آخر تحديث:09:13(بيروت)
الأحد 21/04/2019
share

"درب السمّوني".. إنساني، إنساني للغاية

محمد صبحي | الأحد 21/04/2019
شارك المقال :
"درب السمّوني".. إنساني، إنساني للغاية من الفيلم
دخل ستيفانو سافونا (باليرمو، 1969) غزة في الأيام العشر الأخيرة من حرب 2008، المعروفة في إسرائيل باسم عملية "الرصاص المصبوب"، وهو أيضاً عنوان الفيلم الوثائقي الذي أنجزه بعد متابعته العدوان الإسرائيلي ومجازره طوال أشهر. كان سافونا فرداً نادراً ضمن عدد قليل جداً من الصحافيين الغربيين تواجدوا في القطاع المنكوب بحروب لا تستوي معادلاتها ولا قوة أطرافها. أراد سافونا التغلب على الحظر المفروض على الصور الغزّاوية؛ أولاً باستخدام مدونة فيديو، يعلّق فيها ليلاً على ما حدث أثناء النهار، ثم بفيلمه "الرصاص المصبوب" (2009). عند تلك النقطة، كان يخطط للعودة إلى بلده، قبل أن تستبقه مجزرة جديدة حدثت في تلك الأيام، ستكون نواة فيلمه الوثائقي "درب السمّوني"* الذي يرصد آثار الحرب الإسرائيلية من خلال ما فعلته بعائلة غزّاوية قضت على معظم أفرادها أثناء نومهم.


يملك ستيفانو سافونا خلفية مهنية في العمل ضمن مجموعات بحثية على التاريخ الشفاهي في إقليم صقلية، كما أنجز بعض الأفلام الوثائقية، أشهرها "تحرير"، الذي شوهد في العديد من المهرجانات الدولية. إنه أحد هؤلاء المخرجين دائمي التنقل، ومع ذلك، مثل كثيرين، يبحث عن النجاح والتقدير وتقديم الأداء المطلوب؛ قادر على الانخراط لفترة طويلة في مشروع ما، والعمل عليه شهور وشهور بدأب وعناد، لديه بوصلة أخلاقية واضحة، ويملك من الموهبة ما يسمح له بتطبيقها على قصة العالم الفاحش الذي نعيش فيه.

في مقابلته مع "المدن" يقول سافونا إن "الإنسان الذي لا يستطيع أن يروي قصة ليس إنساناً حقيقياً". رأيٌ يعيدنا إلى مزحة قديمة تقول إن القصص موجودة دائماً، لكنها لا تحصل على معناها إلا إذا أخبرها شخص ما. فالأساس ليس رواية ما حدث، بل يجب أن يبقى – دائماً - ما حدث نفسه: مَن تصرّف ومَن تفاعل، مَن سيكتب التاريخ ومَن سيبقى في هوامشه، مَن باستطاعته التوثيق وإعادة بناء الماضي. ولكن أيضاً من الأولويات المهمة أن يكون هناك من يمكنه أن يرى ويدرس ويفهم، ومن ثم يعرف كيف يخبر القصة وينقلها لآخرين لم يشهدوها. وهذا مقبول فقط إذا كانت النية من ورائه تحفيز المبادرة لفعل شيء جديد أو اتخاذ موقف جاد، أو بمعنى آخر إذا كان هدفه هو تغيير الواقع. لكن حتى لو افترضنا أن القصة لا تزال ضرورية للتواصل، وهو أمر ضروري لخلق "وعي" يمكن أن يتحول إلى تضامن فعّال؛ فإن القصة منوط بها مهمة "وضع الأوراق على الطاولة" في مسألة احترام الحقيقة، بحيث تؤخذ في الاعتبار وجهات نظر جميع الأطراف المعنية، ولكن في الوقت نفسه، وكاعتبار إنساني تماماً، عليك أن تنحاز، وهذا الانحياز لا يجدر به إلا أن يكون إلى جانب الضحايا، دائماً وأبداً.
على ذلك، فإن طريقة عمل سافونا في فيلمه هي الأكثر إثارة للاهتمام تحديداً، إذ تسعى وتقترح تضامنًا نشطاً وفعّالاً مع ضحايا التاريخ، بدءاً من ضرورة رواية القصة وتفسيرها والخروج منها بدرس مستفاد. ربما يكون كل مخرج وثائقي صحافيًا ومعلمّاً بصورة أو بأخرى،  يهدف إلى نقل المعرفة، ليجعل مشاهديه في نهاية المطاف أقل سلبية في مواجهة الأخبار - تلك التي ما زالت الصحافة المطبوعة والمرئية والإنترنتية تبرع في التلاعب بنا عبرها- أملاً في أشكال تضامن أكثر جذرية من مجرد التعاطف العام وغمغمات تطلقها شفاه يائسة.

"درب السمّوني" حالة مثالية في كثير من النواحي. ففي كانون الثاني 2009، خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، قضت إحدى الغارات على عائلة فلسطينية، هي السمّوني، في ملجأ من المفترض علم القوات الإسرائيلية به. كان الموت قاسياً وسهلاً، إذ لم تبدر من العائلة الفلسطينية أي لمحة مقاومة، كما مُنعت عربات الإسعاف وقوافل الصليب الأحمر من الوصول إلى المصابين. تمكن سافونا من دخول غزة بعد المذبحة، عبر الحدود المصرية، وجمع الكثير من المواد، لكن ليس بما يكفي لصنع الفيلم الذي سيكتمل بعد سنوات عديدة. كيف تخبر، اليوم، هذا الحدث، الذي أدى إلى رد فعل عالمي من الانتقادات للجيش والحكومة الإسرائيلية، وحتى نقاش قوي داخل الرأي العام في ذلك البلد السرطاني (كان هناك أيضاً بعض الجنود الذين رفضوا إطاعة أوامر قياداتهم)؟ كيف، في نهاية المطاف، توثِّق، وفي نفس الوقت "تصنع تاريخاً"، عندما تكون الوقائع التي ترويها حدثت قبل سنوات عديدة؟


في الفيلم، حاضرٌ تصنعه المقابلات، وذكريات الناجين، والتصوير في أماكن الأحداث الحقيقية. الذكريات، بانعكاساتها وما يترتب عنها من أحكام، تحضر، بينما تغيب السياسة الفلسطينية والساسة الفلسطينيين. في المركز، هناك وجهة نظر الضحايا، قصتهم وقصة شهدائهم، حدادهم. وجهة النظر الإسرائيلية، تُستدعى بمؤثرات خاصة (تبدو في الحقيقة بسيطة للغاية). الأهداف/المدنيين نراهم على شاشات الكمبيوتر من أعلى، من القاذفات. وربما كانت هذه هي المشاهد الأكثر فظاعة في الفيلم كله: آلة الحرب في السماء تصبّ رصاصها على الأبرياء، بلا تفريق. صور القصف الإسرائيلي أُعيد بناؤها من وجهة نظر طائرة بدون طيار فوق المنطقة، وذلك باستخدام المواد والحوارات التي تأكدت بدقة من قبل لجنة التحقيق الداخلية في جيش الاحتلال. يقول سافونا: "لا يمكننا المشاركة في عملية التبسيط، ولكن كان علينا تحمل مسؤولية سرد مثل هذه القصة المعقدة التي لم نتمكن من فهمها من خلال النظر إلى الأنقاض. إنهما طرفان يعيشان على بعد بضعة كيلومترات تفصلهما، لكن لا يعرفان بعضهما البعض وربّيا ضغينة متبادلة، تبدو للغربيين غير مبررة. لكنني لم أكن في السماء لأراقبهم من بعيد، بل كنت أعيش مع الفلسطينيين، ثم تبّنتني عائلة السمّوني تقريباً. الخطر الحقيقي بالنسبة لي يتمثل في الرضا الذاتي عن التدمير، وهو شيء فوتوجينيكي جداً".


بالمثل، هناك إعادة بناء للأحداث من وجهة نظر عائلة السمّوني. لكن إذا لم تكن هناك وثائق، فكيف تقوم بخلق الماضي؟ "بعد الحرب، التقيت بهذه العائلة من ضواحي مدينة غزة، السمّوني، التي أصبحت أحد رموز انتهاكات الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين، مثلما أقرت بذلك لجنة تحقيق رسمية إسرائيلية. بقيت معهم شهراً، تعرفت فيه على عائلة الشهداء هذه بشكل أفضل، وبدأت من هناك التحضير لشيء يشبه مآساتهم غير المتوقعة، مثلها في ذلك مثل السينما"، يشرح ستيفانو سافونا لـ"المدن" بدايات تشكُّل فيلمه الأخير، والذي بعد إنجازه فيلم "تحرير" عن الثورة المصرية، يؤكد قدرته على إعادة سرد أحداث مضطربة في عالم عربي زاخر بها في السنوات الأخيرة. هذه المرة، وجد المساعدة مع الرسوم المتحركة لسيمون ماسي، وغيره من رسامي الأنيميشن، معظمهم من النساء، للعمل على توليف قصة واحدة من أكثر العائلات امتداداً في الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى المذبحة التي عانوا منها خلال الحرب.

عمل مثير وباهر ذلك الذي قامت به كتيبة الرسّامين بقيادة سيمون ماسي، بمعدل نصف ثانية في اليوم على مدى بضع سنوات، حتى مع ضرورة الاعتراف بحرمان تلك المشاهد المركزية –المعاد بناؤها عبر رسوم الأنيميشن ورواة خارجيون- من دراماها. يقول ماسي "شاهد ستيفانو أفلامي القصيرة، وأنا أيضاً شاهدت عمله. أحببنا بعضنا بعضاً، وهذا مهم قبل أي شيء، لأنني بالكاد أستطيع العمل مع أشخاص لا يحبونني. تأقلمت مع طلباته، والأسلوب والسرد الذي يريده، وعملت كمتعاون، بطريقة مختلفة عما اعتدت عمله لمدة عشرين عاماً، لم أخبر فيها سوى قصتين فقط: الحرب الحزبية في إيطاليا وتمدّن الريف في ماركي (أحد أقاليم إيطاليا). التحدي الآخر تمثل في أنني لن أعمل بمفردي، بل بالتعاون مع رسّامين آخرين. ويبدو لي أن الأمور سارت بشكل جيد، إذا ما نظرنا إلى الإطار الذي وجدنا فيه أنفسنا".

عمل شاق وطويل، يدفعنا للثناء على قيمة الصبر في عملية إنجاز الفيلم، واحترام الوقت، الأمر الذي لا يتماشى بالضرورة مع الهيجان المعاصر واللهاث وراء تسديد الخانات وملء فراغات المتابعات الإخبارية بتقارير متلفزة وبث حيّ، لا يخرج عن مسارات محددة سلفاً. التقط سافونا الصور، التي سيجري العمل عليها بعد ذلك بواسطة الرسّامين، وإضافاتهم من الباستيل، ومجهود لافت في حرفيته واعتنائه بالتفاصيل. بالنسبة إلى سافونا، فإن رسوم ماسي ذات خصوصية شديدة، إذ تبدأ بورقة سوداء يخرج منها الضوء، ثم تظهر بعدئذ في صورة مؤسلبة negative، تذكّر بالتعب الذي تتعرض له الأرض. "يبدو لي أن هناك مزامنة بين حكايات مَن تبقّى من عائلة السمّوني عن مأساتهم وقصص موت أقاربهم، وبين ما يقوله المزارعون عن الخراب الذي حلّ بأراضيهم نتيجة القصف"، يشرح سافونا.

بين الأمس واليوم، حاضر يقتات على أنقاض وذكريات، نتعرّف فيهما على انعدام أمان يُعرَّف ذلك الحاضر على أساسه، كإرث مستمر من الأمس. ولكنه يخبرنا أيضاً أن الحياة مستمرة، وأننا ما زلنا نقع في الحب، وما زال أمامنا الكثير لنكافح ضده، وما زال الأطفال يأتون إلى العالم ليعيدوا الأسئلة القديمة نفسها ويختبرون موقعهم منه، وفوق كل شيء، المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد وصعوباته المحفوفة بالمخاطر. معارضة، أسئلة، يأس.. تختلط جميعاً في سيمفونية سينمائية بحركات متناوبة، تتشكّل أضلاعها الثلاثة من الحاضر المصوّر تسجيلياً والأمس الحاضر رسماً (وكلاهما في مستوى الأرض وإلى جانب الناس)، وثالثاً، من التجريد العسكري البارد، من هندسة الموت المتحرك القادم من أعلى، حيث الصور تحوّل بشراً حقيقيين إلى أهداف، مجرد نقاط متحركة يجب إيقافها مرة واحدة وإلى الأبد.
أخيراً، فالأطفال هم محور التركيز الحقيقي للفيلم، أو على الأقل ما يهمنا النظر فيه. فهم ضحايا، بالتعريف، لما حدث لآبائهم وأقربهم، وهم الأبرياء المطلقون، بالتعريف أيضاً. لكنهم أيضاً حاملون لبعض الأمل، لأن الحياة تستمر رغم الموت، وإذا كان لا بد للمرء أن يعيش ويكمل حياته، فلا يستقيم أن يظلّ يعاني ويعاني فحسب. بل يمكن له أيضاً محاولة أن يفهم، يمكن للمرء أن يحاول البحث عن المسار الصعب لهذه المجموعة من الأشياء التي يصر البعض بعناد على تسميتها "سلاماً".


(*) عُرض مؤخراً في القاهرة ضمن فعاليات النسخة الثالثة من "أيام القاهرة السينمائية".
حصل الفيلم على "جائزة العين الذهبية" لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان كان السينمائي 2018.



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها