل جيجك "لكن ماذا لو أدركت، أثناء ترتيبك لبيتك الداخلي، بأنه على هذه الحال من الفوضى بسبب الفوضى التي تعمّ المجتمع الأوسع؟". ويضيف ممازحاً "هل تقول لمريض من كوريا الشمالية رتّب بيتك الداخلي قبل اصلاح نظامك السياسي؟".

يعترف بيترسون لجيجك بأنه "ماركسي غريب في النقاش"، ويسأله عن سبب تماهيه مع الماركسية، برغم تمتعه بما يكفي من الأصالة لطرح فلسفته "الجيجيكية" الخاصة. يجيبه جيجك بأنه ينتمي أساساً إلى المدرسة الهيغيلية قبل الماركسية، إلا أن الأخيرة في نقدها لرأس المال تضفي على الفكر الدياليكتيكي عنصراً مادياً مهماً، لا يمكن تبسيطه عبر "المانيفستو الشيوعي". ومع تسليع عصرنا المادي "للمثاليات" نفسها، نصبح في أمسّ الحاجة لهذه المقاربة المادّية الاقتصادية لوجودنا بكليته، بما في ذلك "السعادة". 

بين التفاؤل والتشاؤم: هل السعادة هي تجنب الصراع أم أنها الصراع نفسه؟
وعلى هامش المواقف العقائدية، يبرز إختلاف جوهري بين بيترسون وجيجك، على مستوى النظرة العامة تجاه الحياة، تلك التي يسقط عليها الرجلين تجاربهم الشخصية والنفسية. يرى جيجك العالم من منظور متشائم، وهو لا ينفك يكرّر "أعذرني، أنا متشائم". في الضفة الأخرى، يتجسّد تفاؤل بيترسون باستنتاجه أن "السعادة تتحقّق بتحمّل أكبر قدر من المسؤولية والالتزام الشخصي بتقليل المعاناة، الشخصية منها والكونية".

في مقابل هذا التوجه الوجودي، يتخذ جيجك موقفاً أكثر عدمية بإعتباره أن السعادة هي "الصراع نفسه، السقوط بعينه". كما يتعدّى جيجك، على مدرسة بيترسون السيكولوجية التي تستمدّ من كارل يونغ اهتمامها بالأسئلة اللاهوتية في معرض تحليلها للنفس الإنسانية. يغلب جيجك بيترسون في لعبته، في دحض أطروحته الوجودية بالإشارة إلى أن الإيمان بالوجود الإلهي هو قوة باعثة على الإطمئنان بل والسعادة لأنه يتيح لنا "التخلّي عن كلّ مسؤولية في تخطيط مصيرنا ورميها على عاتق الرجل الأعلى". 

إلا أن هذا المنظور ليس متجذراً فقط في شخصيتي الرجلين، بل أيضاً في الثروة المعرفية التي يتمتّع بها كلاهما، والتي تتداخل معها الخلفية القومية لكلّ منهما. فجيجك الذي شهد على إنهيار الإتحاد السوفياتي والمنظومة الشيوعية التي حكمت بلده سابقاً، يثبت تفوقه في المسائل والإشكاليات السياسية العالمية، فيدعم حججه بأمثلةٍ من الكونغو، اليمن، أفريقيا الجنوبية، والكثير غيرها.

إن الصراعات التي تحياها شعوب العالم الثالث، والتي يصفها جيجك بأقاصيص وتجارب شعبية معبّرة، يختزلها بيترسون في بعض "الإحصائيات الغربية" الإعتباطية. إن مراقبة جيجك عن كثب للظواهر والأزمات العالمية، لا سيّما حرب اليمن، تدفعه إلى تبنّي موقفاً متشائماً إزاء مصير البشرية جمعاء. في المقابل، يبدو الكندي الليبرالي، شديد الإنفصال عن الحقائق السياسية والسياق التاريخي لمناطق العالم الثالث، ما يجعله يؤمن بأن "الخير في البشر، قادر على مضاهاة الشرّ". على ذلك يجيب جيجك "لا أؤمن بالخير كمكوّن أساسي للطبيعة البشرية، ولا أقلّل أبداً من قدرة الشرّ والحسد".

تصطدم، مرة جديدة، نزعة جيجك النافية والإلغائية، بتوجه بيترسون الوجودي إلى جانب البعد الديني. وفي موضوع الدين، كرّر بيترسون حججه في شأن تجذّر الإيمان الديني في صلب طبيعتنا البشرية، موازياً بين الإيمان وبين السعادة أو الفضيلة أو الخير. ينتقد جيجك هذه المقاربة المحافظة التي تستمدّ مبادئها من أسس الديانتين اليهودية والمسيحية، فيقلب أطروحة بيترسون رأساً على عقب بقوله إن "الإيمان الديني لا يجعل الإنسان الشرير يقوم بأعمال خيّرة، بل يدفع الأخيار إلى ممارسة الشرّ، وذلك تحت ذريعة الخير الأعظم". وليس الدين وحده مسؤولاً عن تشويه وتحريف مفاهيم الخير والشرّ، بل أي نوع آخر من الإيمان العقائدي، والذي وقع فريسته أيضاً "الستالينيون الملحدون،" وفق جيجك. 

انقلاب قواعد السياسة المعاصرة: يمين ما-بعد-حداثي ويسار محافظ
في دفاعه المستميت عن الرأسمالية، يحذّر بيترسون من خطر اليسار على الثقافة والمجتمعات الغربية. يكذّب جيجك هذه المخيلة اليمينية، متحدثاً عن تدهور اليسار وتراجع راديكاليته، بدليل أن برنامج بيرني ساندرز الإنتخابي، على سبيل المثال، "ليس سوى نسخة عما كان يمثّل الديموقراطية الاجتماعية السائدة في أوروبا القرن الماضي، لكنه يُصوَّر كبعبعٍ إشتراكي يهدّد أسلوب الحياة الأميركي". وفي مقارنةٍ جامحة، يقول جيجك "ترامب، اليوم، هو من يجسّد ما-بعد-الحداثة، على عكس ساندرز الذي يحمل خطاباً أخلاقياً تقليدياً".

في تصدّيه لحجج بيترسون، يبرئ جيجك الفكر الماركسي من بعض التيارات التي يتبناها اليسار الليبرالي حالياً، وفي مقدّمتها الصوابية السياسية وسياسات الهوية. وفي هذا الخصوص، يقول جيجك "في الليبرالية البيضاء، وليس في اليسار الراديكالي، تتجسّد أكذوبة سياسات الهوية". واللافت كان افتتاح واختتام جيجك النقاش بمخاطبة اليسار. ففي المقدّمة، أكّد على أنه لا يتحدّث بإسم اليسار الليبرالي، "إذ إن معظم الهجمات التي أتلقاها تصدر عن يساريين". وفي الختام، وجه جيجك رسالة ليساريي العصر حملت رجاءً منه بألا يقعوا في فخّ الصوابية السياسية.

إن الترقب الذي سبق هذه المناظرة التاريخية، رافقه الكثير من الاستخفاف والإستنتاج السابق لأوانه بأن هذا الحدث لن يكون سوى مضيعة للوقت. وقد أشار جيجك إلى "السخرية الكامنة في تهميش الأكاديميا للشخصيتين المشاركتين في ما يسمّى بمناظرة العصر". لكن أقلّ ما يمكن قوله عن النقاش هو أنه كان على درجة عالية من الأخلاقية والمصداقية والحرية الفكرية، على نحوٍ غير مشهود في النزاعات الأيديولوجية التي تحتضنها منصات التواصل الاجتماعي والمساحات الأكاديمية على حدّ سواء، والمتجسدة في نقاشات مغلقة، تتسم بالفئوية والعدائية المنطلقة من موقع أخلاقي، وتخضع لرقابة الأجهزة الأخلاقية المعاصرة. لماذا إذاً مقاومة هذا الشكل من النقاش الصريح والمفتوح على مصراعيه، لصالح الحفاظ على العزلة الفكرية والصِّدام الدوغمائي؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها